أَقَفَرَ الدَّرْبُ - فاضل سفّان

أَقَفَرَ الدَّرْبُ
أَقْفَرَ الدَّرْبُ مِنْ سُعادَ وَهِنْدِ
وَتَوارى مع الغمائمِ جندي
في ربيعِ الشبابِ أَلْفُ غَزالٍ
يترامى على مَواسِمِ رِفْدي
هذه الدربُ ما تحوَّلَ عنها
ظلُّ نجوى ولا تَقَاصَرَ وُدِّي
وهَدِيْرُ "الُفراتِ" أَعْذَبُ وَقْعاً
مِن نَسِيْمِ على غَلائلِ وَرْدِ
ولمى الغِيْدِ واحةٌ لعَمِيْدٍ
راحَ شَوْقَاً يَهِيْمُ فِي سِحْرِ قَدِّ
أيُّ واشٍ نغيظُه حين نَرثي
لِضِفافٍ تُغالِبُ الحزنَ جُرْدِ
أقفرَ الدَّرْبُ لا تَسَلْ عن خُطانا
كيف تَلْتامُ بَيْنَ جَزْرٍ وَمَدِّ
***
فِي ربُوعِ الفُراتِ هَلَّ صباحي
ونسيمُ الصِّبا يُداعِبُ خَدِّي
وعلى الشَطِّ ما سَفَحْتُ نشيداً
ضَلَّ مَنْ قابَلَ الصَفاءَ بِصَدِّ
أَيْكتي سَرحةٌ يَضُوعُ شَذَاها
حين يُزجى الندى لَعَمْروٍ وَزَيْدِ
يا حُماةَ الديارِ أضحى حبيبي
قاصِرَ الطرْفِ بين أَخْذٍ وَرَدِّ
سَرَقَ التُرْكُ منهُ زَهْوَ الأماني
والبقايا تمزَّقَتْ شَرَّ أَيْدِ
كلَّ عامٍ تسومُهُ في عِنادٍ
ألفُ بلوى مِنْ كلِّ خَصْمٍ ونِدِّ
غَمَرَ الشَوْكُ منهُ دفءَ المَغاني
وتوارى عن السنا كلُّ جهدِ
نحن قَتْلاهُ ما أبْحنا حَرِيماً
مِنْ ثرى الشطِّ في مُزاجٍ وجِدِّ
كلُّ غصنٍ في ساحةِ النهرِ ظِلٌّ
يحجُبُ الشمسَ في نُحوسٍ وَسَعْدِ
يا رياضَ الفُراتِ كُنْتِ مَلاذاً
للندامى على جداولِ شَهْدِ
كيف يثوي على الضِفافِ دَخِيْلٌ؟
كيف يسطو على لآلئ عِقْدي؟
كم رَمَانا على تُرابِكِ باغٍ
في زِحامٍ ما بين سَيْفٍ وَغِمْدِ!
يَسكرُ الدَوْحُ مِنْ هَسِيْسِ الغَواني
ويُحيل السهادَ شَلاّلَ حمدِ
***
يا مغاني الفراتِ كيف توارَتْ
نسماتٌ تُعانقُ الْمَوْجَ بعدي؟
هدَّها القَيْظُ فاستحالتْ سَعيراً
ما سرى ذِكْرُهُ على قَلْبِ رَوْدِ
أَسْرَجوا الخَيْلَ كي يواروا جَنِيْناً
قَبْلَ أَنْ يَزْحَفَ الظلامُ لنَجْدِ
وأقاموا على السَرِيْرِ حِزاماً
بعضُ أوزارِهِ تخاريفُ عَوْدِ
ضامَنا الرُوْمُ يَوْمَ حَلّوا حمانا
وخبا شَوْطُنا لهْجمَةِ حِقْدِ
مرَّغوا الكِبْرَ فانْتَفَضْنَا عِجَالاً
نشعلُ البِيْدَ في مَقَاماتِ بَلْدِ
***
لا تَلُمْني شممْتُ في التُرْبِ ذاتي
لم أَخْنْها ولم تَزَلْ سِفْرَ مجدي
طالَ شَدْوي وما عَرَفْتُ انكِسَاراً
يَتَنَامى ما بَيْنَ وَعْدٍ وَوَعْدِ
كيف نحيا وسَعْيُنا في تَبابٍ
كيف تُبنى قُصُورُنا دُوْنَ شَيْدِ؟
ومِنَ الَعْجزِ أَنْ تقولَ لِطاغٍ
أنتَ حِصْنُ الأمانِ في كُلِّ عَهْدِ
مثلما يَشْمَخُ الفُراتُ إباءً
قد ينوءُ الفراتُ مِنْ فِعْلِ فَرْدِ
"هانَ مَنْ يَغْبِطُ الذلِيْلَ بِعَيْشٍ"
إِنْ غَدَتْ دَارُهُ حَظيرةَ قِرْدِ
***
نحنُ قَوْمٌ نجرِّدُ الشِّعْرَ ناراً
تتلظّى على زَمانِ (معدِّ)
أيُّ شِعْرٍ ذاك الذي يَتَهاوى
فِي رِياحِ الضَلالِ أَسْمالَ بَرْدِ؟
يَسفَحُ الشؤمَ سكْرَةً وهُراءً
ويهدُّ العقولَ في أَلْفِ قَيْدِ
مِنْ رؤى نملةٍ يُدِيْفُ نَعِيْماً
وارتماءُ الدهورِ نَأمَةُ رِفْدِ
كلُّ شِعْرٍ لا تَلْمَحُ اللهَ فيهِ
فهو وَهْمٌ مَآلُهُ للتَرَدّي
إنما أَعْظَمُ الأُمُورِ هَوَاناً
في غِمارِ الورى سيادَةُ وَغْدِ
***
عَزَّنا الْخُلْفُ في عِنادٍ فَرُحْنا
ننشدُ الراحَ في غَيَابَاتِ وَعْدِ
فاحزموا الأَمْرَ لم تَزَلْ فِي دِمانا
نبضةُ الكِبْرِ فِي حَرورٍ وَبَرْدِ
ذِمَّةُ الْعَيْشِ وِقْفَةٌ وَمَقامٌ
ليس بَعْدَ الردى خيارٌ لعَبْدِ
***
قد أباحَ الغُزاةُ يَوْماً حِمانا
فانتَصَرْنا على الغُزَاةِ (بزَنْدِ)
أيُّها القاهِرُ العظيمُ أَغِثْنا
كُلُّ خَوْضٍ في غيرِ نَهْجِكَ يُردي
15/8/1999
© 2024 - موقع الشعر