إلى من يهمه الشعر 21 - أحمد علي سليمان

على الحالتين المَرءُ والناسُ والدُّوَلْ
كبحر له مَدٌّ وجَزْرٌ مِن الأزلْ

فعيشٌ به الأفراحُ يعلو ضجيجُها
وقومٌ مِن الأفراح قد مَسَّهم هَبَل

وعيشٌ به الأحزانُ يَكوي أنينُها
وقومٌ مِن الأحزان أودتْ بهم عِلل

فليس دوامُ الحال سُنة ربِّنا
ومَن قال دامَ الحالُ قد صَابه الخبل

فرَغتَ مِن (الليسانس) حُزتَ شهادة
وعايشتَ بلوى لا سبيلَ لرَفعها

أتتْ سَنة فيها الشقاءُ مُقنطرٌ
وجُرحُ الأسى في أمِّها ليس يَندمِل

بَكيتَ ، وسالَ الدمعُ ينعي دَغاولاً
وكابَدْتَ مِن آلام وَجدِكَ والمَيَل

ألا بَرِّر الأحداثَ أنت وقودُها
ولا يَصرفنَّ الحزنُ وعيَك والزعل

أجبْ عن سُؤالاتٍ تُحَيِّرُ جَمعنا
ولولا غموضٌ شابها الجَمعُ ما سأل

دَهَتْ سَنة قلبي ، وطمَّتْ كروبُها
ولولا التقى ما كان قلبي ليَحتمل

وعُومِلتُ بين الناس أخزى تعامُل
وجُرِّعتُ مُرَّ العيش مِن جَوقة السَّفل

ويَمَّمْتُ وجهي للمهيمن شاكياً
ولبَّي إلهُ الناس شَكْوي على عَجَل

وجاءتْ مِن المَولى نجاة ونجدة
وحقي أتى مِن أجلهِ كنتُ أبتهل

وترجَمتُ سِفرَ العِلم مُتقياً به
بلاءاتِ أوباش تُصَبُّ كما الجبل

وأنقذني ربي وصِينتْ كرامتي
وما ضرَّني أني أمَنّى وأستغل

وعُدتُ إلى قومي بكفي شهادة
وودَّعتُ أسقامي وما عُدتُ أستذل

وعادتْ ليَ الآمال مِن بعد غيبةٍ
وليس يَعيشُ المَرءُ إذ يَفقدُ الأمل

ومارسْتُ تدريسي لترتاح عَزمتي
وكم عَزمةٍ تُودي بها نزعة الكسل

وجاهدتُ وَسواسَ الفراغ بهمَّتي
فأبدِلتُ أشغالاً ، فما أجملَ البدل

وأبدعتُ في التدريس وسْط جَهابذٍ
فما أعذبَ الإبداعَ في ساحة العمل

وطالعتُ أسفارَ الشريعة باحثاً
عن الحق مَن يبحثْ عن الحق فالرجل

ولم أتبعْ أهلَ التحَزب جُملة
فما لي سِوى التوحيدِ إنْ سادتِ السُّبُل

أنا أمتي ضَلتْ بأفكار مَن غوَوْا
فمِن مِلة وثقى تعَدَّدَتِ المِلل

أمَا كان أولى أن تتابع أحمداً
وتنأى مَلِياً عن مُجاملة الضلل؟

وإني غسَلت اليدَّ مِن كل فِرقةٍ
وما قبِلتْ نفسي التعصُّبَ للنحل

أنا لستُ مِجهالاً لأتبع الهوى
ومَن يَتْبع الأهواءَ تُزري به الحِيَل

ولقبْتُ (كشكولاً) ، فرحَّبْتُ راضياً
كأني بهذا اللفظ يُضرَبُ بيْ المَثَل

يُريدُونني عبداً يُتابعُ حِزبَهم
فقلتُ: اتركوني إنَّ خطبَكُمُ جَلل

أنا منهجي سَوقُ الدليل مصَحَّحاً
وليس اتباعَ البُهتِ كلا ولا الهمَل

فهل تقبلُ الأحزابُ هذا تعبُّداً؟
ومِن هذه الفوضى تخطفنا الخلل

وبتْنا بلا راع ، وأهمِلَ دَورُنا
ونارُ خِلافاتِ الدَّهاقين تشتعل

فما بين تكفير وتفسيق فرقة
وما بين تبديع نثورُ ونقتتل

وما بين إرجاءٍ وأشْعَرةٍ طغتْ
وما بين زندقةِ الخوارج نشتغل!

مناسبة القصيدة

(إن تخرج الإنسان من الجامعة مناسبة سعيدة على قلبه! ولقد عشتُ هذه المناسبة وفرحتُ وحزنتُ في آن واحد! وأما عن أسباب الفرح ودواعي الحزن ، فأعتقد أنه بالرجوع للمحطات السابقة يتبينُ جيداً فيما كان فرحي ومن أين أتاني حزني! وأعقبتْ تخرُّجي سنة لا أنساها مطلقاً! وأتمنى لو حذفتْ - بأفراحها على قلتها وأتراحها على كثرتها - من سجل حياتي! وأذكر جيداً أنه بمضي هذه السنة العقيمة ، التحقتُ بالتدريس ، وأبدعت فيه أيما إبداع! ونظرتُ أيامها في الواقع مِن حولي فوجدتُه مغموراً بتياراتٍ شتى ومجموعاتٍ مختلفة ونحل متنوعة! ويكادون جميعاً يشبهون مجموعة مِن العُميان وقد أدركوا فيلاً ، فمن أمسك بذيله زعم لنفسه أنه أدرك القيل! ومن لمس أحد رجوله اعتقد ذات الاعتقاد! ومن تحسس خرطومه اعتقد ما اعتقد صاحباه! ومن مرر يده على رأسه أتاه الاعتقاد ذاته! وكذلك المتخبطون الذين يزعم كثيرون منهم أنهم قد أحاطوا عِلماً بالإسلام! بينما هم في الحقيقة قد أدركوا جزئية من جزئيات الإسلام راح الشيطان يلبس عليه بأن هذه الجزئية هي الإسلام! ومن هنا قاطعتهم جميعاً! ودفعني طموحي لمعرفة الحق إلى أن أبحث وأتحقق وأتبين حقيقة هؤلاء! ولم أعط أحداً منهم ولائي! والطموح مطلوب طالما بشرط أن لا تتسلق فيه على آلام الناس! فإن الوصول على أكتاف الآخرين - شأن كل وصولي – يعتبر من أحقر الأشياء! ونحن نعمل بالممكن المتاح الموجود ولا ننسى الطموح والأمل. والنتائج الكبيرة الرائعة تحتاج لطموحات وجهود كبيرة ورائعة كذلك. فمثلاً لو أنني أحبَطت وسيطر علي اليأس (وأستاذي محمد عبد الحافظ يقول لي: اكتب كل شيء إلا الشعر ، فإنك سوف تسيء إلى الشعر والأدب) ، لمَا كان لي اليوم مكانٌ بين الشعر ، ولما كان لدواويني وأشعاري مكان بين دواوينهم وأشعارهم! فماذا بعدُ عن تخرجي والسنة العقيمة التي أعقبته؟! وماذا أحدثت سلسلة المحن والابتلاءات التي أعقبت التخرج؟!)
© 2026 - موقع الشعر