الطفولة والحشمة - أحمد علي سليمان

عَز الطفولة غالها الإغواءُ
وتعقبَتْ إشراقها البأساءُ

واستبشعَ التقصيرُ يَهضمُ حقها
حتى دَهَتْ أنوارَها الظلماء

ما انفكتِ المُوضاتُ تُفقِدُها الحيا
والحُسنُ يَذهبُ إذ يموتُ حياء

وإذا المُرَبُّون استكانوا للهوى
عَمَّ الضياعُ ، وطمَّتِ البلواء

ومُرَبياتُ لم يَعِين رسالة
يا قوم إهمالُ النساء شَقاء

واعجبْ لمجتمع يُهينُ بناتِه
مُتعلموه وجاهلوه سواء

قتلَ الطفولة في البنات ولم يكنْ
فطِناً لِمَا يُدلِي به الأعداء

ترك العنانَ لهن في عِز الصِّبا
فنشأن حيث تُغلّبُ الأهواء

فخلعن نِصفَ ثيابهن تماهياً
مع فتنةٍ يأوي لها الخبثاء

والبعضُ منهن اسْتجبْن لمُوضةٍ
قاموسُها ما في جَواه رداء

ما البنتُ إن قلَتِ الحياءَ وثوبَها؟
أتقودُ بيتاً للحَيا شلحاء؟

وتسيرُ أمٌ بالحجاب حشيمة
فوق الثياب عباءة سوداء

وبناتها بالعُرْي جاهرْن الورى
والقصدُ مِن هذا هو الإغواء

أيَجُزنَ بحراً مَدُّه متطاولٌ؟
أيُخِيفهن لدى الجواز الماء؟

حكمُ المُقِرِّ لأمهن فثابتٌ
وتَعَيَّنَ الإنكارُ ، لا الإغضاء

لو أنهن أمِرن منذ طفولةٍ
بحجابهن لَمَا استُسِيغ الداء

ولَمَا رأيت بُنية في عُرْيها
يُغرى بها العقلاءُ والسُّفهاء

إن الطفولة بالحجاب مَصونة
فإذا تعَرَّتْ غالها الحُقراء

مِن كل مُنتفِع بتعرية النسا
لتضيعَ غاداتٌ غَوَتْ ونساء

يا ربِّ جنبنا السُّفولَ وأهله
وأبِدْهمُ ليُعَمِّرَ الصُّلحاء

مناسبة القصيدة

(كم تساءلتُ كثيراً: متى رُبِطَ العُري بالطفولة؟! ومن الذي أقنع الناس بأن الستر نقيض البراءة؟ إنه سؤالٌ بسيط في لفظه ، عظيم في دلالته. هل سيمنع الحجابُ الطفلةَ من اللعب؟ هل سيصادر ضحكتها؟ هل سيُطفئ براءتها؟ أم أن العقول المريضة هي التي لم تعد ترى الطفولة إلا من خلال كشف الجسد؟ لقد جرى بوعي أو بغير وعي تزوير معنى الطفولة ، وربطها زورًا بالتعرّي ، حتى صار الستر عند البعض تشددًا ، والحياء قمعًا ، والحجاب حرمانًا ، بينما العُري هو "الحرية والعيش الطبيعي". دعونا نتكلم بلغة الواقع لا الشعارات: المثال الأول: طفلة في الثامنة من عمرها ، أمها محجبة ، لكنها تُلبس ابنتها شورتًا فاضحًا بحجة: (ما زالت صغيرة ، ليست فتنة ، دعوها تعيش طفولتها). كبرت الطفلة ، وبلغت ، وقيل لها: الآن الحجاب واجب! فماذا كان ردها؟ رفضٌ قاطع ، نفور ، اختناق نفسي ، شعور بالضغط عند مجرد تغطية الرقبة أو الأذنين! لماذا؟ والجواب: لأنها لم تُربَّ على الستر ، بل رُبِّيت على نقيضه ، ومن شبَّ على شيءٍ شاب عليه! والمثال الثاني: فتاة في الثانية عشرة ، ظهرت عليها علامات البلوغ ، لكن الأم ترفض الحجاب ، بحجة قائلة: (دعها تعيش سنها ، تستمتع بالحياة ، لا نريدها متخلفة بين صديقاتها). فما النتيجة؟ اندفاعٌ نحو لفت الانتباه ، تضخيم للأنوثة ، سباق محموم نحو إبراز الجمال والمفاتن ، لا عن وعيٍ أو نضج ، بل عن فراغٍ وضغط اجتماعي ، ثم يتساءلون لاحقًا: كيف تغيّرت؟ كيف انجرفت؟ المثال الثالث: (والأبلغ دلالة طفلة في الثالثة من عمرها ، لم تخرج إلا لبيت جدّيها ، تربّت على القدوة ، رأت أمها في صلاتها ، في خمارها ، في حيائها ، كبرت وهي تشاهد الكرتون الإسلامي ، وتُشبَّه بأمها لا بنجمات الشاشات! وذات يوم ، جاء مُحفظ القرآن صديق العائلة ، فبادرت الطفلة تلقائيًا إلى ارتداء خمارها ، لا لأن ذلك واجبٌ شرعًا في حقها ، بل لأن القيمة زُرعت في القلب قبل أن تُفرض بالحكم! هذا اسمه: التربية ، وهذا معناه: القدوة. وهنا مربط الفرس!)
© 2026 - موقع الشعر