قصائد من زمن الطفولة - محمود محمد الشلبي

(1)
 
صور ذابلة
 
إلى صديق قديم
 
 
 
عندما كنا على صدر النهارات
 
نشيداً للطفولة ....
 
كانت الدرب لنا حلماً ....
 
وكان الوقت ظلا في خميلة .
 
نرتدي ثوب المسرات ،
 
ونبني من رؤانا عالماً
 
يألفه القلب لأعوام طويلة .
 
وعلى النهر الذي عشناه وعداً .... وغراماً ....
 
مدت الأيام ذكراها الجميلة .
 
** *
 
فهنا صفصافة القلب
 
تدانت تلثم الأمواج ،
 
للأسماك إيقاع بقلب النهر
للبط الذي نعشقه
في ( الزور ) .
فصل نشتهي دوماً حلوله .
 
* * *
طار قلبي لحمى ( الباقورة ) النائمة الآن
على آثارها ....
وبكت عيناي .... لما زرتها
بعد ذبول العهد ....
بين الصمت والوحشة من غير جديلة .
يا صديقي .....
أو تدري أن في الماضي شراعاً
ضيعته الريح ....
والحرب الثقيلة .....
فذوت أيامنا
بين يباب الموت .....
والرؤيا القتيلة .
ووقفنا في رماد الطلل
الفاني ......
بلا صوت وحيلة .
 
 
( 2)
أغنية للطفولة
 
إلى تيسير موافي ومتعب وآخرين
 
 
في الباقورة1.....
كنا نقطف ثمر الوقت .
نغترف الفرحة
من ماء " اليرموك "
ونشعل ضوء البيت .
في الحارة عرس قروي
في الضفة يشتعل الصوت .
نغدو .... ونروح سوياً
لا نهدأ حتى نوقظ قلب الصمت .
يا ليت لنا كل منانا
في الماضي والحاضر ... يا ليت .
 
* * *
السمك النهري هوانا
في العطلة ....والبط
وصبايا القرية يخطرن
( بشرش الحبر ) المرقوم
بنقش فلاحي الخيط .
فتعاودني نوبة فرحي
في بيّارات الموز .... وفي " الزور "
وتحت حفيف الحور الباسق
في ظل " الكينا " ....
وعلى الشط .....
أحداث حافلة بالطيبة ... والبسط .
سكنت ذاكرتي أعواماً ....
وخبت أعواماً ....
فدع القلب الراجف يوقظها .
 
لا أعرف يا أهل الباقورة ...
 
أحدا يعشقها مثلي قط .
 
(3)
 
أعراس الباقورة
 
 
 
خلف منديل الصبايا ....
 
قرية تحلم بالأطفال
 
" والكينا " ... وصفصاف النهر .
 
ولدت من دمنا المنساب في " الحلفاء1 " .
 
في الماء ، وفي ليل السهر .
 
تتغنى بالحكايا ...
 
وعلى أطرافها تصحو دروب ...
 
ينتشي فيها زمان العشق
 
أو يهمي على أسطحها عزف المطر .
 
قرية تمتد في التذكار ...
 
والأيام عرس يتنامى ، في حواريها
 
ويهديها ابتهالات القمر .
 
* * *
 
هذه " الباقورة " الآن .
 
لقاء ، وحنين ، وأثر .
 
عودة الروح إلى الروح ،
 
وبوح الأرض للأحباب ،
 
في أغلى خبر .
 
ومشاوير قطعناها صغاراً ،
 
وكباراً ...
 
وتسابقنا على أعتابها ...
 
في وهج الشمس ،
 
وفي بيارة تتلو أمانينا ،
 
وتنداح على مد البصر .
 
* * *
 
آه ! كم تأخذنا الأسماك ، في " اليرموك "
 
والبط المهاجر .
 
وشتاء الموسم المأمول ...
 
يأتينا كأحلام المسافر ،
 
كومة من حطب...
 
تلهو بها النار
 
وتذكيها المشاعر .
 
وبيوت الأهل والأحباب ،
 
في الأعراس ،
 
أفكار على دفتر شاعر .
 
* * *
هذه " الباقورة " اليوم ،
نشيد يتسامى في فضاء " الغور "
 
والدنيا بشائر .
 
ما امّحت صورتها من خاطر الأولاد ،
 
ما جفت ينابيع الهوى .....
 
بل أشعلت قنديلها ...
 
في ظلمة الشك ،
 
وأهدتنا المآثر .
 
* * *
لست أنسى عمري الطالع ،
كالعشب على أردانها .
 
وأنا الهو صغيراً ،
 
مثل عصفور على حيطانها .
 
وأُصيحابي ينادون بأعلى الصوت ،
 
والصوت صدى يمتد في أركانها .
 
لست أنسى " الشرب2 " ... " والحمرا2 "
 
وفي " حواسة2 " الروح استراحت ....
 
تنتقي جيرانها .
 
وهضاب " الزور " تصغي لنشيدي :
 
" .... هذي رؤوس الروابي ،
 
أمسى يواريها السحاب "
 
وأنا بين ذهاب ، وإياب .
 
لست أنسى هذه " الباقورة " - الأم ....
 
التي ما أطفئت نيرانها .
 
 
(4)
 
فاتحة مستديمة
 
 
 
 
 
في القلب صورة قرية ،
 
وقفت على اليرموك ،
 
معشبة البراءة .... والظلال .
 
تزهو بخاطرنا ،
 
تطوف على بنيها في التذكر ،
 
والخيال .
 
النهر يختصر الطريق إلى الحياة ،
 
وأهلها البسطاء ،
 
أغنية التشرد في الشمال .
 
كانوا بداية قصة الترحال
 
إذ قطعوا ( الشريعة )
 
تحت شمس الغور ،
 
واحتاطوا على التعب المدشن
 
بالعجاج ... وبالرمال .
 
النهر بيت الماء ،
 
مرآة الصبايا في الضحى ،
 
أسرارها وقت الزوال .
 
آنست بيارات قريتنا مناط الروح ،
 
لوحات ابتهال .
 
* * *
 
أمي الفريدة في النوال .
 
كانت تقوم من الصباح ،
 
إلى الفلاح ، إلى السهول
 
إلى مسرة الابتقال .
 
وأبي ينادي جملة الأولاد ،
 
-هبوا للحصاد ،
 
وفي تضاعيف الندا
 
يخبو سؤالي .
 
يا قرية الأسماك ،و " والحلفاء ....
 
والبط المهاجر ،
 
يا مشاوير الطفولة والجمال .
 
لبيك ... وجهك في النوى ،
 
قنديل وحشتنا ...
 
وصوتك في الدروب .
 
صدى احتمالي .
 
 
( 5)
 
طفولة عاشق
 
 
 
طاعن في البعد ،
 
موار الهوى ،
 
صعب القياد .
 
يتراءى في المدى وجه .... بهي .......
 
والندى همس خفي
 
في تضاعيف السهاد .
 
من زوايا رحلة العشق المفدى .....
 
من تجاويف البعاد
 
تتنامى أغنيات .....
 
تلتقي روحان ....
 
تعشو شب درب ....
 
في مدار السندباد .
 
* * *
 
لم تطل غربة أشعاري
 
ولكن الفضائل
 
سكبت أحرفها زيتأً ...
 
لميلاد المشاعل .
 
فلماذا يتمطى حزني الدائم .....
 
بين العين .....
 
والذكرى
 
وأيامي القلائل .
 
ألأني كلما عدت
 
إلى غور التلاقي ....
 
قفزت من مفرداتي ....
 
ظبية الوادي .....
 
وراحت في تدانيها تغازل ؟
 
ربما ....
 
غير أن النهر عمري ...
 
ورُبى "الباقورة" الآن...
 
كتاب ....
 
أينعت فيه السنابل .
© 2024 - موقع الشعر