إلى من يهمه الشعر 17 - أحمد علي سليمان

وأغراكَ بالترحال مَن أبطنوا العَدا
وساقوا لك البُشرى لك اختصروا المَدَى

وقالوا: التحِقْ بالرَّكْب في خير غربةٍ
ستسكُنُ عَمَّاناً وزِيزيا وإربدا

وإن شِئت بالوحْدات كانت إقامة
وفخرٌ تسامى أنْ نجاملَ أحمدا

وصَدَّقت يا مسكينُ زيفَ كلامهم
لقد كذبوا وَعْداً وعَهداً ومَوعدا

وعايشت بالتغرير أكبرَ خِدعةٍ
توَسَّمت في الأنذال فضلاً وسُؤدَدا

فألفيتهم خانوا أمانة غربةٍ
وخُذلانُهم أضحى أمَرَّ مِن الرَّدى

فعانيت شهراً في اغتراب وشِقوةٍ
وضاقتْ بك الدنيا ، وبِت مُقيَّدا

فلا عَودة تسلو بها عن تغرُّب
ولا أكْمِلَ المشوارُ مُذ كان وابتدا

وعِشت بدار ذلها مُتحَققٌ
وبَلواك فيها أشمَتتْ زمَرَ العِدا

تسِيرُ ، فلا تلقى صَديقاً مُواتِياً
ولا صاحباً شهماً يكونُ لك الفِدا

وكانت لك (الأردُنُّ) مَنفى ومُنتهى
ومَهوىً لمَن آماله أزهِقتْ سُدى

وقضَّيت في (المِعمار) يوماً ، فعِفتهُ
فأبئسْ به يوماً عَسيراً وصَيهدا

وأبكتْك أحوالٌ ، وأضحَكك الإبا
وناغى صُمودٌ ، ثم أسمعَكَ الصَّدى

فأبدِلت مِن وَهم القنوط صَلابة
وحاولت أنْ تسعى وَحِيداً مُجَدَّدا

وسِرت إلى (الأغوار) تنشُدُ خيرَها
وحُلمُكَ باليُسرى اسْبَطرَّ وغرَّدا

فلم تلقَ فيها ما يَسُرُّ ، وإنْ بدَتْ
رياضاً تُحَيِّي زائراً مُتودِّدا

فقررت تِرحالاً (مَعانٌ) مِهادُهُ
فما مَدَّ أهلوها لمُغترِب يدا

وقاسيت خُذلاناً يَروحُ ويَغتدي
فلا خيرَ في أهليه إنْ راحَ أو غدا

وسِرت إلى (عَمَّانَ) مُستأنساً بها
فقاسيت حالاً مِن دُجى الليل أسودا

فصَمَّمت أن الحلَّ عَودٌ وتوبة
ودمعٌ يُواسِي قلبَك المتوجِّدا

وعُدت ، وضاعتْ يا شَريدُ قصائدٌ
وعارٌ على المِغوار أن يتشرَّدا

وكانت ببحر التيه أرجى سفينةٍ
ركِبتَ ، وكان الجسمُ عَيَّاً ومُجهدا

نياغوس والرُّكابُ مِن فوق مَتنها
وعين ترى الإبداعَ في البحر شُيِّدا

وشَقتْ عُبابَ الماء دون مَشقةٍ
وما ضَرَّها إنْ زمجَرَ اليمُّ مُزبدا

وطاقمُها يهوى غِناءَ دَلِيدةٍ
وشاقتْه ألحانٌ ، فأمسى مُرَدِّدا

ولم يُدركوا مَعنى ولم يعرفوا الصُّوى
فترجمت مُختاراً لتدعَمَ مَشهدا

وعُدت إلى الأهل الألى لم يُرَحِّبوا
ولمَّا تعدْ بين الأقارب سَيِّدا

فإمَّا نقودٌ يَطرفُ العينَ عَدُّها
وإمَّا افتقارٌ يَجلبُ الضَّنكَ والعَدا

ووالدة تدعو عليك بحُرقة
وكانت قبيلَ السَّفْر أندى مِن الندى

فما بالها أمسَتْ تُباهي ببُغضها
بقلب مِن التخذيل أصبحَ مُكْمَدا

مناسبة القصيدة

(ليس عَيباً ولا حراماً أن ينصح الصديقُ لصديقه ، ويختار له الأحسن والأفضل والأليق! بل هذا واجب بين الأصدقاء تحتمه صداقتُهما! وبعد تخرجي من الجامعة عَمدتُ إلى استغلال شهرَي الصيف ، وأسافر لأجد فرصة عمل طيبة تعينني على مصاريفي الشخصية على الأقل! وكان لي صديقٌ سافر إلى الأردن ، وأغراني بالسفر! فلما سافرتُ تمتِ الخديعة حيث لم أجد الأمور كما وصفها لي وأغراني بها! فعدتُ بخفي حُنين ، وانتهت مع الرحلة هذه الصداقة التي لا خير فيها ولا ثمرة لها! وانشغلت بالعَبَّارة (الباخرة) نياغوس اليوغسلافية وطاقمها مِن البحارة لأسَلي حالي البائس! وكان شهراً حزيناً لا تكاد ذكرياتُه التعيسة تفارق ذاكرتي أبداً! وربما كان الألم حافزاً على العمل وطريقاً ممهداً إليه! والحقيقة أنه بين الألم والأمل كانت حياتي منذ ولادتي ، وحتى كتابة هذه السطور! وليس فقط رحلة الأردن البائسة التعيسة! وأحمد الله تعالى أن ألان لي فنون البيان وسخر لي الشعر والنثر أعبر من خلالهما عن تجربتي ومعاناتي نافعاً بذلك غيري ، وشاداً من أزر الضعفاء والمبتلين وقليلي الحظ والتوفيق! وأقول للنذل الذي خذلني في الغربة حرصاً منه على ديناره: تعس عبد الدينار! والحمد لله تعالى لم أكن ضحية التسويف ، ولكنني عشت أعمد إلى طرق الحديد وهو ساخن! فما أن تسنح الفرصة إلا وأنتهزها خير انتهاز وأستغلها أحسن استغلال! ومن يفعل ذلك لا يشك أن يتحكم في الفرصة السانحة ويوظفها ، ولا تتحكم هي فيه ليكون ضحية من ضحاياها! وربما يكون التكاسل عن انتهاز فرصةٍ ما سبيلاً إلى ضياعها وأن ينتهزها غيره! وهنا يكون النـدم من حيث لا ينفع الندم! ويكون البكاء على اللبن المسكـوب!)
© 2026 - موقع الشعر