• وَسِيلَةُ التَّفَاهُمِ وَأَدَاةُ الْمَعَانِي
  • كتبه / أشرف السيد الصباغ
    اللُّغَةُ وَسِيلَةُ التَّفَاهُمِ، وَأَدَاةُ التَّعْبِيرِ عَنِ المَعَانِي، بِهَا يَتَحَقَّقُ التَّوَاصُلُ الإِنْسَانِيُّ، وَيَتَدَفَّقُ التَّفَاعُلُ بَيْنَ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ، فَهِيَ مِرْآةٌ تَنْعَكِسُ عَلَيْهَا عَقَائِدُ الأُمَمِ وَتَقَالِيدُهَا الاجْتِمَاعِيَّةُ، وَمَوَاقِفُهَا السِّيَاسِيَّةُ، وَانْتِمَاءَاتُهَا الوَطَنِيَّةُ،
    وَمِنْ ثَمَّ تَبْدُو العَلاقَةُ وَاضِحَةً رَاسِخَةً بَيْنَ اللُّغَةِ وَالمُجْتَمَعِ؛ إِذْ لا يُمْكِنُ لِلسُّلُوكِ الاجْتِمَاعِيِّ أَنْ يُوجَدَ فِي غِيَابِ اللُّغَةِ، وَقَدْ نَتَجَ عَنْ هَذِهِ العَلاقَةِ ظُهُورُ مَا يُسَمَّى بِـ (علم اللـغة الاجتماعي) Sociolinguistics؛ لِلْكَشْفِ عَنِ القَوَانِينِ وَالمَعَايِيرِ الاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُوَضِّحُ وَتُنَظِّمُ سُلُوكَ اللُّغَةِ وَالأَفْرَادِ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ المَيَادِينِ وَالمَجَالاتِ الَّتِي يَتَضَمَّنَهَا (علم اللغة التطبيقي)Applied linguistics .
    وَتَحْتَلُّ اللُّغَةُ مَكَانَةً بَارِزَةً فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ، فَيَقُومُ عَلَى أَسَاسِهَا التَّفَاعُلُ الاجْتِمَاعِيُّ وَالتَّوَاصُلُ الإِنْسَانِيُّ فِي شَتَّى مَنَاحِي الحَيَاةِ، وَلَهَا مِنَ الصِّفَاتِ مَا جَعَلَهَا تَشْغَلُ مَسَاحَةً وَاسِعَةً فِي أَدَبِ العَالَمِ عَبْرَ التَّارِيخِ، تَشْهَدُ بِذَلِكَ النُّصُوصُ الأَدَبِيَّةُ المُتَنَوِّعَةُ مِنْ قِصَصَ وَنَوَادِرَ وَشِعْرٍ، وَقَدْ نَتَجَ عَنْ هَذَا الحُضُورِ الأَدَبِيِّ وُجُودٌ لُغَوِيٌّ، يَتَمَثَّلُ فِي وَصْفِ المُجْتَمَعِ العَرَبِيِّ الَّذِي يُعَدُّ الصُّورَةَ الَّتِي تُحَدِّدُ هُوِيَّتَهَا، وَالسِّيَاقَاتُ الثَّقَافِيَّةُ المُتَعَدِّدَةُ ذَاتُ المَعَانِي العَمِيقَةِ؛ لِتَرْسُمَ صُورَةَ العَرَبِيِّ وَمَلامِحَ شَخْصِيَّتِهِ، وَمَدَى وَعْيِهِ لِذَاتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ فِي إِطَارِ التَّطَوُّرِ اللُّغَوِيِّ.
    وَتَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ الَعَلاقَةُ بَيْنَ اللُّغَةِ وَأَفْرَادِ المُجْتَمَعِ فِي أُمُورٍ، مِنْهَا:
    1ـ تَعْمِيقُ الصِّلَةِ وَالعَطَاءِ المُتَبَـادَلِ بَيْنَ مُعْطَيَاتِ عِلْمِ اللُّغَةِ الحَدِيثِ، وَالدَّرْسِ اللُّغَـوِيِّ التُّرَاثِيِّ مِنْ خِلالِ نَمَاذِجِهِ المُمَيَّزَةِ.
    2ـ تَحْلِيلُ العَلاقَةِ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالمُجْتَمَعِ، وَتَأْثِيرُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الآخَرِ بِشَكْلٍ عَامٍّ؛ إِذْ تُعَـدُّ اللُّغَةَ نِتَاجًا اجْتِمَاعِيَّا، تَتَأَثَّرُ بِالبِيئَةِ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا، وَبِنُظُمِهَا الاجْتِمَاعِيَّـةِ، كَمَا تَلْعَبُ دَوْرًا كَبِيرًا فِي تَحْقِيقِ الوَحْدَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ.
    3ـ تِبْيَـانُ مَا لِلُّغَةِ مِنْ خُصُوصِيَّاتٍ تَعْكِسُ صُورَةَ العَرَبِ فِي المُجْتَمَعِ، وَالتَّمَايُـزَ بَيْـنَ أَنْمَاطِهِمْ؛ إِذْ تُعَدُّ اللُّغَةُ جُزْءًا مِنْ ثَقَافَتِهِمْ؛ بِلْ هِيَ الأَدَاةُ الرَّئِيسَةُ لاكْتِسَابِ الثَّقَافَـةِ.
    4ـ ضَرُورَةُ تَحْدِيثِ المُعْجَمِ العَرَبِيِّ، وَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ الأَلْفَاظِ وَالتَّعْبِيرَاتِ الاصْطِلاحِيَّةِ لِتَكُونَ مُعْجَمًا فِي أَيْدِي الكُتَّابِ وَالمُبْدِعِينَ؛ حَيْثُ تَجْمَعُ الألْفَاظَ وَتُحَدِّدُ أَنْمَاطَهَا، وَتُصَنِّفُهَا تَصْنِيفًا دَقِيقًا، وَتَكْشِفُ عَنْ صِلاتِهَا بِعْضِهَا بِبَعْضٍ.
    5ـ مُحَاوَلَةُ التَّوَصُّلِ إِلَى نَتَائِجَ مُنْضَبِطَةٍ عَنِ الاسْتِخْدَامَاتِ السِّيَاقِيَّةِ لِلألْفَـاظِ الَّتِي تَخُصُّ المُجْتَمَعَ العَرَبِيَّ فِي كُلِّ العُصُورِ وَالبُلْدَانِ، وَمِنْ ثَمَّ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ التَّطَوُّرِ الدِّلالِيِّ لِهَذِهِ الألْفَاظِ، مِمَّا يُفِيدُ عِنْدَ صِنَاعَةِ مُعْجَمٍ تَارِيخِيٍّ.
    6ـ دِرَاسَةُ الألْفَـاظِ الَّتِي تَخُصُّ العَرَبِيَّ فِي إِطَارٍ اجْتِمَاعِيٍّ، مَعَ عَرْضِ التَّعَابِيرِ الاصْطِلاحِيَّةِ المُتَمَثِّلَةِ فِي:
  • التَّعْبِيرِ المَثَلِيِّ: وَدَوْرِهِ فِي تَشْكِيلِ السُّلُوكِ الاجْتِمَاعِي.
  • التَّعْبِيرِ الكُنَائِيِّ: المُتَّصِلِ بِالطَّبِيعَةِ وَالكَوْنِ وَالحَيَوَانِ وَمَا لَهُ مِنْ دِلالَـٍة ثَقَافِيَّةٍ فِي تَفْسِيرِ وتَحْلِيلِ كَثِيرٍ مِنَ الجَوَانِبِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالتَّعْبِيرَيْنِ الدُّعَائِيِّ وَالقَسَمِيِّ.
    هَذَا بِالإِضَافَةِ إِلَى السِّيَاقَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى مُعْتَقَدَاتِهِ وَعَادَاتِهِ وَتَفَاعُلِهِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَذَلِكَ فِي ضَوْءِ السِّمَاتِ الَّتِي تَخُصُّ العَرَبِيَّ، وَالمُكَوِّنَةِ لِشَخْصِيَّتِهِ، وَتَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا التَّحْلِيلِ فِي التَّعَرُّفِ إِلَى الأَنْمَاطِ السُّلُوكِيَّةِ الَّتِي تَصْدُرُ مِنَ العَرَبِيِّ فِطْرِيَّةً كَانَتْ أَوْ مُكْتَسَبَةً، بِمَا تَحْوِي هَذِهِ الأنْمَاطُ مِنْ قِيَمٍ وَمَعَايِيرَ تَنْعَكِسُ عَلَى الوَاقِعِ الاجْتِمَاعِيِّ فِي الإِطَارِيْنِ الثَّقَافِيِّ وَالحَضَارِيِّ.
    وَيَقُومُ هَذَا التَّحْلِيلُ عَلَى أَسَاسِ اللُّغَةِ وَخَصَائِصِهِا الدِّلالِيَّةِ؛ إِذِ إِنَّهَا رُكْنٌ ثاَبِتٌ فِي شَخْصِيَّةِ الفَرْدِ، وَمُؤَشِّرٌ إِيجَابِيٌّ فِي تَفَاعُلِهِ اللُّغَوِيِّ مَعَ أَفْرَادِ مُجْتَمَعِهِ، كَمَا يَقُولُ دكتور"أحمد مختار عمر" في كتابه الماتع "علم الدلالة: "لا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الأَفْكَارِ بِقَدْرِ مَا تُسْتَعْمَلُ بِوَصْفِهَا وَسِيلَةً لِلتَّعَاوُنِ وَالتَّرَابُطِ الاجْتِمَاعِيِّ".
    وَالبَحْثُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ العَرَبِ القُدَامَى كَانَ يَسْلُكُ مَسَارًا تَبِينُ عَلَيْهِ نَزْعَةُ التَّصْنِيفِ المُتَمَثِّلِ فِي الرَّسَائِلِ وَالمَعَاجِمِ المُخْتَلِفَةِ، مَعَ الاهْتِمَامِ بِبَعْضِ المَسَائِلِ الدِّلالِيَّةِ الَّتِي أَوْلاهَا اللُّغَوِيُّونَ العَرَبُ قِسْطًا وَافَرًا مِنَ العِنَايَةِ.
    وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ المَسَائِلِ العَلَاقَةُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالمَعْنَى، أَوِ العَلاقَةُ بَيْنَ الدَّالِّ وَالمَدْلُولِ، وَالَّتِي تُمَثِّلُ رُكْنًا رَكِينًا فِي البَحْثِ اللُّغَوِيِّ، وَخَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ آثَارُهُمُ العِلْمِيَّةُ، الَّتِي تَنَاوَلَتِ اللُّغَةَ فِي شُمُولِيَّتِهَا، ثُمَّ جَاءَ العَصْرُ الحَدِيثُ لِيَجْعَلَ الدَّرْسَ اللُّغَوِيَّ مِحْوَرًا أَسَاساً فِي الدِّرَاسَاتِ المُعَاصِرِةِ، فَانْتَقَلَ بِهِ إِلَى طَوْرٍ جَدِيدٍ، اتِّسَعَتْ فِيهِ آفَاقُهُ، وَتَعَدَّدَتْ مَوْضُوعَاتُهُ، فَنَتَجَتْ تِلْكَ النَّظَرِيَّاتُ اللُّغَوِيَّةُ الحَدِيثَةُ ذَاتُ الجُذُورِ العَرَبِيَّةِ, وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ النَّظَرِيَّاتِ:
    نَظَرِيَّةُ "السِّيَـاقِ" Context أَوِ"المَنْهَجِ السِّيَاقِيِّ" Context approach.
    وَنَظَرِيَّةُ "الحُقُولِ الدِّلالِيَّةِ" Fields Semanticأَوْ كَمَا يُطْلِقُ عَلَيْهَا بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ "الحَقْلَ المُعْجَمِيَّ"

Field Lexical.
وَيَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ النَّظَرِيَّتَيْنِ قَاسَمٌ مُشْتَرَكٌ يَتَمَثَّلُ فِي خِدْمَةِ المَعْنَى, وَهُوَ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ اللُّغَوِيُّونَ "عِلْمَ الدِّلالَةِ" Semantics .
وَثَمَّةَ مُقْتَرَحٌ لَهُ وِجْهَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ، سَاقَهُ "جان سرفوني" في كتابه "الملفوظية" والذي ترجمه إلى العربية دكتور قاسم المقداد: "هُنَاكَ عَدَدٌ مِنَ اللِّسَانِيِّينَ مِنْهُمْ أوزوالد ديكرو- بِوَجْهٍ خَاصٍّ- يَقْتَرِحُونَ اسْتِعْمَالَ مُصْطَلَحِ (الدِّلالَةِ) فِيمَا يَخُصُّ الجُمْلَةَ، وَمُصْطَلَحِ (المَعْنَى) إِذَا تَعَلَّقَ الأَمْرُ بَالمَلْفُوظِ".
نَخْلُصُ مِنْ ذَلِكَ:
أَنَّ اللُّغَةَ وَسِيلَةٌ يَسْتَخْدِمُهَا أَفْرَادُ المُجْتَمَعِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ الاجْتِمَاعِيَّةِ، الَّتِي تَتَّصِلُ بِشُؤُونِ حَيَاتِهِمْ، كَمَا تَعْكِسُ قِيمَةَ الرَّوَابِطِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، مِنْ خِلالِ ظَوَاهِرِ الاجْتِمَاعِ الإِنْسَانِيِّ الَّتِي تَكَادُ أَنْ تَكُونَ قَوَانِينَ ثَابِتَةً فِي حَيَاةِ النَّاسِ رَغْمَ اخْتِلافِ أَجْنَاسِهِمْ وَبِيئَاتِهِمْ، فَضَمَّتِ الأخْلاقَ الفَاضِلَةَ، وَالقِيَمَ النَّبِيلَةَ، وَالطَّبَائِعَ السَّوِيَّةَ، تَحْكُمُهَا الحَقِيقَةُ وَالخِبْرَةُ.
كتبه / أشرف السيد الصباغ


تعليقات الزوار

  • كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع الشعر.
  • بعض صور الشعراء و الشاعرات غير صحيحة، نرجو تبليغنا إن واجهت هذى المشكلة
  • إدارة موقع الشعر لا تتابع التعليقات المنشورة او تقوم بالرد عليها إلى نادراً.
  • لتواصل مع ادارة موقع الشعر إضغط هنا.
© 2020 - موقع الشعر