كَفر سليمان تصف نفسها! - أحمد علي سليمان

عَروسُنا تحتفِي بالنيل حَاديها
وتستجيشُ صَدى الذكرى بَواديها

في ثوب عُرس يُجَلي حُسنَ فاتنةٍ
تفوقُ غِيدَ الدُّنا إذ تنثني تِيها

ومُخمَلُ الثوب يُضفِي زينة خَفِيتْ
تختالُ فيه عَروسٌ سُرَّ رَائيها

وللطبيعة في أرحابها حِصَصٌ
وأبَّهاتٌ بَدَتْ سبحانَ باريها

كَفرُ السليمان مِن بين القرى سَطعتْ
شمسٌ تألقَ دانيها وقاصيها

سل الحقولَ ازدهتْ في ثوب خُضرتها
تُزجي الثمارَ زهتْ في عين جانيها

سل السواقيَ بالأمواه ما بخِلتْ
فبارك الله في سُقيا سواقيها

سل الضواحيَ في أبهى بشاشتها
تكادُ تأسرُني سِيما ضواحيها

سل البَواديَ في أرحابها ازدهرتْ
وناولتْ خيرَها شتى مَراعيها

سل الزروعَ وقد حانت مَواسمُها
وقبلُ كان وفيرُ الماء يرويها

سل الحصائدَ في الأجران يانعة
تزهو ، وقد سلبتْ عيونَ شاريها

سل الدكاكينَ زانتْها بضاعتُها
مَن يستطيعُ لها عَدَّاً فيُحصيها؟

سل المتاجرَ في أصقاعها انتشرَتْ
حتى تُلبِّيَ مطلوباتِ أهليها

وسل زبائنَ أسواق لها قصدوا
مِن كلِّ فج ، ومن أرجى مَغانيها

وسل إذا شئت صُناعاً قد احترفوا
أعتى الصنائع مَن يوماً يُضاهيها؟

في كل فن لهم طبعٌ وفلسفة
وكل مُحترفٍ للناس يُبدِيها

سل البواخرَ نهرُ النيل يُؤنِسُها
واللهُ ربُّك مُجريها ومُرسيها

سل النباتاتِ ماءُ النيل يَحملها
والطيرُ يأكلُ أزهاراً تُغطيها

سل النسائمَ فوق النيل هائمة
هبَّتْ تُداعبُ صَباً هائماً فيها

سل السحائبَ فوق النيل سابحة
والماءَ يحملهُ عذباً يُناغِيها

وسل (فارسكورَ) عنها ، فهْيَ جارتُها
تحكي المناقبَ لا تُحصَى ، وتُطريها

وسل كذلك عن (شيخ العموم) ، لهُ
مكانة كتبُ التاريخ تحكيها

سل شيخنا الفاضلَ (الشحات) عن دُرر
مِن الكِتاب تلا ، ما انفك يُمْليها

هناك في باحة (الكُتاب) علمنا
آيَ الكِتاب تُزكي ثغر تاليها

وفي التلاميذ أرسى كلَّ عارفةٍ
ومَن سِواه غدا في الطفل يُرسيها؟

أمانة أصبح الأطفالُ في يده
فعاشَ بالرُّوح قبلَ الدمِّ يَفديها

سل (مصطفى العِتر) في حانوته رَؤُفاً
ويُوسِعُ الكل إرشاداً وتنبيها

يُقابلُ النيل حانوتٌ مقابلة
وللرياح أهازيجٌ تُغنيها

واذكرْ نصائحَ (مسموع) يجودُ بها
وكم يحذرُ مِن شَجوى تَنَاسيها

سل القراءاتِ مَن في الناس رَتلها؟
عبدُ اللطيف إلى الأرواح يُهديها

وسل (عِمارة) عن أخلاقَ دَرَّسَها
وفي النفوس زكتْ أسمى معانيها

مازلتُ أذكر (لليثيِّ) نبرته
بها يُعطرُ آيَ الذكر تنزيها

و(لابن كحلا) بآي الحق دَندنة
مِزمارُ داوودَ بالألحان يُشجيها

وسل (رَبيعاً) له التدريسُ موهبة
ومَن تراه على علم يُحاكيها؟

وسل (شواربَ) والتموينُ مرتصدٌ
صِفرَ الأيادي زهاءَ الشهر يكفيها

وسل (إذاعة) قوم يُذعنون لها
أبو سِعيدةَ بالأخبار يُولِيها

مازال يَطرقُ أسماعاً ويُتحفها
بما لديه من الأنباء يُلقيها

فتارة معلناً عن سلعةٍ جُلبتْ
والسعرُ يصبو إلى مَرمَى مُريديها

وتارة مُشْهراً فحوى مُزايدة
على بيوع تزيدُ الناسَ ترفيها

وتارة مُفصِحاً عن ذِكر مَن رحلوا
عن الديار ، وذكراهم تُبَكيها

وتارة مفصحاً عن عُرس عُطبلةٍ
حتى يُشارك عن حب مَداعيها

وتارة ذاكراً أمانة فقدتْ
مِن أنفس تشتكي ، فمَن يُواسيها؟

وتارة ذاكراً طفلاً ووالدة
تبكي على فقده ، والدمعُ يكويها

والدارُ تذكرُ (سُرطاسِيَّ) صحوتها
ذا (مصطفى) الخير عن فقهٍ يُوَعِّيها

تزيدُ عن ساعةٍ والنصف خطبتُه
مازال مما يُدَسِّيها يُنقيها

عليه رحمة رب الناس ما بزغتْ
شمسٌ ، وشعتْ ضياءً في نواحيها

سل (المَعَدِّية) الشماءَ كم نقلتْ
بين الشواطيء أثقالاً تُعانيها؟

وما اشتكتْ جارة يوماً لجارتها
بل كابدتْ ، ثم قرَّتْ في مَراسيها

وسل بقالة (شكشوكٍ) نحِنُّ لها
و(للدسوقيِّ) إقدامٌ يُجَليها

يُقدِّرُ الطفلَ ، ليس المستهينَ به
والابتسامة زكتْها دَواعيها

في رِقة غيرُهُ ما كان يُحسنها
ورقة القلب تستهوي محبيها

وهمةٍ لم يجُد ذاك الزمانُ بها
وحكمةٍ ندرتْ ، سبحان مُهديها

وسل (مواصلة) ما كان أعذبَها
و(كفرُ سعد) تُحَيي مَن أتى فيها

وكم ركبنا بلا كَلٍّ ولا مَلل
وما الوسائلُ – إنْ جَدَّتْ – تُباريها

تُسابقُ الرِّيحَ ، والأمانُ طابعُها
إذ أصبحتْ تنقلُ الركابَ ترفيها

سل (الفلوكة) والركاب في شغفٍ
إلى الركوب ، ورب الناس يُجريها

ولابن (جبر) بسير الفلك خِبرتُهُ
مستلهماً كل ألوان الذكا فيها

وسل (أبا جمْعةٍ) نجارَ قريتنا
عن النجارة ، مَن أضحى يُرَقيها؟

ومَن تفننَ في إظهار صَنعتها
مناولاً فنه غضاً يُنَمِّيها؟

والشيخ (عبد الكريم) الخردواتُ به
تهفو إلى مشتر يأتي فيشريها

يا (غيطانيُّ) ، وللتنسيق منظرُهُ
وللبضاعة ترتيبٌ يُجَليها

وكنتَ أبدعت في حُسنى معاملةٍ
تسبي القلوبَ ، فلا حُسنى تُساويها

و(الطمبشاويُّ) خياط بقريتنا
مَن ذا يحاولُ للعملاق تشبيها؟

ويحَ (المُوديلاتِ) تُغني مَن يُطالعُها
عن صنعة الغير ماضيها وتاليها

وللتكافل عنوانٌ بقريتنا
فلا يُذلُّ فقير بين أهليها

وإن دهى السُّقمُ والإيجاعُ كوكبة
فليس تعدِمُ فيهم مَن يُداويها

سل المَدينين مَن أدَّى دُيونَهُمُ؟
ومَن سِوى الشُّمِّ مَرضياَ يؤديها؟

والغارمين فسل من فكَّ كربتهم
يرجو الأجورَ من الرحمن مُسديها؟

ومَن تكفلَ بالأيتام يمنحُهم
مِن الرعاية لمَا غاب راعيها؟

سل الأراملَ مَن لهن جاد بما
طالتْ يداهُ مِن الأموال يُزجيها؟

وسل (توكلَ) ، والوابورُ في يده
مازال يُصلحه بالنار يُصْليها

وقد يُغَيِّرُ أجزاءً به عطبتْ
وبعد تصليحه يُزيلُ تشويها

فالسَّمكريُّ يؤدي خير سَمكرة
يَحارُ فيها أساطينٌ تُؤديها

وبعد ذلك سل (سَقاء) قريتنا
والقرية احتفلتْ دوماً بساقيها

سل الأراجيح في الأعياد قد نصبتْ
وانظر تشبثَ أطفال بعاليها

لمَّا يخافوا من الأرجوحة انطلقتْ
في الجوِّ تعلو وتجفو عن مَواطيها

سل الموالدَ ألغاها الألى فقهوا
وأمطروا أهلها هُزءًا وتسفيها

فلم تعُد في مَغاني الدار أضرحة
ولم تعُدْ بدعٌ تغشى مَغانيها

واستمسك الناسُ بالتوحيد يَعصمُهم
من المهالك غاصتْ في دياجيها

وساد دينٌ قويمٌ خالصٌ وَسَط
أما المَخارفُ فانجابتْ مَساويها

كَفر السليمان كانت دار عائلتي
وفي مَرابعها الإسلامُ حاديها

في السبعينيات من قرن مضى قطنوا
واستعذبوا العيشَ في أحلى روابيها

مُهَجَّرين من (البُلط) التي ابتليتْ
بالحرب ، واندلعتْ جمراً بلاويها

فاستقبلتْ قرية الأجواد مَن وفدوا
ويح العوائل أضنتْها زراريها

وما استغلوا – معاذ الله – غربتهم
لكنْ معاملة تسمو بمُولِيها

عاشوا كما الأهل ، فالأرحامُ تجمعُهم
في قريةٍ تحتفي بالضيف يأتيها

كفرَ السليمان) بُشراكِ الخيور زكتْ
وللجمائل أقوامٌ تُكافيها

هذي القصيدة عرفانٌ بما صنعتْ
قرَيَّة بذلتْ شِعري يُحَييها

بذلتُ فيها مِن المجهود أعمقه
وراهنتني على العليا قوافيها

قرَيتي فاسلمي من كل قاصمةٍ
إن القواصم تُبلي الدارَ تُفنيها

وقاكِ ربُّكِ ما في الأرض من محن
ونِلتِ مجداً به فلتفخري تِيها

أستودعُ الله أهلاً فيكِ أعرفهم
لهم أشرتُ ، وقد نوهتُ تنويها

ومَن قضى نحبه ، فالله يرحمه
برحمةٍ منه ، تحدونا جَوازيها

مناسبة القصيدة

(إنه لشرف كبيرٌ لي أن أكتب عن قريةٍ متألقةٍ عشتُ فيها سنوات من طفولتي! إنها كفر سليمان البحري ، وهي إحدى قرى مركز كفر سعد التابع لمحافظة دمياط بجمهورية مصر العربية ، وتتميز هذه القرية الجميلة الرائعة بالهدوء وجمال الطبيعة ، حيث تحيط بها الحقول الخضراء اليانعة ، وتتميز بنقاء الهواء وصفاء السماء الزرقاء ، وتعكس في الليل جمالًا خاصًا بضوء القمر والنجوم. كما أن أهلها طيبون ومتعاونون ومحترمون في الجملة ، ويعيشون حياة بسيطة وهادئة بعيدًا عن صخب المدينة وضجيجها. وأتناول في هذا النص بعض الجوانب من طفولتي في كفر سليمان البحري ، مؤدياً شيئاً من جميلها وجميل أهلها الطيبين الكرام علي!)
© 2026 - موقع الشعر