إلى من يهمه الشعر 26 - أحمد علي سليمان

أسائلُ نفسي ، والجَوابُ مُعَلقُ
ومما تُعاني في الإجابة أشفِقُ

ويَخنقها الخُذلانُ مِن صُحبةٍ غوتْ
إذا رُوجعتْ فيما أتتْ تتفيهق

شَرِقتُ بأصحاب يُحبون شِقوتي
ولمَّا أزلْ بابَ الصداقة أطرق

أعاتبُهم كي يرجعوا لرشادهم
ولكنهم بابَ المَوَدَّة أغلقوا

ولم يَقدُروا قدرَ الصديق يُحِبُّهم
كأني به شمسٌ على الصَّحب تُشرق

فناولتُهم صَدِّي ونِقمتي
ولمَّا يعُد قلبي بهم يتعلق

وعُدتُ إلى شعري أكفكِفُ عَبرتي
وأضْمِدُ جرحاً للشِّفا يتشوَّق

واكتبُ عن حال بئيس مُجندل
وعن أمنياتٍ ليتها تتحقق

وعن جَوقةٍ لم يَتقوا فيَّ ربَّهم
وآلمَهم أني إلى المجد أسبق

وعن خيبةٍ في الأهل قاسيتُ بأسَها
وعِشتُ بأهلي قانعاً أترفق

ولكنهم قد صَدَّقوا فيَّ واشياً
ولو جادلوني ما جَفوْني وصَدَّقوا

فأيقنتُ أن الشعر يُذهِبُ لوعتي
ويُسعِدُ قلباً نبضُهُ يَتحرَّق

فعالجتُ بالأشعار سُقماً ألمَّ بي
وأوقفتُ في جرحي دَماً يتدفق

وأخرجتُ ديواني الذي هو أوَّلٌ
لأفرح روحاً نورُها يتألق

ولمَّا رأيتُ الشعرَ يُطبَعُ سَرَّني
وما راعني جُهدي ولا المالُ يُنفق

وسَدَّدتُ دَيْنَ الشعر مِن قوت أسرةٍ
يُشَرِّفها شِعري ومجدٌ مُوَثق

وأهديتُ مَن حولي الدواوينَ زُخرفتْ
يُزخرفها شِعرٌ أصيلٌ مُنمق

وإنْ قصَّرَتْ دُورُ الطباعة والتوَتْ
وما ردَّها عهدٌ ولا صَدٌّ مًوَثق

وحدِّثْ عن (التوزيع) أهلوه أجرموا
فلم يُنصفوني ، بل تعَدَّوْا وضَيَّقوا

ورغم الذي مارسوا مِن تمَحُّكٍ
فرِحتُ بشعري فرحة لا تُصدَّق

لهم ربحُ ديواني إذا كان مَربَحٌ
ولي خُسرُ شعري إنما الخسرُ مُوبِق

وحُجَّتُهم سوقُ الكِتاب تدَهورَتْ
وإمَّا أناقشْ قِيلَ لي: مُتحذلِق

ففوضتُ أمري للذي يَعلمُ الخفا
فبالسُّوق ما أدري ومَن يتسوَّق

وأصبحتُ محبوراً بنشر قصائدي
ويَخدمها نصٌ بليغٌ ومَنطق

وعبَّرتُ عن نفسي وذِعتُ قضيَّتي
ليقرأ عنها مَغربٌ ، بل ومَشرق

ليُنصَرَ مظلومٌ ، ويُهزم ظالمٌ
لكي لا نرى ظلماً يُذل ويُطبق

ليَعلم أهلُ الأرض صدقَ بَراءتي
ويُكشفَ للدنيا الذي يتملق

دواوينُ زادتْ عن ثلاثين حِسبة
وشِعري بها جَمُّ المَناقب مُورق

فحمداً لك اللهم جَمَّاً مباركاً
فمازلت تُعطيني الكثيرَ وتُغدِق!

مناسبة القصيدة

(طبعاً خذلانُ الأصحاب وتخلي الأهل مصيبتان عظيمتان! وكنتُ قد ابتليت بهما معاً ، فصبرتُ واحتسبت ، واستأنفت الحياة بلا أصدقاء ولا أهل! وكانت الحياة شاقة عسيرة مريرة بلا أهل ولا أصدقاء! ولكن مشقتها وعسرها ومرارتها كانوا جميعاً أخف بكثير من مشقة وعسر ومرارة الخذلان والتخلي! ولما أجد بعد ربي سبحانه سوى الشعر ، فرُحتُ ستعينُ بالله ربي وألجأ إليه وأتوكل عليه! ثم اتجهتُ إلى شعري فأصدرتُ ديواني الأول عام 1995م ، وأردفتُه بديواني الثاني عام 1996م! وعنيتُ بالنشر ، ولم أنظر - كما ينظر كثير من الكُتاب والأدباء والنقاد والشعراء المرتزقة - إلى المادة! ولو فعلتُ لما كان لي اليوم ثلاثة وثلاثون ديواناً ومئات الكتب المتعلقة بالشعر والنقد والقصة وغيرها من الكتب الإنجليزية! ولقد كانت لي تجربة أشد مرارة مع دور الطباعة والنشر والتوزيع! حيث اعتدتُ على نهبهم وسلبهم وأصبحت بعد سنوات ثلاث - من التعامل معهم - من الغارمين! والحقيقة أنني استطعتُ بتوفيق الله تعالى لي أن أوظف آمالي وطموحاتي في خدمة توحيدي ومعتقدي وديني من خلال الشعر والنقد! ذلك أنني أتعامل مع الله رب الناس لا مع الناس الذين منهم أصحاب دور الطباعة والنشر والتوزيع! فمنذ ألان الله تعالى لي فنون البيان وسخر لي عسير الشعر وأنا أجعله منطلقاً لخدمة ديني وعقيدتي! فلم أنسق قط إلى تيار الإباحية والسفول والانحطاط! فكان شعري على كثرته لا يدعو إلى رذيلة بعينها ولا يحط من قيمة ولا ينال من منقبة! وتطلعت بشعري للأفضل ، فلم أتدن فيه! ودفعت ثمن ذلك غالياً! ذلك أن الشعر الرائج في الساحة اليوم هو شعر (البشتك بشتك) أو على حد تعبير جريس الجيار اللبناني لي مباشرة: (شعر من فوق الركبة وطالع)! فكان طبيعياً أن أكون في دواويني من الغارمين! ويكون شعري مضطهداً مزهوداً فيه من الجماهير الجاهلية وممقوتاً لدى دور الطباعة والنشر والتوزيع! تقول الأديبة الأستاذة أمل الرفاعي ما نصه بتصرفٍ:- (إنه لا شكّ أن لكل منا العديد من الأمنيات والآمال ومن الكثير من الطموحات ، ولا شكّ أيضًا بأنّ كلًا منا يتطلع نحو الأفضل ويسعى للحصول على أكثر مما لديه ، فهذه هي طبيعة جميع البشر. وهي الفطرة التي تظهر بجلاء بشكل أو بآخر حتى في مرحلة الطفولة وتتجلى في حبّ الطفل للاقتناء ، حيث بإمكاننا أن نلاحظ بما لدى الطفل منذ نعومة أظفاره من حبّ الاقتناء ؛ لذا فهو يطالب والديه بما لدى غيره من الأطفال سواء أكان ذلك من الألعاب ، أو الملابس ، أو النزهات ، أو غير ذلك من وسائل اللهو والترفيه. وبأنه قد يُظهر بعض الغيرة أو قد يتولد لديه شعور بالقهر إن لم يحقق له والداه ذلك. وأنا أذهب في شعري مذهبها رضي الله عنها! إن شعري يطلع عليه ويقره ويرضاه ويكافئ عليه ويشكر لشاعره الله رب العالمين سبحانه وتعالى وعز وجل ، قبل أن يطالعه ويقره ويرضاه الجمهور! سواءً كان جمهوراً مسلماً مؤمناً موحداً يعبد الله تعالى ، أم كان جمهوراً جاهلياً يتعبد شهواته ونزواته! فماذا عن تخلي الأهل وخذلان الصديق؟! وماذا عن اللجوء الصادق إلى الله تعالى والفرار منه سبحانه وتعالى وإليه! وماذا عن رحلتي مع الشعـر وكتابته وطباعته ونشره ، ودور الطباعة والنشـر والتوزيع الفجة؟ هذا ما نطالعه في هذه القصيدة!)
© 2026 - موقع الشعر