إلى من يهمه الشعر 6 - أحمد علي سليمان

تجاوزتَ عقداً مِن سِنيِّك مُكْرَما
وقلبُك بالآمال يا (أحمدُ) استمى

فلم تدركِ السُّوآى لرُوحِك مَسلكاً
ولم تعرفْ الشجوى لنفسك سُلما

ولم تتخذ تمييعَ حقك منهجاً
ألا إن تمييعَ الحقوق هو العمى

وجئتُم إلى (دمياط) في خير هجرةٍ
فكانت لِمَا تلقون داراً وبَلسما

و(كفرُ السُّليمان) استجابتْ ورحَّبتْ
فكانت لكم داراً ومأوى ومَغنما

أمِنتُم بها مِن شرِّ باغ ومُعتدٍ
وصَدَّتْ عن الآتين كالأهل مجرماً

وأخلصَ أهلوها لكم دون مِنةٍ
فأنعمْ بهم أهلاً ، وأكرمْ بها حِمى

وعَلمَك القرآنَ شيخٌ مُبَجَّلٌ
فعِشت بآي الذكر طفلاً مُكَرَّما

وعُوِّضت بالأصحاب عن عِترةٍ نأتْ
ومارست عيشاً خِلته مسرحَ الدُّمى

وأغناك نهرُ النيل عن كلِّ فسحةٍ
فتشربُ منه الماءَ يُشبه زمزما

وتصطادُ أسماكاً يُسَليك صَيدُها
وترجعُ محبوراً إذا الليلُ خَيَّما

وعِشْتَ تُحِبُّ السِّلمَ والوُّدَّ والإخا
وتفهمُ مَن يحكي ولو كان أبكما

وتلهو مع الأطفال لهواً يَشوقكم
وتُدركُ ما قالوا ، ولو كان مبهما

وكنت ترى (كفرَ السُّليمان) قرية
غنيٌ بها الآتي ، ولو كان مُعدِما

وغادرتُموها دون وعدٍ مُسَبَّق
ويَنصب مِحتارٌ إذا كان مُرغما

إلى (كفر سعدٍ) كان ترحيلُ أسرةٍ
فكانت كطير قد هوى بعدما سما

فما ابتسمَ العيشُ الجديدُ ولا احتفى
كأني به عافَ الضيا ، ثم أظلما

ففي أول الأمر البلاءاتُ أوقِدَتْ
عليكم ، فمَن يطفي السعيرَ المضَرَّما؟

فعشتُم مع التضييق في شرِّ مَأزق
فمَن ينقذ الهلكى؟ ومَن يحقن الدما؟

سِنيٌ مِن الآلام والضنك مُرَّة
فمَن ذا الذي يُصغي لثاو تألما؟

وضاقتْ عليكم أرضُكم ومعاشُكم
إلى أن أتى التفريجُ مِن خالق السما

وأنقذكم ربُّ الورى من بلائكم
تعاليت بارينا مُغِيثاً ومُنعما

وعاشرت أصحاباً قليلٌ غِياثهم
يَضيعُ الذي بين الأشحة قد نما

فما أكملوا يوماً فراغ أحِبَّةٍ
ولم يُصبحوا مِن سابق الصَّحب أكرما

فعدت إلى الصَّحب الأوائل تعتزي
بهم ، إي ودمعُ العين مِن كُربة همي

كمَن يألف الأعنابَ شكلاً وطعمة
فما الحالُ إمَّا أبدلَ الشهمُ حُصرُما؟

وكابدت دَهراً لسْت ترضى بحالهم
وما كنت عن إصلاحهم قط مُحجما

فلم تلتقوا في مَطمح أو طريقةٍ
فضِدَّان رغم القرب والدار أنتما

ولو شِئتُما اللقيا لحالتْ طبائعٌ
وهل تلتقي أطباعُكم حيثُ شِئتما؟

تبارك ربُّ الناس أبدعَ خلقه
وحَللَ أشياءً ، وأشياءَ حرَّما

وفي الخلق أشهامٌ لهم أشهمُ النسا
وفي الخلق عُبدانٌ لهم أرخصُ الإما

مناسبة القصيدة

(في سن الثانية عشرة انتهت تقريباً الإقامة في القرية الجميلة كفر سليمان البحري! وانتقلتُ مع أسرتي إلى مركز كفر سعد! وكانت معاناة كبيرة في بادئ الأمر! حيث بعدت الشقة بيني وبين أصدقاء الأمس! وأصبحت معنياً باتخاذ أصدقاء جدد! وفي تلك الفترة كان مركز كفر سعد يجمع الخلق ، ويستقطب الناس من القرى المجاورة وغير المجاورة! الأمر الذي جعله يومها يختلف عن كفر سليمان البحري تلك القرية العريقة! وكانت ذكريات جديدة مع المدرسة الابتدائية الجديدة التي بدأتُها في الصف السادس الابتدائي! وكان التعارفُ على المعلمين بها أقرب من التعارف على الأصحاب والزملاء! فكانت علاقة المودة والصداقة معاً مع الأستاذ محمد أحمد إسماعيل (لغة عربية) ، والأستاذ محمد الصحفي (رياضيات) والأستاذة زينب الهوال (علوم)! تلك العلاقة التي امتدت حتى الجامعة ، وبعد الجامعة ، ولله الحمد! أما جيلنا فمن فضل الله تعالى ومنته عليه أن هداه للحق! لقد كنا صارمين في معاملة من يجافي الذوق والأدب منا ونحن أطفال! فإذ كان من بيننا من يفعل ذلك الكائن اليوم ، عومل على الفور كالمنبوذ المبغوض المكروه! فشتان بين طفولة وطفولة! أين الثرى من الثريا! وبعد هذا الاستطراد الطيب في وصف ذكريات الطفولة ودورها في حياة الإنسان ، يطيب لنا أن نطالع ما منَّ الله به علينا في محطتنا السادسة من مجموعتنا: (إلى من يهمه الشعر)!) هُجرت الأسرة إلى دمياط ، فماذا كان من مفاجآت وأحداث ومواقف؟!)
© 2026 - موقع الشعر