طفل يبكي على طفله - احمد الخالدي

‏طفل يبكي على طفله
وضاع الحب وفصوله

‏توادعهم بلا موعد
وقصة حب مقتوله

‏رجع طفلٍ بلا طفله
بَنى لَه فِي الفِضا دُوله

‏بِكَت عينه على حلمه
وهُو قَفّى بمحصوله

‏تِمنّى يِلتِقِي فِيهَا
وَلو لَحظَه ومشلوله

‏غَرِيقٍ في بَحر ياسَه
وعاتي الموج ياهوله

‏طفل يبكي معه همه
وعينٍ بالأسى حوله

‏هِدَم رِيح الزّمن بِيته
وضَاع الدّرب بِوحُوله

‏نِبَت صَمته على صُوته
وعَجزت تِوصَل قْبوله

‏يشِيد القَصر مِن رَملٍ
يِهدّ الوَقت مَحصوله

‏يَعِيشُ العُمْرَ فِي حُزنه
وَخَيْلُ الحُزْنِ مَشْكُولَهْ

‏طَوَى التِّذكار بيدينه
كَمَا الأَكْفَانُ مَجْدُولَهْ

‏فَلَا خِلٌّ معه يوفي
وَعَيْنُ الوَصْلِ مَعْزُولَهْ

‏سقَاهْ السهد مِن كَاسَه
وَجَفْنُ العَيْنِ مَذْهُولَهْ

‏سرى بَه هَمّه لْدربٍ
صِعيب وياه يا طُوله

‏بِقَت في صَدرِه الغصَّه
بِإسِمّ الغَدر مَبْلوله

‏غَدى كِل الفِضا ضِيقه
وعَرْض الأرض وبِطوله

‏يِشُوف الموت في صَمته
ولِيته يوصَل قْبوله

‏تشظّى في الحَشا كونه
وضَاعت فِيه مَدلوله

‏يُحاكي الظِّل في دَربه
ويِشكي الضَّيم لِحموله

‏سَرابٍ يَطرد بوهمه
بِدربه تِاهت رجوله

‏وِقَف يِندِب عَلى اطلاله
وبَاب الوَصِل مَقفُوله

‏رِعَى غَيم الرِّجا لكِنْ
جِفَاه الغِيث بِنْزُولَه

‏طِوا بَه هَمّه الخَافي
سِنينٍ عِجزت تْنوله

‏يِدَوّر في مَلامِحْها
بقايا حِلْم منْشوله

‏رِحَل تايه جهل وينه
بِدِنيا كذب مَجبُولَه

‏كتب جرحه على رمله
ومحى هَ الموج محصوله

‏رَسَم وجهه على الجدول
بِعَتمَةِ لَيْلِ مَجهولَه

‏يموت الحرف في حَلْقه
وتِبكي الروح معلوله

‏رَحَل نِصفه مع طِفله
وبقى نِصفه بِلا دُوله

‏نِسَى كِيف الوَهم يِكذب
وآخِر حِلم بَاحُوا له

‏يِبي يِرجِع بلا بَاكر
وقَف دُونه وبِحموله

‏عَلَى بَاب الرِّجَا وَاقِف
كأن الروح مَعزُولَه

‏مع الماضي بِلا حاضر
وكل زولٍ فِدى زوله

‏يخاف انه إذا يغفّى
تجي في حلمه الغوله

‏وساعاته عقاربها
بعد غيبته مشلوله

‏رَحَلْ كِلّ الفَرَحْ مَعْهَا
وهي بالقلب محموله

‏سأَلْ عَنْهَا شجر شارع
جلسنا تحته وحوله

‏وجَاوَبْه الشِّتَا بْبَرْدَه
وَدَمْعَة عَيْن مَهْمُولَه

‏مشينا فيه وضحكنا
وكل منا رمى نعوله

‏أناظر بسمة عيونك
واقرا كل ما تقوله

‏بعد غيبتك انا جيته
بليا ذاك أو ذوله

‏وانا أذكر زمان أول
ترقيتي عن التوله

‏لِذا عذرك معك وانا
عسى دعواي مقبوله

‏فمان الله يا ذِكرى
بصَدْر الغِيم مَغسوله

‏حطامٍ يسكنه طفله
وعُمرٍ تاه مَدلوله

‏طِواها الموت في لِعبه
وقِصة حب مَقتوله

مناسبة القصيدة

‏خيال الطفولة المنسية و أطلال الحلم المقتول في مدينة الرمل ومملكة الصمت وتوقف عقارب الوجد وإغتراب الروح في مرايا الماضي بلا باكر‏، رسم على الجدول المجهول خيل الحزن المشكولة على ضفاف السراب و مسافة ما بين الروح والرحيل ، طفل يبكي على طفله. ‏"في زوايا الذاكرة الموحشة، حيث يغتال الزمنُ البراءةَ ويحول الأحلام إلى أطلالٍ صامتة، أقفُ وحيداً، أقتات على فتات الذكريات. ‏هي رحلةُ غريبٍ في فضاءٍ بلا وطن، طفلٌ أضناه الفقد، فصار ينسج من خياله مملكةً من رمل، يراقبُ فيها تهاوي العمر، وينتظرُ غيثاً لا يأتي، في نداءٍ يمزجه الأسى بصمتِ الرَّحيل. ‏‏أسيراً لسؤالٍ لا جواب له، ومكتوبةً على جدرانِ الصمتِ كخيالٍ لن يغادر ، يناجي صدى من أحبَّ في ليلٍ لا نهاية له."
© 2026 - موقع الشعر