على يديك أتوب! (تسأل أخاها المعذرة) - أحمد علي سليمان

سَقطتُ حتى قلاني الدينُ والأدبُ
وبات دمعي - على الخدّين - ينسكبُ

وضِعتُ - في لجج الأهواء - دون حيا
ولم يزلْ شرَفي - بالرغم - ينشعب

لعبتُ بالنار ، لم أدركْ ضرواتها
حتى كواني اللظى والصعقُ واللهب

وغربلتني أراجيفٌ مزخرفة
فبتّ - مِن ثِقل الإرجاف - أضطرب

وحطمتني ألاعيبٌ بُليتُ بها
ومِن مضاربها ما كدتُ أقترب

حتى سقطتُ - على الأرجاس - هائمة
وطاب لي - في دجى سعيرها - الطرب

مَددتُ كفي إلى الأدناس ، أحسبُها
مثلَ الخِضاب بها الكُفوف تختضب

صارعتُ سيلاً من البلوى ، فأغرقني
فكان للسيل - في بلوائيَ - الغلب

دخلتُ كهف المخازي خلف من دخلوا
وفي الدياجير لبيتُ الذي طلبوا

وبُؤتُ بالعار يجري في العروق دماً
أنى اتجهتُ أراني صَيدَ مَن رَغبوا

وعدتُ أحمل رجساً ليس يغسله
ماءُ البحار ، فبئس الرجسُ والعِيَب

وما اعتبرتُ بدِينٍ كان يَعصمُني
لو أنني - بأصول الدين - أعتصب

وما ارتدعتُ بعُرفٍ لو رجعتُ له
لردّني العُرف عمن - في الخنا - رسبوا

وما احترمتُ مغاويراً أعاربَة
إلى قبيلتهم - في الدار - أنتسب

وما اتعظتُ بمن في غيّهم رتعوا
ومَن عن الخير في هذي الدنا احتجبوا

وما احتميتُ بصِيتٍ قد عُرفتُ به
لو قيل قومُك مَن؟ لقلت: هم عرب

وما احتفظتُ بأخلاق بها اتصفتْ
هذي الديارُ ، وكانت سَمتَ مَن ذهبوا

وما اشتريتُ - مِن المَزاد - عائلتي
بالبُعد عمن به كرامتي اغتصبوا

وما افتديتُ أباً ، كم كان يأمرني
بالعُرفِ ، هذا الذي على الورى يجب

وما ارعويتُ لتقليدٍ يُشرّفني
إذ لم يكن - في الذي أتيته - لبب

وما اشترعتُ بشرع لو لجأتُ له
لمَا دهاني الأذى والبأسُ والنوب

ولا أبرّرُ ما ركبتُ مِن فتن
إذ ليس للهزل قد باشرْته سبب

ولا أراني مِن العقاب ناجية
فبالعقاب يزول الشك والرّيَب

وأستحقُ الذي الإسلامُ يُوجبه
من الحُدود ، ولن يُفيدني الهرب

الحدّ - في هذه الدنيا - يُطهّرني
كما يطهّرُ - مِن أخلاطه - الذهب

مَن تستقم فستحيا في بُلهنيةٍ
وعيشُها مرتعٌ مُعشوشبٌ خصِب

ومَن تجدْ في الزنا هناءة خسرتْ
وكل فضلى - لهذا الرجس - تجتنب

وليس يَعدمُ أهلُ الخير من حجر
ليَرجموا مَن حرامَ الله ترتكب

والسوط ينظرُ مَن تزني ، ويُنذرها
عن الغواية ، والجلادُ مُرتقب

والنِطع يدعو التي تبيع عِفتها
وفي كِنانته الأسيافُ واليَلب

حتى الشريعة إن غابتْ معالمُها
فكل جُرم له يومَ الجزا كُتب

لم يمحُه الله من ديوان فاعله
فيمَ التجمّلُ والتدليسُ والكذب؟

يستنسخ الرب ما عِبادُه فعلوا
فليس شيءٌ عن الخبير يحتجب

فليفعل الناسُ ما شاءتْ ضمائرُهم
إن المليك سيُحصي كل ما ارتكبوا

وسوف يُملي لهم ، فهْو الرؤوفُ بهم
وكل عبدٍ - إلى العزيز - منقلب

والعُمرُ قد حُبستْ عنا نهايته
يا شقوة العِير مَن أهواءَهم ركبوا

أخي الحبيب أراني جَدّ تائبةٍ
عن الذنوب ، وقلبي باكياً يجب

والعينُ تبكي جوىً ، والدمعُ يُلجمها
والروحُ - مِن ألم النشيج - تنتحب

والوَجدُ يَخنقُ إحساسي وعاطفتي
وخاطري - مِن سعير اللوم - يلتهب

أبيتُ تلفحُني سِياط معصيتي
وكل معصيةٍ ختامُها الودب

والليلُ يطرقُ بابي حاملاً شجناً
حتى تراكمتِ الأشجانُ والكُرب

وكم أئنّ من العذاب يقطعُني
ومنه ما سلمتْ نفسي ولا العصب

وكم أنوح على حالي ، وأندبها
شأنَ الذين - على مصيرهم - غلبوا

وكم أؤمّلُ أن تنزاح نازلتي
فلا يُهددُني خوفٌ ولا رهب

وكم أتوقُ لغفران الذي اجترحتْ
نفسٌ إلى حِيَل الشيطان تنجذب

وكم أحِنّ إلى الطاعات ترفعُني
من الحضيض إذا ما عشتُ أحتسب

وكم أحاولُ نسيان الذي كسبتْ
يدايَ حتى طواني الهمّ والعطب

أخي أعِني على ما قد نويتُ ، ولا
تلمْ مُحطمة ، أودى بها النصبُ

عليكَ قد عُقدتْ آمالُ يائسةٍ
تجترّ كُربتها كُرهاً ، وتكتئب

وفيكَ تلتمسُ الحنانَ في زمن
طغى - على الناس - موتُ القلب والتبب

ومنكَ تطلبَ عفواً ، فيهِ نجدتها
وإنّ عفو كِرام الناس يُطلب

فأعطها فرصة للتوب خاتمة
فأنت - بعد أبي - نعم الأبُ الحَدِب

لو كان حياً أبي لمَا رجوتُك في
مُصيبتي ، إذ أبي - في النائبات – أب

أخي ندمتُ ، وهذا الدمعُ ترجمة
وليس تُفصحُ - مثلَ الدمعة - الخُطب

أراك تُعْرضُ حتى عن مناقشتي
ألم يكن بيننا - مهما جرى - نسب؟

فهل غريبيْن أصبحنا بلا صلةٍ؟
إن قلتَ: إى هكذا الإخاءُ ، فالعجب

أو قلت: لا. كيف بيّتّ الخلاصَ ضُحىً
مني بقتل أيا ذا الفارسُ الضرب؟

هل الأخوة يغدو القتلُ ديدنَها؟
أم أنها عند مَن يلهو بها لقب؟

فررتُ منكَ ، لأن الموتَ يرقُبني
وليس كالموت - في هذي الدنا - رُقُب

وأنت تسألُ عني دونما كَلَل
حتى دُللت ، وقد أودى بك التعب

وقد نويتَ هنا قتلي أيا ابن أبي
من بعد ما زالت الأستارُ والحُجُب

كنتُ اتخذتُ خِباءً لا طريق له
بين الشعاب هنا ، وما له طُنُب

وبي ظفرت ، وذا يا صاحبي قدري
فكن رحيماً له - من أخته - عتب

فربما أسكنَ العِتابُ صولةَ مَن
إذا استُثير مضى بعقله الغضب

أخي تريّثْ فِدتك الروحُ هينةً
صَوابُك الآنَ قد أباده الدأب

ستندمُ الدهرَ لو يوماً أرقت دمي
وسوف يَمقُتك الأشهادُ والغِيَب

وسوف تُسأل يوم العرض في ملأ
عن قتل نفس ، فماذا يا تُرى السبب؟

عاران: أختُك أصلٌ في حُدوثهما
عارُ التحلل معْ مَن عِرضَها سلبوا

وعارُ قتلك نفساً لستَ واليَها
فاحقنْ دماً سفكُه الدمارُ والودب

كيلا تعيّر بالعارين يا رجلاً
مندوبٌ الدعرُ ، والتقتيلُ منتدب

وألسنُ الناس - كالأسياف - ماضية
وكل رهطٍ - على الأعراض - يحترب

لا يستحي من مليك الناس أغلبُهم
والعِرض صَيدٌ ، وضُلالُ الورى عُقُب

فاربأ بنفسك عن قتلي ، وكن فطِناً
والعفوُ والصفحُ والذكرى هي القرَب

إني وعظتك ، والأنفاسُ شاهدة
متى سيهدأ قلبٌ مُحنِقٌ صخب؟

متى ستفقهُ - مِن نفسي - عزائمَها؟
متى سيشرق صبحٌ باسمٌ شنِب؟

واللهُ يقبلُ مَن تأتيه تائبة
تبكي ، ودمعُ أساها هاطلٌ سرب

ولستُ أضربُ - للرحمن - مِن مثل
فلستُ ممّن له أمثالهم ضربوا

فإنما المثلُ الأعلى لخالقنا
أقول ذلك ، يُجْلي لفظتي الأدب

فاقبلنيْ أختاً ، أتتك اليوم تائبةً
وليس يصرفُها - عن دينها - اللعب

على يديك أتوبُ اليومَ مُعلنة
أني - لعفو مليك الناس - أرتقب

وحسبيَ اللهُ فيمن لوّثوا شَرفي
وافعلْ أخَيّ الذي تهوى وتنتدب

© 2022 - موقع الشعر