إلى من يهمه الشعر 4 - أحمد علي سليمان

وحَدِّثْ عن الأيام تجري وتعتوِنْ
ومَن ذا الذي يُنبيك عن دَورة الزمنْ

فبالأمس كانت بين أهل ولادة
وطالتْ سِقامٌ هَدَّتِ النفسَ والبَدَن

ومَرَّتْ سِنيُّ البؤس كالدَّهر سِتة
وعَمَّتْ مآسيها ، وأوغلتِ الإحَن

وصاحَبتَ في (كَفر السُّليمان) صَفوة
مِن الطفل حيثُ اللهوُ في السِّرِّ والعلن

ولاحتْ أمورٌ تعشَقُ الرُّوحُ فِعلها
وأخرى تُصِيبُ النفسَ بالحُزن والشجن

فقومٌ تفانوا في النهوض بشأنهم
وإنْ كابدُوا في دَربهم شِقوة المِحَن

وقريتهم في كل حين تحتفي بهم
وهم عُدة إمَّا دَهى القرية الوَهَن

وقومٌ يُواسُون الغريبَ تخالهم
مِن الأهل في الترحيب ، والقرية الوطن

وقومٌ أقاموا في الديار مَوالداً
وفيها أناسٌ شابهوا جَوقة الوُثُن

وقومٌ لهم توتٌ تدَلى بغيطهم
ولست تريدُ التوت قد خالط الدِّمَن

تسلقتَ أشجاراً لتجنيَ توتها
وأخذك توت القوم بالضرب مُقترن

فأصحابُ هذي الأرض في عِز نومهم
ولكن بعضاً غارقٌ في جِوا الوَسَن

وقامت كلابُ القوم بالنبح مِنة
وكم ذا لها قطعاً على القوم مِن مِنن

فجاؤوا بأسواطٍ على متسلق
وتوت له في الكيس حِيزَ بلا ثمن

وقال كبيرُ القوم: مَن أنت يا فتى؟
فقلت: غريبٌ يسكنُ الدارَ مُمتحَن

تخلى رفاقٌ عنه ، بات ضحية
براه الأسى والوَجدُ والخوفُ والحَزَن

توسَّمَ فيكم كلَّ خير ونجدةٍ
ففكوا عن الأيدي المَثاقيلَ والرَّسَن

وأحلفُ أني لا أعودُ لمِثلها
فتعساً له توتٌ ، وتعساً له فنن

وأنتم كِرامٌ في دِيار كريمةٍ
خذوا التوت ، إني بالعقوبات مُرتهن

فقالوا: خذِ التوت الذي أنت حُزته
وعُد تلقنا نجني الذي حَوَتِ الغصُن

فغادرتُ ، والأعيانُ ترقبُ خطوتي
وفي كلِّ وجهٍ أشرقَ الخلقُ الحَسن

وأذكرُ مِن ماضي الطفولة مَوقفاً
بكيتُ على الأسفار ضاق بها الشطن

وأمستْ بجوف البئر أرجى حقيبةٍ
وشَيَّعَها دمعٌ مِن العَين مُحتقن

وأخرجها مِن بئرها مُتفضِّلٌ
بالعطا والجود والنخوة القمِن

وعُدتُ لأمي ، والحقيبة جُندِلتْ
فقالت بصوتٍ مُفعَم الحرص بل خشن

ألا فلتوضح ما جرى لك جهرة
وأنت على قول الحقيقة مؤتمن

فأخبرتُها لم أخَفْ أي عقوبةٍ
فقالت: بُنيَّ اعلم فهذي هي السُّنن

إذا طالبٌ لم ينتبه لكتابه
سيحيا بلا عِلم ، ويَرتعُ في الدَّخن

وما قيمة الإنسان دون تعلم؟
وإنَّ فطين الناس للعِلم يرتكِن

مناسبة القصيدة

(الطفل في عامه السابع يبدأ في معرفة ما حوله ، ويتطلع إلى غدٍ أفضل! وفي عامي السابع من عمري انتقلت الأسرة جميعاً من (برمبال) بالدقهلية إلى كفر سليمان البحري بدمياط! وبقي أبي في بورسعيد في شركة القناة للحبال أثناء حرب الاستنزاف ، والتي كان بدؤها في عام 1969م. وطبعاً كانت كفر سليمان بالنسبة لنا بداية الفرج والإحساس بالحياة! والبلاد بأهلها وعُمارها كما يقولون! وفي قصيدتي: (كفر سليمان تصف نفسها!) ما يُغنيني الآن عن وصفها ووصف أهلها ووصف الحياة فيها! ولي موقفان في عامي السابع لا أنساهما: الأول حدث في أرض العمدة وبها شجرة التوت في أكتوبر عام 1970م ، والثاني عندما قطع حبل حقيبتي فسقطتْ في بئر الساقية في يناير عام 1970م! والبقية في القصيدة! ومن هنا كانت المعلومات التي اعتمدتُ عليها في مقدمات مجموعتي الشعرية: (إلى من يهمه الشعر) مستقاة إما من استرجاع الذاكرة ، أو من الأم والأب والجد والجدة والخال والخالة! أما فيما استرجعته الذاكرة فكانت الأحداث القريبة العهد! أما البعيدة فلا يمكن التعويل عليها بالمرة!)
© 2026 - موقع الشعر