إلى من يهمه الشعر 14 - أحمد علي سليمان

وفي البحر كم يَعيا السَّفينُ ويُرزأ
ويَشكو إلى القبطان أنْ ضاعَ مَرفأ

ولولا اضطرابُ المَوج ما تاهَ مَركبٌ
ولم يكُ رُبانٌ بحاليْهِ يَعبأ

تمَرَّسْتُ في كَرِّ الزمان وفرِّه
وخمَّنتُ ماذا عن ضميري يُخَبِّيء

وأعلمتُ مَن تحنو عليَّ حقيقة
وأني إلى أهل الصعيد سألجأ

أيَمِّمُ وجهي نحو (نِعناعةِ) الحِمى
ومما ألاقي مِن (سُلوم) سأبرأ

بَرئتُ مِن التقليد والعُرف قبله
وإنْ كنتُ بالعادات و(السِّلو) أبدأ

صَعيدي سيُؤويني ويرحمُ غربتي
لأني بنفسي عن هواني سأربأ

سأدفعُ مَهري ثم أفرش منزلي
وعهداً أنا إمَّا فعلتُ سأهنأ

زميلة مِشواري هداديكِ واعلمي
بأنكِ أختي ، صَدِّقي لستُ أهزأ

أبوكِ الذي أعطى الأمورَ احتباكها
فقال: أخوها قلت: إىْ لستُ أهرأ

ولو لم يقلها لستِ لي لستُ هازلاً
وهذا الذي صَرَّحتُ في الوجه يُقرأ

ولستُ الذي يَنسى جميلكِ لحظة
ويَخزى الذي ينسى الجميلَ ويَخسأ

فعنكِ قصَرتُ العينَ هذي تعبُّداً
وغيري على حُسن الصِّبا يَتجرَّأ

وجَرَّدتُ إحساني وكِلتُ عَوارفي
وآلمَني فضلى تحارُ وتُرزأ

فأهديتِني الأخرى بدون تعمُّدٍ
وأهديتِني الدنيا هَناً يتلألأ

وهذا جَزا شَهم تعففَ واستمى
ومِن جنة الدنيا الهُدى يَتبوَّأ

وأحببتُ مَن يهوى ضميري تنسُّكاً
ومَن حبها الزاكي فؤاديَ يملأ

ومِن خالقي الرحمن كنتُ طلبتُها
وعِشتُ لِمَا يُمضِيهِ لي أتهيأ

ولمَّا يَشأ ربي تدَني مَهابتي
ولستُ لشيءٍ أشتهي أتدَنأ

وربي عليمٌ بالذي أنا قاصدٌ
وعزمِي حديدٌ لامعٌ لا يَصدأ

فواحدة غالى أبوها وصَدَّني
فبُحتُ بسِرِّي لستُ مَن يتكأكأ

وواحدة أدلى أبوها بطِلبتي
فسبحان مَن يرعى الأنامَ ويَكلأ

ولا دخلَ لي فيما ارتأى أبويهما
فمِن قوَّتي طوعاً إلى الله أبرأ

فأبعدَ ربي رغم وُدٍّ زميلة
وسَربلَ وداً فيه كم نتفيَّأ

وقرَّبَ ربي (عَزة) رغم فقرنا
ولمَّا يَزلْ قلبُ الفتى يتكفأ

فبادرتُ لم أكسلْ وأدركتُ غايتي
فلستُ الذي في واجب يَتلكأ

وللأمر تقديمٌ وشرط مُحَتمٌ
وشُبهة تأخير ، ولا بُدَّ تُدرَأ

فأعدَدْتُ نفسي واستعنتُ برازقي
وكان الذي لمَّا أكنْ أتنبأ

وحققَ لي ربُّ الخلائق دعوتي
ودينُ إله الناس لا يتجزأ!

مناسبة القصيدة

(في عامي العشرين ككل شاب تطلعتُ لاختيار زوجة المستقبل ، وإنْ لم أكنْ قد انتويت الزواجَ بعد! وحِرت بين غادتين الأولى قِبْلية صعيدية (نعناعة) ، والثانية بحرية (عزة)! فأما الداعي إلى الغادة الأولى الصعيدية فكان تقاليد القبيلة وسهولة الإمكانيات والتكاليف آنذاك! وأما الداعي إلى الغادة البحرية فكان الحب والعشق اللذين استمرا سنواتٍ خمساً! ولكن الميل للأولى فكان ميلاً عقلياً شرعياً بحتاً ، ويأتي الحب والعشق على الأيام! وأما الميل للثانية فكان عاطفياً شرعياً بحتاً ، ولما وجدتني عاجزاً عن مجرد طلبها من أبيها ، طلبتُها من الله رب العالمين الذي خلقني وخلقها! فأرسل الله رب العالمين لي أباها يطلبني للزواج بها فيما بعد! وهذا من فضل الله تعالى! ولاحتْ غادة بحرية أخرى معي في الكلية ، ولكنَّ أباها اشترط أخوتي لها ، ووعدتُه ووفيت ، فبادلتُها شعور الأخوة وأعلمتُها ذلك ، ولم أبيَّن لها قط أن هذا هو طلبُ أبيها! وجعلتُ صراحتي وعدم التدليس درباً للتعامل مع الكل! وكلها ذكريات أفصحت لأهلي عن بعضها ، وأفصحت لأصدقائي عن البعض الآخر ، واتخذت بعضاً ثالثاً يكون بيني وبين الله تعالى ، آخذه معي إلى قبري ، لا يعلم به أحد إلا الله رب العالمين تبارك وتعالى وعز وجل! وإن هو إلا الطموح الذي كان يدفعني في أغلب الأوقات! إن الطموح هو الأكسير الذي يعطي للإنسان معنى الحياة والإحساس بها! والحياة بدون طموح لا تساوي شيئاً! ويظل المرء يطمح ويتمنى ويعمل وفق شريعة ربه تعالى حتى يلقى الله! وإذن فالطموح والأمنية والعمل ينبغي أن ترتبط جميعاً بالكتاب والسنة! وإلا فالعبث!)
© 2026 - موقع الشعر