إلى من يهمه الشعر 1 - أحمد علي سليمان

وطفل بَراهُ السُّقم يرتصِدُ الرَّدى
وخلاهُ فرط البُؤس في المَهد مُجهدا

بصيرٌ بعَينين البلاءُ دَهاهما
وتقهرُهُ الشجوى ، فيُمسي مُمَدَّدا

حرامٌ عليه النومُ يُوهِي أنينهُ
وآهاتُهُ كلمى ، وليس لها صدى

وليس يريدُ الرِّفقَ يُسديهِ زائرٌ
ولا العطفَ مِن فضلى تمُدُّ له يدا

قد اتخذ الصَّمت المُريبَ ذريعة
يُواسِي به أهلاً ، ويَقمَعُ حُسَّدا

ويحيا بوجهٍ لا ابتسام يُنيرُهُ
فأبئِسْ بوجهٍ بالعُبوس تفرَّدا

وما اختارَ تقطيبَ الجَبين سَجية
ولا اختار كبْت النفس يَختصرُ المَدى

ولكنه فرط العذاب يُحيله
رضيعاً كسيرَ القلب يخشى مِن الرَّدى

وحار الأطباءُ ، استجارتْ علومُهم
وطارفَهم في الطبِّ ساقوا ومُتْلدا

وجسم قد استعصى على الطبِّ مُكْرَهاً
فكائن ترى فذاً لعِلته اهتدى

ولكنهم عند المعالجة اشتكوا
وما اقترحوا مَصْلاً يُداويهِ جيدا

ولا عاينوا حاشا عَقاراً يُفيدُهُ
فهلا غدا تركُ المُداواة أفيدا

و(صادقُ) ساقَ النصحَ يُعجز والداً
وبيَّنَ ما يرجو ، ووضَّحَ مَقصِدا

و(أفريقيا) فيها الدَّواءُ ، بلا عَنا
فأرسِلْهُ إمَّا كنت للطفل مُنجدا

فقال أبي: إن الصعيد دياره
يُرى خبراً يأوي لأعظم مُبتدا

فكانت بتلك الدار أرجى طفولتي
حياة أعيدتْ ، والصِّبا قد تجرَّدا

و(أم سَليم) لستُ أغفِلُ دَورها
ومجهودُها المبذولُ لمَّا يَضِع سُدى

فكم كابدتْ حتى أعيش بلا أذى
فقد جئتُها والعمرُ آخرُه غدا

فلم تكثرث بالسُّقم يُودي بعِيشتي
ولكنْ أعدتْ زادَ طفل ومَرقدا

ونفذتِ المطلوبَ لا شيء غيرَه
وجادتْ بتحنان أرَق مِن الندى

وصَفتْ حَليبَ العَنز مما يَشوبُه
فأصبح ريَّاً طيِّبَ الطعم مُرْفدا

وعادتْ حياة للرَّضِيع ، وصِحَّة
ولمَّا يَعُد في ذي الحياة مُهددا

وودَّعتِ الأسقامُ ، وانجابَ ذلها
ودَفتْ أساريرُي ، وقلبيَ غرَّدا

لك الفضلُ بعد الله يا خيرَ عَمَّةٍ
ألا طِبْتِ أصلاً في النساء ومَحتِدا

سليلة أشرافٍ ، وبنتُ قبيلةٍ
وطابتْ (بنو عثمانَ) نُبلاً وسُؤدَدا

وفي (الكُولة) الأقوامُ بالجُود وُصَّفوا
فلم تحو مِن هذي أبَرَّ وأجودا

وعُدتُ إلى أمي مُعافىً مِن البَلا
ففي رحلتي ساقَ الجميعُ ليَ الفِدا

وأدركني قومي أباهي على المَلا
وأشكرُ حُسناهم ، وإنْ كنتُ مُفرَدا

وأحمدُ ربي أنْ إلى الشمِّ أنتمي
وشِعري بهذا الحمد أطرى وغرَّدا

مناسبة القصيدة

(الحديث عن الطفولة المبكرة حديثٌ شيقٌ مفعمٌ بالذكريات الجميلة والأشواق العبقة! وتذكر لي أمي جانباً من طفولتي المعذبة البائسة! وكنتُ قد أشرتُ إليها في خاطرتي الطويلة: (قراءة في أوراق الماضي) في ديواني: (عزيز النفس)! ثم بدا لي أن أخصَّ محطات عمري بشيءٍ من الشعر! وهذه هي المحطة الأولى وتحمل عنوان: (رضيعٌ في عامه الأول)! ولستُ أحب أن يتمادى معي القراء في الشجون ، ولكنها حقائق عشتُها أياماً وليالي! وأعيشها الآن شعراً! رجاء أن ينفع الله بها من قرأها! وأذكر جيداً كيف عانى والديَّ الكريمين - رحمهما الله تعالى - في تربيتي! وقد حكيا لي في مناسباتٍ كثيرةٍ ما كان في طفولتي من الأحداث المُضحكة والمُبكية ، العميقة والسَّطحية! حيث مرضتُ مرضاً سبب رشحاً على جدار القلب ، الأمرُ الذي جعل الدكتور صادق عطا الله يقول لأبي: (هذا الوليد يعد أياماً وبعدها يفارق الحياة ، وهذا هو عزائي المقدم! فإن معظم من أصيبوا بهذه البرودة والرشح على القلب لم يعيشوا طويلاً ، إلا أن يشاء الله ربي شيئاً! فقال له أبي: وما الحل؟ فأجاب الطبيب: اذهبوا به إلى جو حار ، فإن علاجه أن يتعرض لأشعة الشمس المباشرة في جو حار! اذهبوا به إلى السودان! فقال له أبي: هل نذهب به إلى الصعيد؟ فعقب الطبيب: ليتك تفعل وبسرعةٍ مذهلة! فذهب بي أبي إلى الصعيد حيث (أم سَليم) زوجته الأولى الصعيدية ابنة عمه! وهذا بموجب العُرف الجاهلي والجبلة المنحرفة والفطرة غير السوية ، يعني الموت المحقق ، إلا أن يتغمدنيَ الله برحمةٍ منه وفضل! وقد كان! حيث استقبلتني عمتي وزوجة أبي وضرة أمي (أم سليم) ، فكانت نعم الأم والمُربية والحاضنة! إذ نفذتْ أوامر الطبيب من التدفئة والتعرض لأشعة الشمس المباشرة وترضيع حليب الماعز الخفيف! إلى أن صرف الله عني ما قدَّره بلطف منه وفضل ورحمة! فرحم الله (أم سليم) رحمة واسعة ، حيث صانتِ الأمانة وحفظتِ ابنَ ضرتها ، ورعته خير رعاية ، وأحسنت إليه أكمل الإحسان! فعلت ذلك كله ابتغاء مرضاة الله تعالى! وكأن لسان حالها يقول: هذا الرضيع المريض البائس لا ذنب له ، ولا ينبغي أن يدخل في سِجال الانتقام من الزوجة الثانية! ولله الفضل والمنة على عباده! ومن هنا فلا عجب أن نسترسل في هذا الحدث في قصيدتنا الأولى في كتابنا: (إلى من يهمه الشعر) والذي يتناول بعض أحداث حياتي أكتبها شعراً في 30 فصلاً!)
© 2026 - موقع الشعر