إلى من يهمه الشعر 9 - أحمد علي سليمان

تجاوزتَ خمساً ، قبلها العقد أكمِلا
وعِشتَ بها شهماً كريماً مبجَّلا

وواجهتَ مِن أعتى البلاءات حِصَّة
وهوَّنَ ربُّ الناس ما كان مِن بَلا

وما سَربلتْ أشقى العذابات همَّة
ولا جَندلتْ أقسى العقابيل مَأمَلا

ولا أخرَتْ بَلواءُ عن نيل فرصةٍ
ولا عرقلتْ لأواءُ عن بُلغة العُلا

ولا أسقطتْ بَغضاءُ لليث هيبة
ولا دمَّرتْ شَحناءُ ما حُزتَ مِن وَلا

وجئتَ رياضَ الشعر تبحثُ عن حِمى
فلمَّا يكنْ روضٌ يُغِيثك مُمْحِلا

فرَحَّبَ شعرُ العُرب بالزائر الذي
نوى خطبَ ودِّ الشعر والمَهرُ عُجِّلا

كتبتُ و(عبد الحافظ) استلَّ خِنجراً
وغالى ، ولم يرحم ، وأغرى بك المَلا

وقال بأن الشعر أرقى مِن الذي
كتبت ، وأخشى أن تُسيء فتفشلا

فما الشعرُ يا هذا يَسيرٌ ، فأقصِرَنْ
فإن تلتزمْ عِلم (العَروض) فحيهلا

فقلتَ: أعيدُ النص بعد دراسةٍ
وذاكرتَه عاماً يَمرُّ مُطولا

ولم تبتئس يوماً ، ولم تن همة
وجهدُك في التعليم ليس مُؤجَّلا

وجئتَ إلى (الأستاذ) تختالُ باسماً
وعزمُك معقودٌ ، وقدَّمتَ ما تلا

فلمَّا تلا أرغى وأزبدَ مُنْكِراً
وقال كلاماً مُستفِزاً ومُبطِلا

وجادل عن جهل وساق اتهامه
وقال: سرقتَ النصَّ إذ صِرتَ أرذلا

فقلتَ سؤالي: هل ترى الشعرَ أسطري؟
ألا فلتحدِّثني حديثاً مفصَّلا

فقال: أجبني إنني اليوم حائرٌ
ولستُ كما تدري غبياً مُغفلا

ودارتْ رَحى التسآل حتى تعللتْ
وأيقنَ (أستاذ) ، وبعدُ تعللا

وكانت من (الأستاذ) أزكى نبوءةٍ
وما كان بالإطراء يوماً ليبخلا

يكون لذا التلميذ في الشعر حِصَّة
وسُلمَ شعر العُرب ذا طالبي اعتلى

رأيتٌ له في الشعر مستقبلاً بدا
ولستُ الذي يروي كلاماً مضللا

فأكرمك المولى ، وجازى بفضله
وأمسى عويصُ الشعر أرجى وأسهلا

وسَخّرت للإسلام شعراً تصوغه
تُقوِّمُ مُعْوَجَّاً يَسُودُ ، ومُيَّلا

وكانت دواوينُ القريض وسيلة
لنشر الهُدى ليست تُرّوِّجُ للطِلا

ودافعتَ عن حق وعظمتَ شأنهُ
ولمَّا يكنْ ذِكرُ الوقائع مُهمَلا

فعينٌ على التاريخ تتلو دروسَهُ
وأخرى تلومُ العصرَ أضحى مُسَربَلا

وأرسل هذا الشعرُ أقوى رسالةٍ
وبارك ربُّ الناس ما كان أرسلا

وأبدعتَ إذ عالجتَ بالشعر واقعاً
ليُصبح مِن رجس المعاصي وقد خلا

وصَوَّرت ما تحيا من اليُسر والشقا
ولمَّا يكنْ أمرٌ مِن الشعر مُعضِلا

فأكملْ على الأيام أحلى مَسيرةٍ
فما أجملَ الشعر ابتدا ، ثم أكمِلا!

مناسبة القصيدة

(يتميز عامي الخامس عشر بأنه عام النضوج في الشعر العمودي الخليلي! حيث كان من قدري أنني ذهبتُ بقصيدةٍ لم توزن وإن قفيتْ إلى الأستاذ الشاعر محمد عبد الحافظ معلم اللغة العربية بمدرسة كفر سعد الثانوية ، فلما قرأتُها عليه رفضها رفضاً قاطعاً قائلاً: يا هذا اكتب كل شيء إلا الشعر ، فإنك سوف تُسيء إلى الأدب العربي! الأمر الذي جعلني أسأل وما ينقصها لتكون شعراً؟ فأشار عليَّ بعِلم العَروض! وسوف أعافي القراء من نص حوار الأستاذ عبد الحافظ معي! فلقد كان قاسياً للغاية! ففي الوقت الذي مدحني الآخرون وارتأوا أن الذي كتبته شعر يواكب إن لم يزيد على بدايات شوقي وحافظ! الأمر الذي جعلني أسأل أبي عن سر هذا الأمر! كيف يمتدحني عشرة أساتذة منهم متخصصون في الأدب العربي ، ويذمني أستاذ واحد بلهجة قاسية صارمة تصرف متلقيها عن الشعر والشعراء إلى أن يلقى الله تعالى! وفطن أبي بتجربته في الحياة إلى ما لم أفطن إليه! حيث أمرني أن أعود إليه وأسأله بتفصيل عن سبب رفضه لأن يكون نصي شعراً! ووضح لي أبي أن العشرة المادحين محبون لك! وغلب حبهم على قول الحق لك! وأنهم ارتأوك في بداية الطريق ، فاختاروا تشجيعك لا إحباطك! ومن هنا كان انطلاقي إلى العروض! فلما أتقنتُه عُدتُ بالقصيدة ذاتها للأستاذ بعد صياغتها على البحر الكامل! وكان المدحُ والإطراء ، ومن هنا كانت بداية فذة مع شعر العرب! فهو عام الشعر! جميلة تلك الذكريات ، وجميلة تلك القصص التي يكون أبناؤنا فيها هم الأبطال ، فلنسردها لهم ولنضحك معهم ، ولنتعلّم منها ، ونستغلّها فرصة لنعلّمهم دروسًا وعبرًا ، ولنسطرها ذكريات لهم. وأكاد أستمتع بهذه المجموعة التي ستبقى إرثًا أهديه لابني ولحفيدي عندما يكبران!)
© 2026 - موقع الشعر