لم ترهب المتسلِّطين - حامد حسن معروف

جدَثُ الأحبَّةِ في حنيَّةِ أضلعي
فإذا افتقدتُهمُ وجدتُهمُ معي
 
لم تشكُ من ظمأٍ رمالُ قبورهمْ
إلَّا لتمطرها سحائبُ أدمعي
 
يا راحلاً عنِّي وما ودَّعتهُ
أنَّى وكيفَ رحلتَ غیرَ مودَّعِ؟
 
لم تُكمل المسرى وقبلك لم أجدْ
بدراً یکونُ غروبُهُ في المطلعِ
 
ما زالَ طيفُك خاطراً في خاطري
ونغيمُ صوتك هادراً في مسمعي
 
أبدعت ما شاءَ البيانُ وكيف لا
تهبُ الحياةُ جمالها للمبدعِ؟
 
دُفَقٌ من الإلهامِ رفَّ ندیُّها
أكبادنا وأعدتها للمنبعِ
 
لم ترهب المتسلِّطينَ ولم تقلْ
يوماً بما قالوا إذا لمْ تقنعِ
 
غضبوا فلم تجزعْ ويندُرُ أن ترى
بين البرَّةِ شاعراً لم يجزعِ
 
يتبرقعون وألفُ ألف قباحةٍ
ظلَّت مخبأةَ وراءَ البُرقعِ
 
كثُر اتهامُهمُ وربَّ قضيَّةٍ
ربحَ الظَّنينُ بها وخابَ المدَّعي
 
وزرعت کلَّ دروبهم ورداً بلا
شوكٍ فكيفَ حصدتَ ما لم تزرعِ؟
 
والحظُّ ليس الحظُّ موقوفاً علی
جهل الغبيِّ ولا ذكاءِ الألمعي
 
ألزمتَ نفسك واقعَ الأمرِ الذي
ترضی به وهزأتَ بالمتوقعِ
 
والشَّامسُ الشَّرسُ العصيُّ أحلتَه
بعد الشِّماسِ إلى الذَّلولَ الطيّعِ
 
هل تذكرنَّ وما أخالُكَ ناسياً
نعمى مصيف في الشَّآمِ ومربعِ؟
 
ونديَّ ليلٍ في خمائلِ "دمَّرِ"
ليتَ الصَّباح صباحُه لم يطلعِ
 
والكأسُ أمُّ النعيماتِ مدارةٌ
والشِّعرُ بينَ مرئَّمٍ ومرجَّعِ
 
كأسٌ بها متعُ الحياةِ تجمَّعتْ
وبغيرِ هذي الكأسِ لم تتجمَّعِ
 
ذكراكَ والنُّعمى ولم يتبقَّ لي
منهنَّ إلَّا حسرةُ المتوجِّعِ
 
ما عذرُ هذا القلبِ إن عصفتْ بهِ
ذكرى أحبَّته ولم يتقطَّعِ
 
الكرم بعد رحيلِ "عزَّت" مجدبٌ
والرّوض بعد "أدیبه" لم يُمرعِ(١)
 
 
 
لي غصَّتان إذا ذكرتُهما ولي
إمَّا ذكرتُك مقلةً لم تهجعِ
 
أيُضيعنا وطنٌ رضعنا حبَّهُ؟
وهل التَّنكُّرُ من حقوقِ المُرضعِ؟
 
هذا رثاؤكَ من نزيفِ أضالعي
فخذ الكثيف من الحشاشةِ أو دَعِ
 
أنا ما ادَّعيتُ إجادةَ الشِّعرِ الذي
يرقى إليكَ وليس لي أنْ أدَّعي
 
لكنها مزقُ الفؤاد نثرتُها
في الشِّعرِ في كلماته في المقطعِ
 
في خفقِ قلبي في اختلاجةِ ريشتي
إمَّا كتبتُ وفي ارتعاشةِ إصبعي
 
ووجيبَ أنفاسٍ إذا صعّدتُها
أشعلنَ كلَّ جهنمٍ في مخدعي
 
قبَّلتُ قبركَ عاطراً ومسحتُه
واللهُ يعلمُ ما تخبِّيءُ أضلعي
 
علر النَّسیم به فأثقله الشَّدا
فانساب مُتَّئِد الخُطا لم يُسرعِ
 
والشَّمسُ تنشدُ قبلتين فقبلةً
عند المغيبِ وقبلةٌ في المطلعِ
 
والبدرُ يسكبُ نورهُ فيسيلُ من
فوقِ الَّريحِ على الجهاتِ الأربعِ
 
ما عذرُ هذا القلبِ إن عصفتْ بهِ
ذكراكُم يوماً ولم يتقطَّعِ؟
 
 
(١) إشارة إلى الشاعرين عزت بشور وأديب الطيار .
© 2024 - موقع الشعر