إلى من يهمه الشعر 24 - أحمد علي سليمان

تخِذتَ الرِّضا عمَّا قضى اللهُ مَذهبا
فعشتَ على التقوى أبرَّ وأنجبا

وخُيِّرتَ بين الفقر يُؤذيكَ ، والغنى
ففضلتَ فقراً كان أعتى وأصعبا

وما تنفعُ الأموالُ إنْ فارقَ الهُدى
لقد بات ذو الدِّين البَهيَّ المُحَببا

تحمَّلتُ غدرَيْن استبدا بهمَّتي
وكانا على قلبي أخَسَّ وأنكبا

فغدرُ أخ في الله أعتى مَرارة
على النفس مِن مَوتٍ وإنْ يكُ طيِّبا

يكونُ لدي خِل أكيلاً وشارباً
وبعدَ سُويعاتٍ يُجازيه مَقلبا

ويَهتكُ عِرضَ الخلِّ دون جَريرةٍ
ويُمسِي قريرَ العين يأكلُ حَبحَبا

ويَطغى عليه الدهرَ ، ينهشُ لحمه
كأني به عَمداً يُقلدُ أكلبا

يُريقُ دِماءَ الخل في غسَق الدجى
وأسألُ هل هذا يُحَققُ مَأربا؟

وفي غربةٍ طالتْ وطالَ شقاؤها
يُؤَذي فهل أدنيتُ منيَ عَقربا؟

وقدَّمَني للظالمين ضحِيَّة
فهل بات عَيناً للعدوِّ ومِقضَبا؟

وبعدُ ادَّعى أنْ لم يُقارفْ طِعانهُ
لقد كان يَخشى أنْ يُضيِّعَ مَنصِبا

وراجعتُه ، فاحتجَّ ينصُرُ باطلاً
ومِن حوله غوغاءُ تُشبهُ أذؤبا

وإنا خُصُومٌ عند ربِّك ، فانتظر
وأبشِرْ ، فلن تلقى هنالك مَهربا

ونأتي لغدر مِن شَقيق مُراوغ
تجَمَّلَ بالحُسنى ، وغالى وعَذبا

ودَلسَ في عَقدٍ ليَسرق عامداً
وعُوتِبَ لم يرجع ، فجافى وأذنبا

إليه يعودُ الفضلُ في جُلِّ شِقوتي
وشرٌّ مَقاماً واحتراباً ومَذهبا

ولمَّا يكُنْ ردءًا ، ولم يكُ ساعداً
وردءٌ لأعداءٍ ، وساعدُ مَن أبى

تحَدَّى أخاً يلقى المَعامعَ أعزلاً
ومَشرقهُ قفّى ، ويَمَّمْتُ مَغربا

وكنتُ له نوراً يُضيئ حياته
وكان ظلاماً في حياتي وغيهبا

وكان خَساراً وانتكاساً وخيبة
وكنتُ له ربحاً وعِزاً ومَكسبا

ووسَّطتُ أقواماً لتبقى عَلاقة
فأهدرَ مَجهودي ، وأغضى وعَيَّبا

وقلنا أبانا مَن سيحكمُ بيننا
فلمَّا يكنْ أخاً ، ولمَا يكنْ أبا

ففوضتُ ربي في القيامة حاكماً
وغلبْتُ تقوى الله ، والكيدَ غلّبا

ليَ اللهُ رحماناً رحيماً بخلقه
وللحق نجْمٌ في الدَّياجر ما خبا!

مناسبة القصيدة

(في عمر الثلاثين واجهتُ غدرَ الصديق والأخ في الله تعالى! رجلٌ كنتُ أدَّخره ليوم كريهةٍ فإذا به يقدِّمني لقمة سائغة لعدوي وعدوه! فاحتسبتُ وصبرتُ وفوضتُ أمري لله تعالى! وأمضى غدرته ، ولم يعتذر عنها ، إنما أعرض ونأى بجانبه! فقلت: يحكم الله بيننا بالحق وهو خير الحاكمين وأعدل العادلين! وما أن انتهيتُ من غدرة الصديق ، حتى واجهتُ غدرة الشقيق في أرض اشتريتُها ثم اكتشفتُ أنه احتال وسجَّلها من ورائي باسمه يساعده في ذلك أب وأم وأسرة! فسامحتُ الأب والأم ابتغاء وجه الله تعالى! وبقي حسابُ الشقيق على غدرته كغدرة الصديق مؤجلاً إلى يوم القيامة! ووسَّطتُ أقواماً في حَمل كلٍّ منهما على التوبة وإرجاع المظالم ولكنهم عادوا جميعاً بخفي حُنين! فتحملتُ واحتسبتُ وفوضتُ الأمر لله ربِّ العالمين سبحانه! ولستُ أدري ما السبب في ذلك كله؟! هل هو فشلي الذريع في اختيار الصديق؟! أم فشلي في اختيار عائلتي قومي؟! نعم يختار الإنسان صديقه ، ولكنه لا يختار عائلته! إنها حالة من الفشل انتابتني في الغربة ، ولم أجد لها حلولاً! وأساسها أنني أعطيت ثقتي من لا يستحقون ، فكان الفشل! فكيف واجهت غدر الصديق وغدر الشقيق؟! هذا ما تناولته في هذه القصيدة ، وكنت في عامي الثلاثين ، وفي مغتربي الذي طال بي ثلاثة عقود! لقد كانت الغربة مريرة ، وازدادت مرارتها بعد غدر الصديق وخذلان الشقيق!
© 2026 - موقع الشعر