إنها تذكرة (المقابر تتكلم)! - أحمد علي سليمان

العمرُ يمضي ، والمنية ترقبُ
والموتُ ليس بمنذر مَن يهربُ

وسِنيّ عمرك في استباق دائم
وملائكُ الرحمن سعيَك تكتب

وأراك تضحك ، ثم تلعب عابثاً
حتى متى في وقت جدّك تلعب؟

أوَلم تشيّع للمقابر ميّتاً
لترى جلال الموت كيف يؤدب؟

أوَلم تغسّل في حياتك ميتاً
حتى تراجع ما تظن وتحسب؟

أولم تزر أجداث قوم جُندلوا
ومضوْا وفي جوف المقابر غيّبوا؟

أوَما سألت النفس أين شبابها؟
والعزم أين؟ وأين برقٌ خلب؟

أوَما اعتبرت بمن مضى مسترشداً
حتى تكف عن الهوى يا مذنب؟

أوَما نظرت إلى فراعنة الدنا؟
هل عمّر الأقوامُ ما قد خربوا؟

أوَما نظرت إلى سقيم مبتلىً
فيردك الأمر الذي هو أصعب؟

قد كنت طفلاً في مُحياه السنا
لهوَ الطفولة في الحياة يُغلّب

يختال بين رفاقة مترنماً
وعلى لحون غنائه يتقلب

تحدوه آمالٌ تُشاطره الغنا
ولها يحنّ على الدوام ويَطرب

أبداً تُداعبه الحقول فيستحي
منها ، له عِرقٌ عطيرٌ صَيّب

وكذا تُراهنه الورودُ على الحُدا
إن الحُداء - لدى القلوب - مُحبب

أما الحياة فلا يُحس بعنفها
وسِياطها مِن حوله تتلهب

فطعامُه وشرابُه قد جُهزا
والفذ يأكل ما يريد ويشرب

ولباسُه وفراشُه وأمانه
والأسرة انبسطت يتوّجها الأب

نسبٌ أصاب من الأصالة جذرها
إن الكريم إلى الأكارم يُنسب

أمٌ لها نسبٌ يُرامُ وسُؤدَدٌ
وأب له نسبٌ أعز وأنجب

وغدوتَ في ريع الشباب مُغرداً
تحنو على أرج الشباب وتحدب

وحباك ربك الاستقامة والهُدى
والدينُ أغلى ما يُراد ويُوهب

وقصدت للعلم الذي أعطاكه
ربٌ يعلم مَن له يترقب

فكتبت حتى قيل أروع كاتب
طابَ المَعينُ لذاك طاب المشرب

ودخلتَ في ساح القريض منافحاً
والصدقُ في آفاق شِعرك مذهب

ودعوت غيرك للهُدى مستبصراً
وخطبت لمّا قيل مَن ذا يخطب؟

ودرست لم تكُ مستريباً جاهلاً
والعلمُ في هذي الحياة المكسب

وإذا سئلت أجبت ترشد سائلاً
والجهلُ بالأحكام بئس الغيهب

ومضيت للعلماء تستبق الخطا
والعلم يرفع مَن يجدّ وينصب

وقضيت ردحاً من شبابك عالماً
وبكل من يأتيك كنت ترحب

واليوم في ثوب الكهولة تزدهي
ماذا يؤمل في الحياة الأشيب؟

والشيبُ قد سلب الصبا بُنيانه
والشيب فذ لوذعيٌ أدرب

لا يهزم الشيبَ العَجولَ سوى الردى
وسهامُه أبداً رياحٌ قلب

يا صاح باغتك المشيبُ ، فكن على
حذر ، فليس من الكهولة مهرب

فانس الشبيبة ، إذ تولى عهدُها
ودع الذي في شيبه يتشبب

ذهبت أمانيك العِذاب كئيبة
والعمرُ أغيارٌ تُرى وتُقلب

وضحية الآمال مَن يُصغي لها
وكلامها عما قليل يذهب

والشيبُ بالتقوى النجاة بعينها
وبدونها عارٌ يذلُ ويُعطب

والله ما صان الشباب موحدٌ
إلا وشمسُ مشيبه لا تغرب

وإذا أضاع شبابه متفلتٌ
سيُذل في غل المشيب ويُنكب

وغداً تموت ، فلن تخلد هاهنا
وتُباع دارُك ، والجواهرُ تُنهب

وتُعالج السكراتِ وحدك ، فانتبه
وترى الذي ما لم تكن تتحسب

وتذوق ما كتب المليكُ مِن الفنا
وجميعُ ما خولتَ حتماً يسلب

وعلى لظى الغمرات تصرخ عاتباً
والموت ليس بمُغفل مَن يعتب

وملائكُ الجبار روحَك تجتني
أمِروا ، فضمهمُ جميعاً مَوكب

أتراك تقوى أن تخالف أمرهم؟
أعلى الملائك يا مغفل تغضب؟

حتى إذا قبضوا الوديعة جندلتْ
أشلاءُ جسمك تستغيث وتندب

وإذا بعينَي غافل قد غارتا
وإذا السكون عن المصيبة يعرب

وإذا بقلبك قد توقف معلناً
بدء النهاية ، إنه لا يكذب

وإذا بأطرافٍ تغشاها الجوى
واللونُ يفزع ، والثنايا ترعب

وستدخل القبر البهيم عليك من
أثر الذنوب غمائمٌ لا تحجب

وتكون وحدك في التراب مُجندلاً
الدارُ أين؟ وأهلها والمَركب؟

وتكون أنت غذاءَ دودٍ يُزدرى
أتخاله من أكل لحمك يتعب؟

ومُشيّعوك عليك يُلقون الثرى
والبرزخ الأبدي قسراً يُضرب

وسينزل الملكان حتى يسألا
والأمرُ عن مجنوزنا لا يعزب

عن ربنا والدين ثم نبيه
سُؤلٌ يخر له الشجاعُ الأهيب

يا سعد مَن ربي يثبته ، فلا
ينسى ولا يهذي ولا يتذبذب

فيقول: إن الله ربي وحده
وله الفؤادُ مسبحٌ ومؤوب

والدين (إسلامٌ) أقمتُ فروضه
وحييتُ أنصر شرعه وأغلب

أما نبيي فالحبيب محمدٌ
فيقال: قبرُك في الدياجي كوكب

ولسوف تبعث في القيامة أعزلاً
أترى يُفيدك في القيامة منصب؟

الأمر أكبرُ مِن ظنونك حسرة
أتراك كنت لمثل ذاك ترتب؟

إن القيامة لن تجامل مجرماً
خدع الورى بالله ، وهْو العقرب

أترى ضميرك كان يدرك هولها؟
هل كان عقلك راشداً يستوعب؟

أم قد صُرفت عن القيامة والهُدى؟
والغِر للشهوات دوماً يُجذب

أزهدت في الأخرى لتنعم ها هنا؟
أنا مِن أمورك في الورى أتعجب

أترقعُ الدنيا بدينك لاهياً
أتعمّر الدنيا ، ودينك تخرب؟

لمَ كل هذا والحِمام يحوطنا
وشِراكه في كل وادٍ تنصب؟

شَتت فكرك ، والدروبُ تشعبتْ
والدربُ يعضل عندما يتشعب

فاذكرْ لقاء مهيمن تؤتَ الهُدى
والذكرُ ينفع مَن يزل ويُنكب

© 2023 - موقع الشعر