إلى من يهمه الشعر 2 - أحمد علي سليمان

تفاءلتَ بعد الفطم أنْ تُدرك الهنا
وتبلغ بعد الكرب والمِحنة المُنى

وتستروحَ الآمالَ فاح أريجُها
وتحقيقها ولى ، وأبطأ أزمُنا

وإشراقها أغرى فؤاداً يَرومُها
ويَختارُها لو خُيِّرَ العَفُّ بالدُّنا

وأحسنت ظناً بالأقارب دَللوا
فطيماً مُعافىً ، ثم كالوا له الثنا

وشادوا به في كل وادٍ ومَوقفٍ
ويا حبذا الإطراءُ إن كان مُعلنا

فطيمٌ له التسآلُ سَمتٌ ومَذهبٌ
ويرجو إجاباتٍ مِن الشمس أبيَنا

يَهش لمَن يُوليهِ بعضَ اهتمامه
ويُعطي بلا مَنٍّ إذا هو مُكِّنا

وليست له الأشياءُ حاز امتلاكَها
فيُحذي جُموعَ الناس بالطوع ما اقتنى

ويُنصِتُ إن قالوا ، ويُدلي بدَلوهِ
وإما رأى سُوءاً شكاهُ مبيِّنا

ويَطرحُ آراءً ، ويُصغي لنقدها
وليس إذا دار الجدالُ بأرعنا

وينصاعُ إنْ لاحتْ فوائدُ تُجتنى
وتلقاه إنْ يُنصح رفيقاً وهيِّنا

وفي (بورسعيدٍ) للحياة طقوسُها
وقد حصَّل المَفطومُ في الدار مَأمنا

يسيرُ لبيت الجدِّ دون تخوُّفٍ
وليس يَعافُ السَّيرَ إمَّا تفطنا

ويَطرُقُ باب البيت ، والأهلُ نوَّمٌ
فهل طرقه يُحيي مِن النوم أبدُنا؟

فيزدادُ طرقُ الطفل حتى يُفِيقهم
وليس يَمَلُّ الطرق مِن شِدَّة العنا

فتصحو مِن النوم المُحبب جدة
يقولُ: افتحي ، والتاءُ زالت ، فألحنا

فطابتْ ، وطابتْ ذكرياتُ لقائها
فذي ذكرياتٌ تُذهبُ البؤسَ والضنا

وتسألُ عن أم وحال وطعمةٍ
فتُحضِر كِسراتٍ وفولاً وأجبُنا

ويستيقظ الخالان ، كلٌّ مُرَحِّبٌ
فتُشرقُ شمسُ الوُّدِّ والحُب والهنا

ويَنعمُ ضيفٌ بالحَفاوة قدِّمَتْ
وإذ هلتِ الأفراحُ غنى ودَندنا

ويَفرحُ جيران بمَن حَلَّ رَبعَهم
عجبتُ لهم ، طابوا أصُولاً ومَعدنا

ويُنهي فطيمٌ رحلة الصيف آفلاً
به الدَّربُ جَذلانٌ يُحَيِّيه بالغِنا

ألا يا فطِيماً فرَّجَ الله كربَه
وعَوَّضه عمَّا ابتلاهُ ، وحَصَّنا

وأبدِلت خيراً بعد طول مَشقةٍ
ثلاثة أعوام قضيت مُفَتنا

فلم تُلفَ إلا صابراً مُتبتلاً
رَضِيَّاً بما يَقضي المليكُ ومُذعِنا

وخَصَّك بالترويح والبِشْر والدٌ
وقدَّرَ ما تلقى ، فواسى وأحسنا

فكانت بأرياف (الصعيد) استراحة
تُخففُ جرحاً كان بالأمس مُثخنا

فسافرت طوعاً رحلة بعد رحلةٍ
فطابتْ لك الدارُ الكريمة مَوطنا

فلقاك أهلُ الحيِّ نضرة زائر
وكلُّ غطيريفٍ عن الجود برهنا

رعى الله أقواماً أحبُّ جوارهم
بحبهمُ قلبي عن الرِّفقة اغتنى

مناسبة القصيدة

(تأتي هذه الخواطرُ الشعرية التي أوجهها لنفسي وللقراء الأجلاء ليستفيدوا منها ، تعبيراً عن بعض المواقف المحورية الفيصلية في حياتي! إنها بمثابة السيرة الذاتية التفصيلية لي! وكنت قد جعلتها على هيئة محطات نتوقف في كل واحدة لنرى بعض الأحداث في السن المشار له أسفل صورة كل غلاف! فكانت كل قصيدة مزودة بصورة غلافٍ يناسب الفترة العمرية! وأسأل الله تعالى أن ينفع بها من قرأ ومن نشر ومن عمل! إن قليلاً من الشعراء من وجَّهوا لأنفسهم شعراً يُواكب مراحل أعمارهم! وأغلبُ الكُتاب كانوا يصوغون ذلك نثراً! وأما أنا فرأيت أنه من التجديد أن أفعل الشيء ذاته ، لكنْ بالشعر بديلاً عن النثر! وكنا في المحطة السابقة في عامنا اعمري الأول أشرنا إلى المرض الذي ألجأ والدي لتسفيري للصعيد ، فلما تماثلتُ للشفاء عاد بي إلى (بورسعيد) لأستأنف رحلة الحياة مع أسرتي المكونة من أمي وأبي فقط! وأما قصيدتنا أو محطتنا هذي فنترجم لها في العام العمري الثالث! حيث التفاؤل بعد الفطام ، والاعتماد على الأكل والشرب الطبيعيين بديلاً عن الرضاعة من الأم! وكان هناك تفاؤل كبير يعقب كل تفاؤل يأتي بعد الخلاص من أزمةٍ طاحنةٍ وكارثةٍ شاطنة! وأعقب ذلك رحلة بعد رحلةٍ مع الوالد صغيراً إلى صعيد مصر! ومن هنا جاء التعلق بالصعيد وأهله وعاداته وتقاليده! وكانت زياراتٌ صباحية شبه يومية إلى بيت جدي أحمد أبو سماحة ، حيث أوقظ جدتي فتُحسن استقبالي وتقدم حنانها وإفطارها! ويرحب الخالان والخالتان بي ترحيباً حُكي لي فيما بعد! حيث إنني في مثل هذه السن لم أكن لأدرك شيئاً من ذلك! إنما كلها رواياتٌ مُسْندَة لأصحابها: فبعضها حكاه أبي ، والبعض حكته أمي ، والبعض حكاه الجد والجدة ، والبعض الأخير حكاه الخالان والخالتان! وأشكر كل من أمدني فيها بمعلومةٍ فما فوقها حياً وميتاً ، لهم جميعاً شكري وامتناني الجزيلين! فلولا أن سخرهم الله - سبحانه وتعالى - لي ، لما علمتُ شيئاً مما تناولت!)
© 2026 - موقع الشعر