الأدب الأفستائي

لـ فؤاد العاشوري، ، في غير مُحدد، آخر تحديث

الأدب الأفستائي - فؤاد العاشوري

للأدب الروائي في إيران جذورٌ ضاربة في القدم؛ ويتألفُ جزءٌ کبيرٌ من هذا الأدب
من الأساطير والروايات والقصص التي تعود إلی حقبة الحياة الأسطورية من
تاريخ بلاد فارس؛ تلك الحقبة التی امتزج فيها التاريخُ بالأسطورة والطقوسِ
الدينية، وتعانق في ربوعها الضياءُ والظلام وتباری علی مروجِها الخيال والواقع.
ولا يمکن لمتتبعِ الأدب الروائي في إيران ما قبل الإسلام، فهمُ مغزی الأساطير
والقصصِ ودرکُ غايتِها، من دون أن يُميط عن وجهها لثامَ کثيرٍ من الرموز والأسرار
التي تُحيط بها؛ وتُبين لنا كلُّ واحدة من تلك الأساطيرِ والحکايات - إذا ما اطلعنا
علی أسرارها ورموزها - بعداً من أبعاد الحياة ونظامها المحکم المتين.
يجهل العارفون بالأدب الايراني القديم، زمن انطلاق الروايات الأسطورية بين الإيرانيين
القدامی، غير أنهم يذکرون أن تلك الحقبةَ الأسطوريةَ انتهت بظهور الميديين "الکرد"
في ساحة التاريخ الإيراني القديم قبل ميلاد سيدنا المسيح عليه السلام بقرون.
أما الحِقبة الثانية من الأدب الروائي الفارسي فقد بدأت بجلوس الميديين علی
العرش وانتهت في النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد بزوال دولة الإخمينيين
التي حکمت بلادَ فارِسَ بعدَ الميديينَ حيناً من الدهر.
يُسمّی الأدبُ الفارسيُ في عصر الميديين والإخمينيين بالأدب الأفستائي لرواجِ
لغتِه وخطّهِ وأدبهِ الروائي الشيِّقِ الذی لم يبقَ منه سوی نقوشٍ وألواحِ حجريّة
ومسلاتٍ کُتبت بالخطِ المسماري وأساطيرَ باسمِ التاريخ وصلتنا عبر المؤرخين
اليونانيين.
إن الحِقبةَ الافستائيةَ من أقدم الحِقبِ التي ترکت لنا الفکرَ الإيراني، إرثاً جميلاً
علی شکل أناشيدَ وأدبٍ ملحميٍ يَزخر بالقِصص والرواياتِ الأسطورية.
ولا يمکنُ للقارئ أن يری هذا الأدبَ إلاّ في الأفستا وهو الکتابُ المقدسُ
عند الفرس القدامی؛ شَرع بکتابتِه الزرادشتُ الحکيم- في القرن السابع
مطلع فجر الميديين- بأناشيدَ ذاتِ مضامينَ دينيّة.
يقال إنه ليس للأفستا کاتبٌ واحدٌ وليس ببعيدٍ أن يکون الکُتّابُ والأدباءُ الذين
خاضوا غمارَ الحياةِ بعد الزرادشت في‌ العصور الميدية والإخمينيّة والأشکانية،
أتحفوه بحکاياتِهم التی نسجوها حتی اکتملت حلقاتُه في عصرِ الساسانيين
فاتخذوه لهم کتاباً مقدساً لا يعلو عليه کتاب.
مهما يکن من أمرٍ فإنّ الأفستا يُعد نموذجاً جيداً للفکر والذوق الأدبي الإيرانی
الذي تجلی لنا علی شکل أشعار وأساطيرَ وقصص جميلة.
إذن بدأ الأدبُ الروائي في إيران، قبل الميديين في حقبةٍ عُرفت بالحقبة
الأسطورية في ساحة التاريخ الإيراني القديم ثم تَفتّحَ العصرُ الميدي ليضوع منه
أريج الأدب الأفستائي حيث أصبح الأدبَ الفارسيَّ الأسمى على مدى العصرين
الميدي والإخميني الذين بنيت على أساسهما الحضارة الفارسية العريقة.

تعليقات الزوار

  • كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع الشعر.
  • التعليقات المنشورة غير متابعة من قبل الإدارة. للتواصل معنا اضغط هنا.
© 2022 - موقع الشعر