رحيل آخر - يحيى السماوي

هَيّأتُ من زمنٍ وقودي
للظاكِ من رَنْدٍ وَ عودِ (1)

لستُ البخيلَ وإنْ رثى
جمرُ الضنى بستانَ جودي

ثرٌّ وما ملكتْ يداي
سوى جُفاءٍ من حصيدِ (2)

تَرَكَ الزمانُ بمفرقي
زَبَدَ السِنينِِ .. وفوقَ فُودي (3)

ما للسنين تَمُرُّ بي
ثَكلى بميلادٍ وعيدِ ؟

فإذا شدوتُ وَجدْتُني
مُدمى الحشاشةِ في نشيدي

وإذا اصطبحتُ فمن صدىً
وإذا اغتبقتُ فمن وعودِ

عجباً عليَّ ! بَرَدْتُ في
جمري .. وأحرقني جليدي

أفكلما كتَمَ الفؤادُ ال
سرَّ يفضحهُ قصيدي ؟

عريان الا من ثيابِ ال
شوكِ بستانُ الشريدِ

لو تستريهِ ببُرْدَةٍ
من عُشبِ واحتِكِ النضيدِ

عَهَدتْ اليكِ بضوئها
مُقلي … فصوناً للعهودِ

دربي اليكِ مُعَبَّدٌ
لكنْ بأحجارِ الصدودِ

وبداجياتٍ لم تُنَرْ
الا ببرقٍ من رعودِ

فإذا مشيتُ فرِحلَةٌ
أخرى الى منفىً جديدِ

وإذا وقفتُ فقدْ غدا
من دونما معنى وجودي

سيفانِ .. أيهما سأتركُ
تحت شفرتِهِ وريدي ؟ (4)

وحزمتُ أمتعةََ الطريقِ:
حُطامُ مغتربٍ وَقيدِ (5)

ما نفعُ سيفِ " ابن الوليد" ؟
بغيرِ حزمِ " ابن الوليدِ "

دعني .. متى منع المَلامُ
رحيلَ بحّارٍ عنيدِ ؟

الأرضُ ضيّقةٌ فأينَ
أفرُّ من عَسَفِ القيودِ ؟

وطَّنتُ قلبي في هواهُ
مهاجراً عن كلِّ غيدِ

مُترقباً عسلَ الوعودِ
فَصبَّ لي صابَ الوعيدِ

قلبي أنا وطنُ الهوى
ووجوهُ أحبابي حدودي

لستُ المُعنّى بالعيو
ن الضاحكاتِ وبالنهودِ

ومباسمٍ ضَجَّ العبيرُ
بها وفاضَ على الخدودِ

ونعاسِ جفنٍ يستفزُّ ال
صحوَ في أوتار عودي

وسوادِ ليلِ المقلتينِ
وهدبِها وبياضِ جيدِ

لكنهُ حتْمُ المَشوقِ
لوصلِ فاتنةٍ نَجودِ (6)

وسناءِ قنديل ِ الوفاءِ
يضيءُ في زمنِ الجحودِ

أنا والهوى ضفتانِ من
نهرٍ يضاحِكُ رملَ بيدِ

كنتُ القريبَ وما وصلتِ
فكيفَ وصلُكِ للبعيدِ ؟

*****
الرند: نبت طيب الرائحة ، كذلك العود

جفاء: ما يلقيه السيل من الجانبين والذي لا نفع فيه
الفود: جانب الرأس الذي يلي الأذنين

الشفرة: حد السيف
الوقيد: المشتعل

نجود: المرأة العاقلة الكريمة الأصل
© 2024 - موقع الشعر