عفاف في هجير الانكسار - أحمد علي سليمان

بتُ لا أخشى على دمعي الجفافْ
في هجير الذل ، في البيد العجافْ

والإباء - اليوم - صعبُ المرتقى
في حضيض الأرض ما أقسى المطاف

والعبيد البُهم صاروا سادة
ألهوا - في ساحة النوكى - إساف

كفكفِ الدمع فؤادي ، واتئدْ
واسكب الذكرى على ومض العفاف

إنما الأحرار ولى دهرهم
وئدت يا صاح أغصانٌ وِراف

قد أرادوا العز في الدنيا ، لذا
ذبحوا - في عزهم - ذبح الخراف

فانأ عن نار التردي والأسى
كنت بالأمس أبياً لا تخاف

فلماذا - اليوم - تخشى بأسهم؟
ولماذا لم تزل عنك الجفاف؟

كم رأيناك عزيزاً شامخاً
تزرع الذكرى بأعطاف الضفاف؟

وتريد العيش عزاً خالصاً
لو تلظيت بنيران الكفاف

فلماذا - اليوم - أعياك البلا؟
أين ضاعت منك أنسامٌ لِطاف؟

أيها المكبوت في نار الإبا
حولك الهلكى تعالوا كالزراف

أمعنوا في الرق دهراً ، والخنا
وتمادوْا في مهاوي الانحراف

فاكسر القيد ، ودع عنك العنا
وارجم الكبت بهاتيك الخفاف

وامض فذاً في ثنيات العُلا
واقبر الأحلام في لحدِ الخلاف

إنما الدنيا سرابٌ زائلٌ
طاب - من جنات مولانا - القِطاف

ثم حورٌ ، وزواجٌ ممتعٌ
في جنان الله ، ما أحلى الزفاف

لن تزف للمُداجي غادة
بل ، ولن يحظى بمعسول الشغاف

إن نور الفجر مذخور الهنا
فاسمُ للعليا كما يسمو الغداف

لا تخف - يوماً - سحاباً في السما
كيف يخشى الفذ إظلام الطحاف؟

واعتزل مَن اعرضوا يا صاحبي
آه لو بانت سبيلٌ للشعاف

لاستبان الدربَ مَن قد آمنوا
ولمَجّ الحر مِن فيه العِلاف

هو لا يحيا لدنيا ذلها
بات عبئاً فوق هامات الضعاف

ينصر المولى ، ولا يخشى الأذى
ويحب العيش في عِز الشظاف

لا يريد العيش ذلاً بالغنى
هو - بالتقوى - سعيدٌ ومُعاف

وله - في الحق - صولاتٌ سمتْ
رغم عَظماتٍ تلي اللحم نحاف

لفظ الإسرافِ ، لم يعبأ به
يعشق القصعة ، لا يهوى الصحاف

ساهر الليل ، ويتلو ذِكره
لفظ النوم ، وقد مج اللحاف

لكن الدرب ملئ بالأذى
وعمالات البرايا كالرعاف

ونفاق القوم أضحى طابعاً
يملأ الأجواء ، حتى والقِحاف

وغدا الظلم كتاباً فاحماً
دامع الأوراق ، حتى والغِلاف

وأجاد الناس ألا يهتدوا
أحسنوا - حول الطواغيت - الطواف

وغدا الحر ذليلاً بينهم
واستراح الكيد ، أمسى لا يخاف

رب أنت الحق أبطل سحرهم
وأذلَّ الشرك - ربي - والجفاف

© 2022 - موقع الشعر