أغليتُ إلَّا مصابِكَ أدمعي - حامد حسن معروف

أنا ما ضللتُ على المشيبِ صوابي
کلَّا ولا ضلَّ الهدى أترابي
 
بان الشَّبابُ فما جزعتُ لبينهِ
حتَّى بکی مرحي وضجَّ دُعابي
 
نحَّيتُ مرشفَ كلِّ كأسٍ
وصرفتُ كل نجيَّةٍ عن بابي
 
وحطمتُ أشتاتَ الدُّمى من راحتي
ومسحتُ طيفَ الحبِّ عن أهدابي
 
لم يبق من مُتعِ الصِّبا وفتونه
إلا ادِّكارُ إفاقةٍ وشرابِ
 
وخيالُ ندماني ، تلفَّتَ بعضُهم
لكؤوسِه والبعضُ للأكوابِ
 
وصدىً تذوبُ علی مراشفِ قينةٍ
آهاتُه نغماً ونفْحَ مَلابِ
 
ومُنىً أعبُّ سلافَها في مشهدٍ
لعواطفي والعقلُ في الغُيَّابِ
 
لولا المُنى لنزلتُ من دنيا الوری
في موحشٍ قفرِ الأديمِ يبابِ
 
و لما وقعتُ على بدائعِ فتنةٍ
من سِحرها المتألِّقِ الجذَّابِ
 
ولما رأيتُ الزَّهرَ ... حبَّاتُ النَّدى
في تاجِه درٌّ نظیمٌ سابِ
 
ألمشرقُ الضَّاحي على أفُقِ السَّما
منْ لازَورْدٍ فاتن ٍ خلَّابِ
 
 
ورأيتُ في ذهبِ الأصيلِ - ترفُّهُ
بجفونِها الأنظارُ - نوراً خابي
 
منْ ظنَّ أنَّ العقل مصدرُ نعمةٍ
فالعقلُ مصدرُ شقوتي وعذابي
 
قومي الألى عصبوا الشُّموسَ بهمِّهمْ
وتلفّعُوا بمآزرِ الأحسابِ
 
ألطَّالعونَ على الزَّمانِ أهلَّةً
ميمونةَ الإشراقِ والإغرابِ
 
تأبى المكارمُ أن تُشادَ قبابُهم
إلَّا على الأذهانِ والألبابِ
 
حفلَ الخلودُ بهمْ فكلُّ صحيفةٍ
روضٌ تباكرُها ذيولُ سحابِ
 
غنَيتْ بأشتاتِ الجمالِ ولوَّنتْ
صُوراً من الأنوارِ والأطيابِ
 
دلَّتْ على الحسبِ الكريم شمائلٌ
كعطورِ أنفاسِ الرِّياض سوابي
 
وهدتْ مکارمُهمْ بني الدنيا إلى
شیمٍ کسلسالِ النَّميرِ عذابِ
 
عشقوا العُلى من مهدهمْ وترفَّعوا
فيها عن الأسماءِ والألقابِ
 
ركُبوا مسالكَها فلم يوحشهُمُ
بین المسالكِ قلَّةُ الأصحابِ
 
وإذا طغتْ هِمَمُ الفتی وهمومُه
قذفتْهُ في أشداقِ ليثِ الغابِ
 
کم معشرٍ طلبوا العُلى حتَّى إذا
حقَّ الفدى نكصوا علی الأعقابِ
 
لم يحمِ صرحَ المجدِ -طال بناؤُهُ-
في العالمين فتیً کلیلُ النَّابِ
 
من أولعَ الأرزاءَ في بيتِ العلی
حرباً وراعَ ذؤابةَ الأنسابِ ؟
 
يهوي الصَّريعُ ، ولا وحرمةِ مجدهِ
وطهارةِ الأرحامِ والأصلابِ
 
لم يهوِ حتَّى سارَ في قَدمِ العُلى
بين النُّجومِ على أديم شهابِ
 
تَرِدُ الخطوبُ على الكريمِ فلم تردْ
الّا على سعةٍ وخصبِ جنابِ
 
طرقتهُ أحداثُ الزَّمانِ فلم يضقْ
برکوب سهلٍ أو ركوب صعابِ
 
من كانَ يزعمُ أنَّ من ضاقتْ به
الدُّنيا تواريهِ أكفُّ ترابِ ؟
 
ولئنْ بکی صدرُ النَّديِّ عميدَه
فلقدْ بكتهُ جوانحُ المحرابِ
 
لم يدر لحدُكَ أنَّ فيه غمامةً
جادتْ وهاداً جدْبةً وروابي
 
حشدتْ لكَ الدُّنيا ولم تحشد لها
إلا عزيمةَ ضیغمٍ غلَّابِ
 
وضربتَ وجهَ الظُّلمِ يرعفُ أنفُه
حقداً فلم تضربْ بسيفٍ نابِ
 
لم يمحُ صمتُكَ رهبةً أبدعتَها
حيَّاً وبعضُ الصَّمت للإرهابِ
 
بالسَّيفِ منكَ شمائلٌ نزلتْ على
حسبٍ كلألاءِ الضِّياءِ لُبابِ
 
فالسَّيفُ يُرهبُ مصلتاً منْ غمدِه
والسَّيف يُرهبُ مغمداً بقرابِ
 
إيِهٍ أبا الأشبالِ لو يدري الثَّرى
ما بي عليكَ بکی ثراكَ لما بي
 
أغليتُ إلَّا في مصابِك أدمعي
وسما عن الخطبِ الجسيمِ عتابي
 
منْ راعَه يومُ النَّوى من راحلٍ
فلقد تروعُ مصارعُ الأحبابِ
 
ولكلِّ مرتحلٍ إيابُ يُرتجى
إلَّا الرَّدى سفرٌ بغيرِ إيابِ
 
لا يؤنسُ العينَ القريحةَ بعدهمْ
طللٌ حبسْتُ علی ثراهُ ركابي
 
ووَقفْتُ أسهبُ في سؤالِ طلولهمْ
و من السُّؤالِ تَعلَّةٌ وتغابي
 
ولربَّما تقسو الشُّجونُ على الفتی
فينوبُ عنهُ الدَّمعُ بالإسهابِ
 
يحنو على مثوَى "المُعلَّى" خافقي
حبّاً وتلثمُ تربَه أهدابي
 
كم كنتُ أطمعُ في لقاءِ مطهَّرٍ
من فتنةٍ ومبرأٍ منْ عابِ
 
يجلو دُجى الشُّبُهاتِ عن وجه الهُدى
ببديع ِ تبيان ٍ وفصلِ خطابِ
 
صلَّى الإلهُ عليكما وسقَى ثرى
قبریکما منْ رحمةٍ وثوابِ
© 2024 - موقع الشعر