إلى من يهمه الشعر 19 - أحمد علي سليمان

وعائلةٍ تُدلِي بأعقدِ مَسألة
وتختارُ عن قصدٍ عَروساً مُمَوَّلة

وتفرضُها فرضاً على مَن يَعافها
ويَهجو طِباعاً في البُنيَّة مُخجلة

فتاة تُحِبُّ الجاهلية والهوى
وليس لها بالشرع واللهِ مِن صِلة

سِوى نِسبةٍ ، والله يَعلمُ قدرَها
ويا ليتها كانت حَصاناً وعُطبُلة

ولكنها أختُ الدَّمامة ، وجهُها
تمَرَّقَ منه الحُسنُ والقدُّ سُنبلة

فلمَّا يَعُد لي ما يُبَرِّرُ حبَّها
فهل مِثلُ هاتيكم يكونُ بها وَله؟

وأعجبُ جداً مِن جَراءة أمِّها
تقول بلا حق ، كأن بها بَله

تزوجتَها فاعلمْ ، فأنت حليلها
وهذا اتفاقٌ ، ما الأمورُ سَبهللة

وهل بعد قطع الوالدين مَشورة؟
وقطعُهما في الأمر حَسمٌ لمسألة

فقلت لها: يا خالتي الأمرُ مُشْكِلٌ
وقولكِ هذا مُؤذِنٌ لي بمشكلة

وبنتُكِ لم أختر يَقيناً زواجَها
ونفسي عليها صدِّقي غيرُ مقبِلة

وأما أبي فليقترحْ ما يريدهُ
ووالدتي تسعى لتذليل مُعضِلة

تزوَّجَ مِن بنت العُمومة والدي
وأعطى لها مالاً ، وغادرَ منزله

وعَنتْ له أخرى فأمضى زواجَها
وثالثة يرجو فما تلك مهزلة

له وفق شرع الله ما يرضى تعبُّداً
لعل له إرباً ببتكِ أرسَله

فما شأنُ مثلي بالذي خَصَّ والدي
له ما تمنى ، ربما تلك مرحلة

فقالتْ: يَمينَ الله إنك هازلٌ
وأقوالكَ الخرقاءُ في الوَهم مُوغِلة

حَسِبتُكَ ترضى بالفتاة تكلفاً
ليَرضى أبٌ ، إنْ كان للأب منزلة

فعُدتُ لعائلتي أحاولُ جاهداً
لأقنعهم ، فاستقبلوني بأسئلة

أجبتُ عليها دون شكٍ ولا مِرا
فما فقهوا فحوى النصوص المُنَزَّلة

وكلُّ فتىً يختارُ زوجاً يُحبُّا
وعندي ادِّعاءُ الحب يُحدثُ زعجلة

فما احترموا رأيِّي ، ولم يتجمَّلوا
وإن احترام الرأي ما كان أجمله

لإبن تساهيلٌ ودَعمٌ وخاطرٌ
ولابن مَشقاتٌ وشجوى وعَرقلة

فأنجزتُ مشروعاً رجوتُ اكتماله
وقامتْ خِلافاتٌ لغبني مُوَصِّلة

فسِرتُ ولم يَمهَدْ ليَ الدربَ والدٌ
كأن على العينين أستارُ مُسْدلة

وأوغلَ في التضييق أصهارُ ما رَعَوا
حُقوقي فهل هذا انتصافٌ ومَعدَلة؟

رأوني بلا أهل ، ودون قرابةٍ
ونفسي عليهم دونما الأهل مُقبِلة

فعُوملتُ كالبرذون يَغشى دِيارهم
وداري على زوجي ومَن كاد مُقفلة

فهيضتْ حُقوقي ثم دِيسَتْ شَرافتي
وكانت حياتي رغم أنفي مُهرجَلة

فلا أرجَعَ المَولى زماناً كرهتُهُ
ولا جاورَتْ نفسي نفوساً مُسربَلة

مناسبة القصيدة

(تختار العائلة عروساً لي على غير عِلم ولا رَغبة مني! وبلغ مِن جرأة والدة هذي العروس أن تفاجئني أمام الناس ، بأنني قد خطبتْ لي فلانة ابنتها وأن والديَّ قد أنهيا الاتفاق معها على ذلك! فقلتُ لها بلا مُواربة: أبي تزوج باثنتين ، فإن كان يرغب في ابنتك ثالثة لهما فله ذلك ، أما أنا فلا حاجة لي بابنتك! ومن هنا أخذتْ عائلتي موقفاً عدائياً غير مبرر مني! ليس ذلك فقط بل انحازتْ إلى شقيق أصغر مني رفض العروس ذاتها ، واختار من يريد! ليس ذلك فقط ، بل كفلت له كل الدعم والتأييد بكل أنواعهما! أما أنا فكيل لي العداء والخذلان والتعيير والوعيد! وإذن فموضوع الزواج يختار الموحد المؤمن ذات الدين والعفة والاحتشام! وهذا الذي فعلت! إن تطلع النفس لما هو أنفع لها في دنياها وأخراها أمر محمود شرعاً ، فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز). ولا يعتبر هذا عدم رضا بالقدر ، وبما قسمه الله للإنسان ، لأن الله قدر المقادير بأسبابها فقدر النجاح بالجد والمذاكرة والري بالشرب والولد بالوطء ، وهكذا فلو طمع الإنسان إلى منزلة دينية أو دنيوية مباحة وعمل من أجل ذلك ووصل إليها فهو بقدر الله. ولا يجوز ترك العمل اتكالاً على القدر لأن ما في اللوح المحفوظ لا يعلمه إلا الله. قال الحافظ في الفتح: وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا ، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة ، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته. ولو تأملنا في الكون من حولنا لأدركنا ذلك ، فأول الشجرة بذرة. وأنت أيها الإنسان قد تتحمل الألم ساعات ، ولكنك لا ترضى باليأس لحظة واحدة ولا أقل من ذلك. طبعاً هذا إذا كنت جاداً مجتهداً متفائلاً متفاعلاً تعيش على الآمال والطموحات! وكان الأولى والأليق بهذه الأسرة المنكوبة أن تتابع ابنها في هذه الدعوة المباركة والتصحيح الميمون! ولكنها أعرضت ونأت بجانبها! فماذا عن تجربة العروس المزعومة وخذلان العائلة الذي كان يمثل عقاباً وتنكيلاً لي لأنني خالفت أوامرها! على حين خالف غيري فكان له ما أراد ونزلت العائلة على مراده وقدمت له كل الدعم المـادي والمعنـوي؟! ولله في خلقه شـؤون! ولقد لقيت كل هذا العنت والخذلان بكل الترحيـب!)
© 2026 - موقع الشعر