إلى من يهمه الشعر 18 - أحمد علي سليمان

وكُليَّة (الآداب) أنهكَها الأسى
وباتتْ تُعَبِّي بالأضاليل أرؤسا

تخرَّجتَ ، فانزاحتْ مِن الدار غمَّة
ولمَّا تعُدْ تشكو دَخيلاً مُغطرَسا

فلا غرْو أن يحلوْ لكَ الجو بالدُّجى
إذا لم يجد في ذي الدياجير حِندِسا

وودَّعتَ أسنى الذكريات وذِعتها
بقلب على ما قدمتْه له قسا

ولو تُشترى بالمال كنتَ اشتريتها
فكم جمَّلتْ في الناس من كان مفلسا

وأغنتْه مِن فقر ، وغالتْ عُيوبه
وأشرقتِ الأفراحُ ، وانقشعَ الأسى

وعِشتَ فراغاً لا سبيل لسَدِّهِ
وزهر شباب بالمَشيب قد اكتسى

وإن فراغ النفس أحقرُ قاتل
فكم أزهقتْ فوضى الفراغاتِ أنفسا

فراغ أبى إلا مُراودة الهوى
تُؤازرُها الآمالُ تسبقها عسى

ولمَّا تكنْ مِن حِرفةٍ أو صناعة
فأصبحتَ بين الناس أشقى وأتعسا

ومَنيتَ نفساً بالخلاص تفاؤلاً
فخانك تقديرٌ ، وصَدَّكَ مَن أسا

وشَيطنك الخِبُّ الجبانُ تحايُلاً
فعابك في أسمى الخِلال ودَنسا

وصَدَّقتِ المُحتالَ في الكيد أسرة
كأني به إبليسُ كادَ ووسوسا

وأشعلَ هذا الوغدُ أكبرَ فتنةٍ
ولمَّا يَدَعْ بيتاً ، ولم يُعفِ مجلسا

رماني بما لم أقترفه لحَيظة
وأفتى أضاليلاً ، وغالى ، ودلسا

وراجتْ إشاعاتُ يُدندنُ حولها
رجالٌ هلافيتٌ وساقطة النسا

وطابتْ أحاجي النذل في كل موقع
ومهَّدَ للتنفير مني ، وأسسا

وساءلتَ عن وَبش تُعرِّيه غيرة
تدَنتْ مساويها وفي أمِّها رسا

ولمَّا أجد نفسي سوى بين صُحبتي
وإني اصطفيتُ الخلَّ في الكرب مُؤنسا

ولمَّا أصاحبْ تافهاً أو مغفلاً
ولمَّا أصاحبْ أحمقاً أو مُدَلسا

ولمَّا أصاحبْ جعظرياً مُعانداً
ولمَّا أصاحبْ (همشرياً) موسوسا

ولكن فراغي غال شأني وعِفتي
وكان من الأشغال أعتى وأشرسا

فنال الغثا مني ، وديستْ كرامتي
وكان انتقام البُله أنكى وأنجسا

وإن كنتُ أنسى لستُ أنسى مَن افتروا
عليَّ ببُهتان أخسَّ وأدنسا

رمَوني بإيقاع النسا في حبائلي
وفيهن قد عِشتُ النصيحَ المدرِّسا

وكنتُ كتاباً كم قرأن فصوله
وطالعن تهميشاً ذكرتُ وفِهرسا

وعند إله الناس يوماً سنلتقي
لآخذ حقي مِن كَذوبٍ تحمَّسا

فنال بلا حق صِياني وحُرمتي
أمَا كان أحرى أنْ يكُفَّ ويخرسا

سيُنصَرُ مظلومٌ ، ويُدحَرُ ظالمٌ
ولن يترك الدَّيان في الحشر أنفسا

فكلُّ إلى الجبار لا شك راجعٌ
وما كان عبدٌ عند ربي ليُبخسا

مناسبة القصيدة

(إن ذكرياتِ كلية الآداب بجامعة المنصورة في الفترة من 1881م حتى 1985م لا تُنسى أبداً بكل ما احتوتْه من أفراح وأتراح! ولقد شهدْتُ بعد تخرجي منها فراغاً قاتلاً ، تمنيتُ معه لو عادتْ ذكرياتُ الجامعة! رغم أنني كنتُ قد انتويتُ أن أكمل مرحلة الماجستير والدكتوراه ، لكنني عدلتُ عن ذلك فيما بعد! وعانيتُ من شيطنة أحد أشقائي لي عند والديَّ! وشكوتُه لله تعالى! ناهيك عن ترويجه إشاعاتٍ لا تليقُ عن أخيه الأكبر الذي هو أبوه بعد أبيه! وتحملتُ مُرَّ الأسى ، وانطلقتُ وحيداً في دربي! وأيقنتُ أن الله تعالى نصيرُ المظلوم يوماً ما! ففيم الخوف وفيم القلق؟! فإني وإنْ وكلتُ الأمرَ لله في الدنيا ، فعند الله تعالى تجتمع الخصوم! وبصراحة الإنسان يعيش بآماله وطموحاته وأمنياته ، ولكنه يُصطدم بالواقع وإمكانياته المتاحة ، فإذا بها لا تحقق عشر معشار ما يطمح إليه! ففي الحياة عراقيل وعقابيل تحول بين الإنسان وبين طموحاته وآماله! وقليل من الناس من يدرك هذه الحقيقة! فتكون صدمته أكبر ، ويكون انهياره أسرع! ولكن الإنسان الذي يوازن بين طموحاته وإمكانياته تراه معتدلاً ومنسجماً مع الحياة التي يعيش! فماذا عن ذكريات الكلية والجامعة والفراغ بعدها ، وشيطنة الشقيق لشقيقه؟!)
© 2026 - موقع الشعر