إلى من يهمه الشعر 11 - أحمد علي سليمان

وللصُّحبة العَصماء أحلى الأطايبِ
لذا أصطفيها كلَّ شهم مُصاحِبِ

فصاحبتُ في الدنيا الكِبارَ وصُنتُهم
وما كنتُ هتاكاً لحُرمة صاحبي

وصاحبتُ مِن سِني القليلَ وعِفتُهم
فليسوا بشيءٍ في البَلا والنوائب

وألفيتُ أصحابي الكبارَ أشاوساً
يُقِيلون عن عان جميعَ المصاعب

وجَدتُ لديهم خِبرة وتجارباً
وأصْوبَ رأيٍّ مُستبين وصائب

فمنهم فقيهٌ في الشريعة عالمٌ
ويُدلِي بحُكم في المسائل ثاقب

إليه اتجاهي إنْ شَرِقتُ بفتنةٍ
وطار صَوابي بين شتى المذاهب

لبَرِّ أمان يُوصِّلُ الخِلَّ خِلهُ
لينجو مِن شرِّ البلا والمصائب

ويَحترمُ الرأيَ الذي لا يُحِبُّهُ
فإن احترام رأي الخِلِّ أشرفُ واجب

ويأمرُ بالمعروف دون تكلفٍ
وينهى عن السُّوآى وأخزى المعايب

ومنهم خفيرٌ ، والحراسة باعُه
ويُخلِصُ ، لا يُعطي اهتماماً لراتب

ومَن يقرأ القرآنَ يرجو ثوابه
ويَخشى وقوعاً في امتحان العواقب

ومَن يَصنعُ الفخار دون تكبُّر
فيغدو يُعَبِّئ ظنه في القوالِب

ومَن يَزرعُ الأشجارَ تُؤتي ثمارَها
وقد أوتِيَ المِقدامُ خيرَ المواهب

ومَن هو بين الناس بات مُمَرِّضاً
يُطبِّبُ إذ أمسى رفيقَ مُطبِّب

ومَن يشتري الأشياءَ ثم يبيعها
رَضِياً بمال صار أرجى المكاسب

وناولتُهم وُدِّي وعاطرَ ألفتي
وكان الذي ناولتُ أشهى الأطايب

وناقشتُهم أندَى نقاش ، فأحسَنوا
رُدوداً ، وهل ردُّ الصَّبيِّ كشايب؟

وأكبَرْتُ ما قالوا ، وثمَّنتُ فِعلهم
وحَققتُ للأصحاب أسنى المطالب

وخيري تعدَّاني لغيري تفضلاً
وكان العطا والبذلُ أصفى الرَّغائب

وعاملتُهم حتى أرى حُسنَ سَمتِهم
فكانوا خِياراً أظهروا كلَّ غائب

وأغضبتُهم حتى أرى حَجمَ حِلمهم
فقوبِلَ إغضابي بعطفِ الأقارب

وسُقتُ انفعالاتي عليهم مُوَبِّخاً
فأغضُوا حياءً مثلَ صمت الكواعب

ويوماً غزتْني ظلمة بعد ظلمةٍ
ففاقَ ضياءُ الشمِّ نورَ الكواكب

وهدَّتْنِيَ الأسقامُ يوماً ، فطببوا
وما فرَّطوا فيما يُحَتمُ واجبي

وإنْ كُربة حَلّتْ أتوْني وفرَّجوا
ولم يكُ فردٌ عن غِياثي بغائب

على أنني كنت الصَّبيَّ فصُحبتي
أذابتْ فروقَ السِّن دون التقارب

وما عايروني أنني كنتُ بينهم
زهيدَ مَقام ، حالَ أفقر طالب

وأسرارُهم عندي وعندي شؤونهم
ولستُ الذي يُفشي شؤون الأشايب

وبارك ربُّ الناس في خير عِشرة
فشكراً لربٍّ مستعان وغالب!

مناسبة القصيدة

(في هذه السنة ازداد فيَّ الولعُ الشديد بمصاحبة الكبار مقاماً وسناً! فاعتدت أن أصاحب وأصادق من هم في عُمر أبي وجدي ، شريطة أن يكونوا ذوي علم أو خبرةٍ في الحياة ، بالإضافة إلى مناقب وخلال أخرى كالرجولة والشجاعة والنخوة والأريحية والصدق والشهامة والمروءة! ومن هنا خصصت هذه المحطة من محطات مجموعتي الشعرية: (إلى من يهمه الشعر) عن هؤلاء الأصحاب ودورهم في تشكل معالم شخصيتي! فأنا مدين لهم بالكثير! وكنت قد اعتدتُ أن أعرض عليهم أشعاري ، لينتقدوها حسب خبراتهم وتجاربهم في الحياة ، أو حسب خبراتهم في اللغة العربية إن كانوا من أهل التخصص فيها! وهذه ذكرياتي معهم ، ولستُ أنساها ما حييت! في بعض الأحيان ، وأنا شخصياً أتمنى أن أعود إلى تلك الأيام حتى لو كان ليوم واحد فقط! وأنا أقول بأن الماضي عبارة عن صفحة بيضاء نكتب عليها لحظاتنا السعيدة. وتشمل ذكريات الماضي المحادثات والألعاب والجيران والأقارب والأصدقاء التي تجعل عالمنا أكثر جمالاً ، ومن هنا المنطلق كانت ذكريات الماضي معانيَ لا يمكن نسيانها ، فهي جزء منا. وكانت أوقات الماضي أفضل أوقات حياتنا ، حيث نعيش حلمًا لن يتكرر. واللحظات التي قضيناها في الماضي علمتنا أن نثق بالفطرة. وآمالنا تكبر مع الوقت ، لكن الذكريات تبقى كما هي. وتظل لحظات الماضي من أروع ما نتذكره ، وتبقى في قلوبنا إلى الأبد. وكلما كبرنا أدركنا قيمة تلك الأيام الجميلة. وذكريات الماضي تضيء الأيام الصعبة وتشعرنا بالراحة! وأنت أيها القارئ تذكر دائمًا جمال تلك اللحظات ولا تدعها تفوتك. وتمثل الذكريات كنزًا ثمينًا لا يمكن نسيانه. وطفولتي تركت لي ذكريات جميلة تشبه الزهور المتفتحة. ولقد أعجز من عبء مطلوب حمله فأقول: أستعين بالله لعله يمدني بقوةٍ من عنده أستطيع بها النجاح. والنجاح لا ينفعنا بذاته بل ينفعنا الامتياز فيه. وإذن فالعمـل الجـاد سبيل إلى النجـاح! والآن لنطالع ما منَّ الله به في قصيدتنـا!)
© 2026 - موقع الشعر