عاد الربيع و لم تعودي - حامد حسن معروف

هلْ تسألين - على بعا
دك - كيفَ حالُ أبي سُهيلِ ؟؟
 
رقدتْ جفونُ الهانئ
ينَ ، وضجَّ بالحسراتِ ليلي
 
جلَّ المصابُ - مصابُ قل
بي - فيكِ عن حُسنِ العزاءِ
 
هلْ تمسحنَّ على نزي
فِ جراحهِ كفُّ السماءِ ؟
 
سيَّان بعدكِ شامخا
تُ القصرِ عنديِ ، والتُّرابُ
 
ما نفعُ هذا القلبِ إنْ
ماتتْ أمانيهِ العِذابُ ؟؟
 
عشنا معاً متوحِّدي
ن على الهوى عمراً مديدا
 
والعيشُ كانَ - علی بسا
طتهِ كما شئنا – رغيدا
 
خمسونَ عاماً، أو يزي
دُ ، من المصاحبةِ النبيلهْ
 
لم يدرِ حرَّ الشَّمسِ عُص
فورانِ دارهُما خمیلهْ
 
زوجٌ كأنَّ اللهُ ربَّ
العطف، لم يبدعْ سواها
 
تحنو على بيتي ، وأط
فالي تزقُّهُما صباها
 
بالأمسِ كانَ البيتُ يط
فحُ بالحياة، وكان يزهو
 
وأنا بهِ كالطِّفلِ ، أع
ُبث في جوانبهِ ، وألهو!!
 
سارت سفينتُناو بح
رُ العمرِ مضطربٌ وهاديءْ
 
لولاكِ ضيعتُ المرا
فيءَ ، وابتعدتُ عن الشَّواطيءْ
 
الحبُّ عندي في المشا
عرِ ، والجوارحِ ، والعظامِ
 
وأراهُ ينبعُ من عيو
نكِ ، وابتسامكِ ، والكلامِ
 
كلُّ اختلافٍ كانَ أوَّ
لهُ ، وآخرهُ عتابُ
 
وأجوزُ بالخطأِ الصَّوا
بَ ، و ما تعدَّاكِ الصَّوابُ
 
إن تُرتُ أحياناً تُطا
لعني - مع العتبِ – ابتسامهْ
 
فأخفُّ معتذراً - وبي
خجلٌ - وتنقشعُ الغمامهْ
 
عشنا ، وكنتِ مدى حيا
تكِ كلَّ شيءٍ في حياتي
 
و أنا أنا حتَّى المما
تِ ، وربَّما بعدَ المماتِ
 
علَّمتني ، وأخذتُ عن
كِ رويَّةً ، و هدوءَ طبعِ
 
لو تُشفقينَ عليَّ كن
تِ تركتِ لي بصري ، وسمعي
 
وغداةَ أزمعتِ الرحي
لَ إلى دمشقَ .. إلى الطَّبيبِ
 
كانَ الوداعُ من الأكُفِّ ،
من العيونِ ، من القلوبِ !!
 
ودَّعتِني ، ومشيتِ نح
وَ البابِ مثقلةً خُطاكِ
 
ونظرتِ لاهفةً إليَّ ،
و قد تندَّت مقلتاكِ
 
ما كنتُ أعلمُ أنَّ تل
كَ النَّظرةَ الولهى نذيرَهْ
 
كانتَ تقولُ - وكنتُ أج
هلُ ما تقولُ - أنا الأخيرَهْ
 
لا تسأليني كيف قا
مت بالدُّريكيشِ القيامهْ ؟؟
 
أولم تُريها خيرَ أر
ضِ اللهِ داراً للإقامهْ ؟؟
 
الشَّعبُ يزحمُ كلَّ مُن
عطف، ويشغلُ كلَّ ساحِ
 
لو تبصرينَ وتسمعي
نَ ، هدير نازفةِ الجراحِ !!
 
الزَّاحفونَ إلى ودا
عكِ يملأونَ الدَّربَ سيْلا
 
و أنا وراءهُم ، و قد
حملوا إلى "التُّوبادِ" "ليلى"
 
ضاقتْ بهم كلُّ الدُّرو
بِ ، إلى الضَّريحِ ، و كلُّ معبرْ
 
فذكرتُ يومَ العُرسِ ... ل
كنْ كانَ عُرسُ الموتِ أكبرْ
 
وقفَ البنونَ حيالَ نع
شِ الأمِّ أربعةٌ ، و أربعْ
 
لو أنَّ ما في صدرِ وا
حدهمْ على جبلٍ تصدَّعْ !!
 
هذا ضريحكِ ؟؟ أم تلا
لٌ ، من أكاليلِ الورادِ ؟؟
 
و أظنُّ كفَّكِ راح بي
نَ الورد يبحثُ عن فؤادي
 
نامي بظلِّ السِّنديانِ ،
و عندَ هسْهَسةِ السَّواقي
 
و اللهُ يعلمُ ما لقي
تُ غد الفراقِ ، وما ألاقي
 
لم يدرِ غيرُ اللهِ ما
ألقى ، وما أخفي ، و أبدي
 
أتسافرينَ من الحيا
ةِ وحيدةً ؟؟ و أطلُّ وحدي ؟؟
 
ماذا أقولُ ؟ و لم يزُرْ
جفنيَّ طيفكِ في المنامِ ؟؟
 
و لأنتِ أرفعُ في الحيا
ةِ ، وفي المماتِ عن الملامِ
 
هل تسمحينَ بأن يزو
رَ الطَّيف أجفاني لِماما ؟؟
 
فأنا اليتيمُ ، وصارَ كلُّ
النَّاسِ في نظري يتامى
 
ما أوجعَ النَّكباتِ إنْ
نزلتْ على غیرِ انتظارِ
 
لا تعجبي إنْ رحتُ أب
حثُ في النَّهارِ عن النَّهارِ
 
يا ربَّةَ الكفِّ النَّديَّ
ةِ ، والطَّهارةِ ، والضَّميرِ
 
من يُغدقنَّ العطفَ بع
دكِ ، و الحنوَ على الفقيرِ ؟؟
 
 
تهبينَ ما تجدينَ بي
نَ يديكِ من حاجٍ ، و مالِ
 
و أحبُّهُ للهِ ما
تَهبينهُ قبلَ السُّؤالِ ...
 
أنا لا أمدُّ يديَّ بع
دَ غدٍ لأفتتحَ الخزانهْ
 
تبقى ثيابُكِ و الحليُّ
على المدى عندي أمانهْ
 
لا أعتبنَّ على الزَّما
ن ، ولست أوسعُه ملاما
 
أو لم يكُنْ أغضى، و سا
لمني مدى خمسينَ عاما ؟؟
 
لكنْ تنكَّرَ لي على
كبري ، وأرهقني ، وأشقى
 
لم يبق لي أملاً أعي
شُ لأجلهِ ، فعلامَ أبقى ؟؟
 
فإذا طغى ، و بغى ، وعر
بدَ ، واعتدى سأظلُ ساكتْ
 
و القولُ أبلغُ ما تُغي
ظُ بهِ العداةَ وأنتَ صامتْ
 
أنا في الدُّجا والبيتُ – كلُّ
البيتِ - تغمرُهُ السَّكينَهْ
 
ترتادُه الأشباحُ ، مت
عبة الخطا ، مثلي حزينهْ
 
هجرَ اللِّداتُ مع الغد
اة ، نديَّهُ ، وانفضَّ سامرْ
 
و الدَّهرُ أخرسني ، وكن
تُ - كما يقولُ النَّاسُ – شاعرْ
 
أنا في الظَّلامِ ، و غامَ في
قلبي ، و عينيَّ الضِّياءُ
 
 
هل تغضبينَ إذا سأل
تكِ : أين عدلُكِ يا سماءُ ؟؟
 
بعداً ، و سوءَ غدٍ لمنْ
ظلموكَ يا "عبدَ المعينِ"(*)
 
هل كلُّ من يشكو ظُلا
مته ، يكونُ قليلَ دينِ ؟؟
 
لو أدركوا السِّرَّ الذي
زرعته كفُّ الله فينا
 
لرأوا بأنَّا خيرُ مَنْ
في الأرض أخلاقاً ودينا
 
الحبُّ كانَ ، و ظلَّ في
نا ، كالزَّمانِ بلا حدودِ
 
ولنا إذا ما ماتَ وا
حدُنا بهِ أجرُ الشَّهيدِ
 
زرعت يمينُ الحُبَّ حَن
جرة البلابل بالغناءِ
 
وأضاءَ حتَّى في ظلا
مِ اليأس مصباحَ الرَّجاءِ
 
كانت تمثِّلُ كلَّ شيءٍ
عندَ شاعرِها " بهيرهْ "
 
كانت أميرتهُ ، أيُغ
فَرُ ذنبُ من قتلَ الأميرهْ ؟؟
 
أنا في شتاءِ العمرِ يا
" عبدَ المعينِ " أضعتُ قلبي
 
ما كانَ ذنبُك في ربي
عِ العمرِ إلَّا بعضَ ذنبي
 
كانتْ " بهيرةُ " في حيا
تكَ ، مثل " هاجرَ " في حياتي
 
واليوم بعدهما نعي
شُ على مريرِ الذِّكريات
 
يلتاعُ قلبك كلَّما
خطرتْ يتيمتُها خُزامَى
 
وأنا مضتْ عني ، وأب
قتْهمْ ثمانيةً يتامى
 
فإذا أطلَّتْ عندَ ها
دئةِ العشيَّةِ نجمتانِ
 
تتغامزانِ ، و تهمسانِ ،
وتضحكانِ و تبكيانِ
 
وإذا تنهَّدتا ، ومزَّ
قت السَّكينةَ أنَّتانِ
 
فهما هما ، وأنا و أن
تَ ، عشيقتانِ وعاشقانِ
 
سأعلِّمُ الأزواجَ كي
فَ يفتِّشونَ عن الحقيقهْ ؟
 
وأقول : جدّي آدمُ الم
سكينُ لم يخطيءُ طريقهْ
 
 
ما بالُهم يتفلسفونَ ،
ويبحثونَ عن الخطيئهْ ؟؟
 
لا تظلموا " حواءَ " أمّ
كمُ ، فأمُّكمُ بريئهْ
 
لم ندرِ لولاها ، ولو
لا حبُّها معنى الحياةِ
 
و النُّورُ نورُ الله يُش
رِقُ من قلوبِ الأمهاتِ
 
قيل : التَّأنُّقُ ، والتَّبرُّ
جُ شاهدان على الغوايهْ
 
قلنا : هما هدفٌ يرا
دُ بلوغه ، ونبيلُ غايهْ
 
والله ما اتَّشحتْ بكلِّ
حُليِّها إلَّا لنرضی
 
ما ذنبُها إنْ كانَ بع
ضُ عقولِ هذا الشَّرقِ مرضى ؟؟
 
لا تنسبنَّ لها الغوايةَ ،
أنتَ يا ابنَ أبيكَ أغوَى
 
لم تكتُبِ التَّاريخَ إلا
وفقَ ما ترضى ، و تهوَى
 
لي في ظلالِ السِّنديانِ ،
و عندَ منعطفِ السفوحِ
 
روحٌ ترفُّ على الضَّريحِ ،
لكي تعانقَ أختَ روحي
 
سأعيشُ إن طالتْ بيَ ال
أيامُ إنساناً معذَّبْ
 
و أنا الذي أجدُ العذا
بَ - عذاب ذكراها - محبَّبْ
 
وغداً إذا جاءَ الشِّتاءُ ،
سترجعينَ مع الشِّتاء
 
ما جئتِ عاصفةً ، و ل
كنْ صحوةً ، و نفيفَ ماءِ
 
وإذا الرَّبيعُ رمى عبا
ءتهُ على فيحِ الكرومِ
 
كنتِ السَّنا ، والعطرَ في
الزَّهر الفتيحِ ، وفي الكميمِ
 
وتحولُ عند الصَّيفِ رو
حُك في عصير الكرمِ خمرهْ
 
لا تعجبي أن تستحي
ل على فمي والقلب جمرهْ
 
و سترجعينَ مع الخري
فِ سحابةً تمشي الهوينى
 
وأكادُ أسمعُ همسَ صو
تكِ ، في الغمامةِ : ما نسينا
 
ماذا وراءَ القبرِ من
عدمٍ يقال : و من خلودِ ؟؟
 
أنا جاهلٌ أعمى بكلِّ
خفِّي أسرارِ الوجودِ
 
ماذا وراءَ القبرِ ؟؟ عن
دي ما أضيقُ بهِ سؤالا
 
إن رحت أنزلِهنَّ إي
ماني ، يقولُ العقلُ : لا ، لا
 
مَن راح يُنكرُ ما يُقا
لُ ، فكيفَ يُثبِتُ ما يقولُ ؟؟
 
أنحُولُ في صُوَرٍ – كما
قالوا - أنبقى ؟ أم نزولُ ؟
 
إن صحَّ أن المرءَ ير
جعُ في الطَّبيعةِ من جديدِ
 
هل ترجعين معي ، و لو
في زهرتين من الورودِ ؟؟
 
ونعودُ في الغاباتِ وش
وشةً ، و بوحاً في النَّسيمِ
 
و رجيع أغنيةٍ على
أوتارِ شلالٍ نغيمِ
أو نستحيلُ ، وقد تحلَّ
لت الحياة من القيودِ ؟؟
 
في حفنتينِ من التُّرا
ب ، وذرَّتين من الحديدِ ؟؟
 
أنا في الطَّريقِ إلى دمش
ق غداً ، يرافقُني "سُهَيْلُ"
 
و الشَّمسُ مشرقةٌ ، وملءُ
أضالعي ليلٌ ، و ويلُ
 
الويلُ مزروعٌ بكلِّ
جوارحي ، و نزيلُ قلبي
 
و اللَّيلُ مفروشٌ بأج
فاني، و ملءُ غدي، و دربي
 
لا تعجبي و أنا المُبينُ ،
إذا عجزتُ عن البيانِ
 
اللَّفظُ عاصاني ، و ضا
قت عن معانيك المعاني
 
ماذا اجترحتُ ؟ وأيُّ شا
نئةٍ أتيتُ ؟ وأيَّ ذنبِ ؟
 
و رفيق دربكِ في حيا
تكِ ، صار غير رفيقِ دربِ ؟
 
و أظنُّ أيَّام الهنا
ءِ عليَّ صارت مستحيلهْ
 
وقليلة ، وأودُّ لو
كانت أقلَّ من القليلهْ
 
 
سأذيبُ أحلامي و آ
لامي ، وأسكبها قصيدهْ
 
و أزين فيها الشِّعرَ،مع
صمهُ ، ومفرقهُ ، وجيدَهْ
 
سأحيلُ عمري يا رفي
قةَ رحلتي في العمرِ شعرا
 
يبقى على الأفواهِ ، وال
أسماع ، و التَّاريخِ ذكرى
 
وغداً أخفُّ إلى التُّرا
بِ ، لأستريحَ إلى جواركْ
 
ويكونُ داري - بعد أن
فارقتِ داري - قرب داركْ
© 2024 - موقع الشعر