سفينة الشمال - احمد الخالدي

يا غيمةٍ مرت على جرد الازمان
تسقي عروقٍ بالهوى مستكينه

طيفك عبر في دنيتي كنه ألحان
عزفٍ يذوّب صمت وقتي وحينه

أبني قصور الحب واحلم ببيبان
تفتح دروبٍ للحبيب ولعينه

واثر الحقيقة غير تنهيد واشجان
وجروح تنبت في حنايا حزينه

كنت اتحرى طلتك وسط الاعيان
واثر السراب اللي تلاشت سنينه

رحتي وانا ما زلت في حبك ازمان
أرسم ملامح صورتك في جبينه

يا من سكنتِ الروح والقلب عنوان
والنبض يعزف ما خفاه بكنينه

قلبي على رجوى الأمل ماله الوان
ونار الفراق بداخل الروح شينه

‏يا قسوة الفرقا على قلب ولهان
خَلّى وراه الروح تشكي أنينه

أمشِي دروبٍ صمتها كنه بركان
نارٍ بصدري تحرق اللي تبينه

أصارع ايامي  ولا طاب لي شان
واحمل من الفرقى حمولٍ سمينه

حاولت اقاوم للأسف قدر الإمكان
وادوّر اهل الود في وسط طينه

‏يا سائلٍ عن حال قلبٍ به احزان
تاهت خطاوي خطوته وسط بينه

ما عاد يروي لهفتي دمع من خان
ولا عاد يجبر كسر قلبي حنينه

طعون كفك مؤلمه فأمس والآن
لن الكفوف اللي طعنتني أمينه

لو الزمن يرجع لذكراك أو كان
يا ليتنا ننسى جروحٍ دفينه

ما زال قلبي للهوى أوفى انسان
رغم إن قسوة وقتنا مستبينه

ما غاب طيفك عن خيالي وما بان
والجرح فيني يرتجي من يعينه

‏غابت نجومٍ كانت تضيء الاكوان
عقبك غدى مالي من الوجد عينه

رحتي وباقي في خفوقي لك الحان
نبضه غدى من لوعة الشوق وينه؟

‏من يوم ما غبتي وشاعرك تعبان
غريق وامواج الشقا محتوينه

مخاوي العزله بِلا اصحاب واخوان
والخافق الملتاع يزعج ونينه

عاف المرايا ومعتكف بين جدران
من غابت الدنيا وخذت نصف دينه

ما ودي استرسل وشاعرك بطران
ما كانت انفاسك تساوي أُكسجينه

ضفرك يساوي عندي فلان وفلان
يا ضيعة إحساسي بلمسة ايدينه

ما عاد لي في دنيتي غير الاحيان
ذكرى حبيبٍ  ما أظنّ تنكرينه

ولا الوفاء في دنيتي صار بستان
ينبت غلا لو كان ما تذكرينه

عِزّك بقلبي غاليٍ ما له اثمان
يا روحٍ اغليها ولن تفقدينه

باقي معي طيفك ولو كان ما كان
ذكراك تضوي في الظلام المدينه

تبقين أصدق ما حفظته بالاوزان
وتبقى الحكايه في خفوقي رهينه

من سبّة امواج الفتن عدت خسران
يا موطني اللي كان موطن سكينه

كانت بدايتها على اطراف عمّان
لين اغرقت بارض الشمال السفينه

مناسبة القصيدة

بين يقظةِ الوجدانِ وغفوةِ النسيان، يمتدُّ خيطٌ رفيعٌ من ضياءِ الذكرى؛ هو ليس مجرد طيفٍ عابر، بل هو الوطنُ الذي استوطنَ الروحَ ثم أعلنَ الرحيل. ‏ ‏نكتبُ القصائدَ لا لنُعيدَ ما انكسر، بل لنُرممَ بالكلماتِ ما تهشّمَ في زوايا الصدر، ولنغزلَ من خيوطِ الغيابِ ثوباً يسترُ عريَ الحنين. ‏ ‏هذه الحكايةُ ليست مجرد أبياتٍ وُزنت على قوافي الحزن، بل هي شهادةُ وفاءٍ لرُوحٍ سكنتْ أقصى الوريد، ونداءٌ أخيرٌ لغيمةٍ أمطرتْ على جردِ الأيامِ فأنبتتْ في القلبِ جرحاً لا يذبلُ ولا يرحل.
© 2026 - موقع الشعر