عَزة الخير عَشْريات وُجدانية على الأبجدية 1 - أحمد علي سليمان

شفاكُمُ الله مَوْلانا ومَوْلاكم
وخففَ الله بلوانا وبلواكم

فصدِّقوا دعوتي: أجرٌ وعافية
وصابروا واصبروا تغفرْ خطاياكم

هذا ابتلاءٌ من الرحمن خالقنا
فأصلحوا كل ما تحوي نواياكم

وعند رب الورى بلاءَه احتسبوا
فكم مرضتم ، ورب الناس عافاكم

وكم شكوتم من الأوجاع أصعبها
وخالق الناس كم لبّى شكاواكم

وكم تحمّلتمُ الأسقامَ ما رحمتْ
ضعفاُ ، ورب الورى بالصبر قوّاكم

وكم صبرتم على مُرّ القضا زمناً
ومحّصَ الله – بالتصبير - تقواكم

فيم التوجّع والمولى بكم رؤفٌ؟
هذا التوجعُ يُضنينا فرُحماكم

آهاتكم تجتني أفراحَ عِيشتنا
ونسأل الله أن تزول شجواكم

جهراً دعونا ، وفي الإسرار فزعتنا
لقائل: سِرّكم عندي ونجواكم

يا عَزة الخير عاتٍ ذلك النبأ
والمُشتكى – لمليك الناس - واللجأ

ومذ سمعناه ، والقلوبُ لاعِجة
وبالنفوس أسىً يبدو ، ويختبئ

وبالعيون دموعٌ لا يُكفكِفها
تجلدٌ نتقي به ، وندّرئ

وبالخواطر أحزانٌ تجندلها
والصبرُ - من ثِقل اللأواء - يهترئ

وعَزمَتي وهنتْ ، وليس يَصقلها
جدّي ، وقد غالها الوَسواسُ والصدأ

تجاذبتْني همومٌ لا حدودَ لها
يا ليت شِعري فهل تُطوى وتُجتزئ؟

إنا لمَا أنتِ فيه اليوم في شجن
عسى سراباً وزيفاً ذلك النبأ

نهفو إلى خبر يُعيدُ فرحتنا
فلا يزلزلنا طيشٌ ، ولا خطأ

(بلقيسُ) أنت ، وهذا البيت مملكة
وكم تحنّ إلى بلقيسها (سبأ)

شفا المليك لهذا البيت (عَزته)
إنا - إليكَ إلهَ الخلق - نلتجئ

يا عَزة الخير عز العِلمُ والأدبُ
والأنسُ عز ، وعز السعدُ والطربُ

قد كنتِ فينا لهَدْي المصطفى سبباً
وبالفِراق وهى الوصالُ والسبب

فكم أقمتِ لنا للعلم من حِلق
تسرّ طالبه ، حتى خبا الطلب

وكم دعوتِ إلى الخير الألى انصرفوا
وجرّهم للشرور اللهو واللعب

وسورة الكهف في الجُمْعات ما تُليَتْ
أما الأحاديث عنها الكل قد رغبوا

وطالنا الجهلُ والتقصيرُ أجمعُنا
أبئسْ بجمع - إلى الأهواء - ينقلب

كنتِ السراجَ إذا ما خَيّمتْ ظلمٌ
ولم تحُلْ بيننا ونوركِ الحُجُب

كنتِ الأمانَ لنا في شرّ مغترب
وبعدكِ ابتلعَ الجميعَ مغترب

والأنسَ كنتِ إذا ما استوحشتْ هممٌ
ومُذ رحلتِ رأيتُ الجمعَ ينتحب

عساكِ أدركتِ ما نحياه من كُرَب
عسى تُفارقنا الأناتُ والكُرَب

يا عزة الخير إني لستُ أفتئتُ
وليس - في كل ما نظمته - نكتُ

فيم انقطاعُكِ عن وصل يُمَتعنا؟
فهل يسرّكِ أحبابٌ إذا انكبتوا؟

أما تفكرتِ في أحوال (فاطمةٍ)
يكادُ يقتلها - في الغربة - العنت؟

أما تساءلتِ هل في عيشها انتظمتْ؟
وهل - إلى كل ما نوصيه - تلتفت؟

أما تساءلتِ عن أبنائكِ احتملوا
مُرّ افتراقكِ؟ أم لطيفكِ التفتوا؟

أما تساءلتِ هل نأوي لمصلحةٍ؟
أم نحن نحو الهوى والهزل ننفلت؟

أما تساءلتِ من يزورُ ضيعتنا
ويحتفي بأناس بالجوى كُبتوا؟

لم يأتِ آتٍ يُسَليهم ويُضحِكهم
حتى تناسَوْا صُوى الكِرام إذ سكتوا

في غربةٍ سلبتْ فحوى سعادتهم
فعاينوا كُنهها ، لذاك قد بُهتوا

فعلليهم بوصل يَطربون له
ويُفحمون الذي عليكِ يفتئت

يا عَزة الخير غالى دربُكِ الوعِثُ
ولم يعد بنوى الأحباب يكترثُ

والشوقُ أوقدَ - في القلوب - جَذوته
والوجدُ أمسى - من الضرام - ينبعث

كلٌ يرى فيكِ آمالاً يتوقُ لها
ولو تحقق - من مجموعها - الثلث

وكم تعرقلنا الأحداث جارية
وكل يوم له - في دارنا - حدث

يا ليت شعري إذا عيناكِ أبصرتا
عيشاً يُصارعُه المَلال والعبث

أين الأمومة – بالتحنان - تغمرُنا
وبيتنا دونها كأنه الجَدث

أين الأمومة تُهدي الطفلَ فرحتهم
إن زايلوا البيت ، أو في أمّه مكثوا؟

أين الأمومة لم نشهد لها أثراً؟
أين الأمومة فيها الخيرُ يبتعث؟

أين الأمومة بالألطاف تشملنا
تضمّ طِفلاً - إلى وئامها - لهثوا؟

والناسُ - من حولنا - لا يأنسون بنا
هُمُ كالخبائث ، تسعى حولها خبُث

يا عَزة الخير شهرٌ غِبتهِ حِجَجُ
ودارنا حلّ فيها التيهُ والدلجُ

وأهلها - في دروب الخير - ما ارتحلوا
وصابروا ، ريثما يأتيهمُ الفرج

إن غِبتِ عنا ، ففي الوجدان صورتكم
ونحن - بالسيرة العصماء - نبتهج

في كل ركن نرى ذِكراكِ ماثلة
وللوصايا - بها - عطرٌ له أرج

نراكِ في الثوب ، ما انفكتْ أساورُه
وإن علا فوقه الترابُ والرهج

نراكِ آمرة فينا ، وناهية
وليست النفسُ - مما قلتِ - تعتلج

وتسألين أناساً عندنا دخلوا
وتسألين الألى - من بيتنا - خرجوا

ولا تمرّ أمورٌ دون غربلةٍ
وإن تمحّك بعضُ القوم ، وانزعجوا

نراكِ - في مطبخ - تاهتْ بشاشتُه
ولم يعد - في مسمّى الطبخ - يندرج

تناثرتْ فيه أطباق وأطعمة
طغى عليها - به - الفسادُ والخمَج

يا عزة الخير بُشرى بعدها فرَحُ
أنْ لا يصيبك مكروهٌ ولا ترَحُ

وأن نراكِ كمثل الشمس ساطعة
أمّا أشعتها فاليُسرُ والمنح

وأن نراكِ بلا سُقم ولا مرض
في عِيشةٍ ملؤها الهناءُ والمَرح

وأن نراكِ وقد جاوزتِ مرحلة
من الرزايا ، فنستقوي وننفتح

كم طاردتْك هنا إذ أصبحتْ شبحاً
واليومَ زال العنا لما قضى الشبح

وأن نراكِ - على الشفاه - بسمتها
والثغر تغمرُه النكات والمِزح

وأن نراكِ بوجهٍ ناضر غردٍ
وصدر مؤمنةٍ باليُمن منشرح

وأن نراكِ كمثل الصبح مسفرة
نمسي على نوره الزاهي ، ونصطبح

وأن نراكِ بأثواب مزركشةٍ
وفوقها حُجُبٌ من فوقها وُشُح

وأن نراكِ هنا بخير عافيةٍ
وعِيشةٍ يعتلي سفينها الفرَح

يا عزة الخير أبنائي هنا اصطرخوا
أني جهرتُ بقول شابه الوسخ

فقلتُ: كلا ، فإن القول متزنٌ
ونصه بكلام الله مرتسخ

وما تجاوزتُ في حق التي رحلتْ
وقبلَ كَوْني حليلاً ، إنني لأخ

فعنفوني بألفاظٍ تفيضُ جفا
وفي سعير خِلافاتي لقد نفخوا

كأنني لستُ - في هذا الجدال - أباً
إذ بعضهم هزئوا ، وبعضهم صرخوا

ماذا فعلتُ لكي يُزروا بمَغضبتي؟
سُقيا لأبناءَ - مِن أبُوّتي - انسلخوا

عليكِ أعتبُ أنْ أهملتِ نصحَهمُ
إن الجميع إذا ناصحتِهم رضخوا

قولي: أبوكم له - شرعاً - مكانته
ولا يجوز بأن تلووا ، وتصطرخوا

وعقدُ إمرته لا شيء يفسخه
مَن هؤلاء الألى - لعقده – فسخوا؟

مازال يدأبُ - في الدنيا - لرفعتكم
أنتم شبابٌ ، وهذا جيله شُيُخ

يا عزة الخير آذاني الألى انتقدوا
وبالنقائض والمثالب انفردوا

يقول قائلهم إذ ساق أسئلة
قوامُها الحقدُ والتشويهُ والحسد

يقول: هل تدّعي جهراً محبتها؟
أجبْ ، ويسمعك المهيمنُ الصمد

وهل تُقدّر مجهوداً تقومُ به؟
كي يَسعد الزوجُ في الحياة والولد

وهل تريدُ لها دوامَ عِشرتها
زوجاً تُحبك يُقري عيشَها الرغد؟

أم أنت تكرهها ، ولا تُكِنّ لها
حباً به تذهب الأوجاعُ والعُقد؟

لا غرْوَ قلها لنا ، بلا مواربةٍ
كي يستريح الألى لاموك ، وانتقدوا

إن شئت ألجمتهم بقول: أكرهها
إن كنت تأمل أن ينأوْا ، ويبتعدوا

قلها ، وأجرُك موفورٌ ومدّخرٌ
إن الشهيد – عليك - الواحدُ الأحد

فقلتُ: فلتسألوها عن علاقتنا
إذ ليس ينقصها عقلٌ ، ولا رَشَد

يا عزة الخير أين النصرُ والنقذ
من جوقةٍ قلبوا القرار ، واتخذوا؟

عليكِ هنتُ ، وهانتْ سُمعتي تبعاً
وصرتُ نهباً لمن عابوا ومن نبذوا

لم يُحسنوا الظن في الأقوال بُحتُ بها
بل أوّلوا القول والأسيافَ قد شحذوا

شتان بيني وبين السارقين غدي
لا يستوي الليث في الميزان والجرذ

قولي الحقيقة ، لا تخشي تطاوُلهم
ولا تخافي من الحِذر الذي أخذوا

إني أحبكِ ، والأحوالُ تشهد لي
مهما تطاولَ مَن مشاعري جبذوا

إني أحبكِ ، والماضي يُسجلها
حقيقة لم تعد تُطوَى وتُنتبذ

إني أحبكِ ، مهما قِيل يكرهها
وإن دهاني الشقا والخذلُ والعَوَذ

إني أحبكِ ، مهما شكّكتْ فِئة
مما افترتْه سيأتي الفوز والنقد

وسائلي كل من أنجبتِ من ولدٍ
لقد يخصّك – بالحقيقة - الفلذ

يا عزة الخير أهل العذل قد مكروا
وأنتِ أعلمُ بالكيد الذي نذروا

فآذريني على إخماد فتنتهم
فلا يكون الذي عليه كم سهروا

ويشهدُ الله أني في محبتكم
دوماً أضحّي ، أنا إليكِ مفتقر

أحبّ فيكِ التزاماً صادقاً وتُقىً
ودمعَ عين همى يراه مقتدر

أحبّ فيكِ رداءً سابغاً تفِلاً
من فوقه وُضعتْ وفق الهُدى خُمُر

أحبّ فيك خشوعاً لا يُضارعُه
خشوعُ قوم بما هم فرّطوا اعتبروا

أحبّ فيك قناعاتٍ يُدعّمُها
نورٌ من الوحي في طيّاته العِبَر

أحبّ فيكِ ذكاءً ليس ينقصه
فراسة ليس تُبقي الحدسَ ، أو تذر

أحبّ فيكِ عفافَ النفس تصحبه
شرافة قد قلاها اللؤمُ والدّبَر

أحبّ فيكِ تدابيرَ الأمور إذا
ما احلولكتْ ظلمٌ ، أو داهم الخطر

يا عزة الخير عز الشعرُ والرجز
ونازعتْني ذكائي الآهُ واللغز

وأنتِ أغلى من القريض أنظِمُه
وإن أكن في بُعيض الوقت أرتجز

أنتِ الحياة ، وإن أزمعتِ راحلة
والعيشُ يسقم إن أودى به العلز

والشعرُ أنتِ بما يحويه من صور
فإن عييتِ فماذا تحمل الصور؟

هل تذكرين عقود الشعر أربعة
وعبرها كنتُ في رؤياكِ أرتجز

أصغِي إلى نقدكِ الدقيق في شغفٍ
فهذه فرَصٌ تُسبى وتُنتهز

فكم أشرتِ برأي طاب رونقه
وصائبُ الرأي يُسبى ثم يُكتنز

وبات عندكِ إلمامٌ وتجربة
شأن العماليق - في أشعارنا - برزوا

وما اشتكيتِ طويل الشعر ، أو هزجاً
ولا اشتكى منكِ كامله ولا الرجز

وما مللتِ من الأشعار أنشدها
ولم يَمَلّكِ صَدرٌ فيه أو عَجُز

يا عزة الخير شعري اليومَ مبتئسُ
إذ جُل ما قلتُ في القِرطاس محتبسُ

وأنتِ أهملتِ ما أنشدتُ عامدة
فصرتُ نقاديَ الأفذاذ ألتمس

إني لأسألُ من تُصغي لمسألتي
أراكِ أنسيته ، مثل الذين نسوا

أين انتقادُكِ للأشعار أكتبها؟
وأين عقلٌ حصيفٌ نابهٌ مَرِس؟

أين اصطفاؤكِ للأبيات في ملأ
تُلقى فتُطربُ من يهوى ويأتنس؟

لذا وعيتِ من الأشعار أعذبها
ولم يكن جَرْسُها عليكِ يلتبس

وكنتِ باهيتِ بالأشعار مَن جهلوا
قدْري ، وقلتِ قصيدُ زوجيَ القبس

وكنتِ عوناً بما تُبدين من زبَدٍ
في ظِلها تُبتنى في شِعريَ الأسس

وكنتِ ناصحة تُزجي نصيحتها
فبورك النصحُ والإرشادُ والنفس

أنا المَدينُ بأبياتٍ بأكملها
ولا أراها مدى الأيام تندرس

يا عزة الخير أبنائي هنا دُهشوا
لمّا جهرتُ بحبي انتابهم دهشُ

صارحتهم إنما حبي لها قدرٌ
من المليك به الفؤادُ ينتعش

والله يعلمُ قلبي كم يُكِنّ لها
من الوداد صفا ، فما به غبش

لكنما سُنة الخلاف باقية
ونحن دوماً على الآراء نحتمش

نرغي ونزبد إن نِيلتْ شريعتنا
وقد يؤجّجُ نارَ الفتنة الوبش

كم من رعاع جَنَوْا على علاقتنا
وأشعلوا بيننا الخلافَ ، واحترشوا

ما بين قوم على تدميرنا اتفقوا
وبعد نقمتهم قبورَنا نبشوا

وآخرين على العدوان قد جُبلوا
يا رب إن شِيك أغلبهم فلا انتقشوا

تعمّدوا أن يخطوا درب خيبتنا
وعِرضنا انتهكوا ، ولحمنا نهشوا

حاكوا الدسائسَ في سِر وفي عَلن
وإفكُهم رغم أنفِ الكل مُنتفش

يا عزة الخير جافي كل من حرصوا
على الخلافات تأتي بعدها الغصصُ

واستقبلي أمركِ الدنيا ستُهلكُنا
فاز الألى من حظوظ النفس قد خلصوا

أما نظرتِ لها تُعلي الألى سَفلوا
وآخرين - على أعقابهم - نكصوا

أما تفرّستِ في قوم بها افتتنوا
وكلما عاينوا فريسة ، قنصوا

لذا استكانوا لدنياهم وزخرفها
ولم يُصِبهم بها ضِيقٌ ولا نغص

ولستِ منهم ، فإن الحرص مُهلكهم
والزهدُ طابعُ من على الهُدى حرصوا

أعيذكِ اليوم من دنيا لنا قلبتْ
ظهر المِجَنّ ، فأضحى الحق يختبص

فلا تبوحي لنا برخصةٍ وهنتْ
خذي العزائمَ ، ماذا تنفعُ الرخص؟

وخففي اللومَ ، إن النفس تمقتُه
إنْ لم تحنْ لدفاع الشبهة الفرَص

ومَن علمتِ بلا وزر ومعصيةٍ
وكل عبدٍ له - من الخَطا - حِصَص

يا عزة الخير بعضُ العِترة امتعضوا
مني ، وعهدي كما ترين قد نقضوا

ولم أقصّرْ ، ولكنْ ضِيق ذات يدي
وحسنُ ظني الذي كم عشتُ أفترض

أوهى قوايَ فلم أهنأ بمقربةٍ
لمّا أسُدّ لها ما كنتُ أقترض

أنا الذي كنتُ أجزلتُ العطاء لها
وكلما طلبتْ ما كنتُ أعترض

وكنتُ رُوجعتُ في بذلي ومكرُمتي
فعِبتُ من راجعوا وعبتُ من رفضوا

وعشت أخلِصُ ، لم أبخلْ بعارفةٍ
لله بذلي ، فلا دنيا ولا غرض

ثم استدار ليَ الزمانُ ، فانحسرتْ
يدُ العطاء ، وجا دورُ الألى قبضوا

فعاقبوني على جودي ، وما رحموا
ضعفي ، ومالهمُ عليّ ما عرضوا

وعايروني بما كنتُ ابتليتُ به
فقلتُ: كُفوا عن التعيير ، فامتعضوا

بئس القرابة لا أخلاق تحكمُها
وفي سِواها مِن الأباعد العِوَض

يا عزة الخير عمّ الجهلُ واللغط
وقلّ قومٌ بهدْي المصطفى ارتبطوا

والدينُ أمسى غريباً في مرابعنا
وأغلبُ الناس – بالكبائر - اغتبطوا

وأصبح الحق مَبغوضاً ومُنتبذاً
من الخلائق في أهوائهم خبطوا

والسنة اليوم تلقى مَن يُبَدِّعُها
وفي الأناسيّ مَن بالبدعة اعتبطوا

ولى زمانٌ به ازدهتْ شريعتنا
وحلّ عهدٌ به يَستأسد الشرَط

وهم ورب الورى شرٌ مخالطة
وضلّ قومٌ بفرد منهمُ اختلطوا

لا يعرفون لهم ديناً ولا رَشَداً
إذ في الضلالة والكفران قد سقطوا

لا يُدركون من الإسلام خردلة
وفي التعنت والسوآى لهم خطط

إلا قليلاً عُرى إيمانهم كتموا
ولم يُبالوا بقوم بينهم قسطوا

أما الضحايا فهم أبناءُ جلدتنا
الصالحون همُ ، والأمة الوسط

يا عزة الخير إن الفذ يتعظ
من الذين هُدى الإسلام قد لفظوا

إن الثبات على الإسلام منقبة
يحظى بها المسلم المسترشدُ اليقظ

والناسُ أعداءُ من دعا جحافلهم
للحق فيهم ، فكم يهدي وكم يعظ

كم أقسموا أن يتوبوا عن كبائرهم
فهل جموع الورى أيمانهم حفظوا؟

وكم تشبّه من سادوا بمن رحلوا
فما استكانوا ، وما فاؤوا لما وعِظوا

برغم أن دعاة الخير ما انفعلوا
وما اعترى صَدْعَهم زجرٌ ، ولا غِلظ

وبعضهم ناوأ الدعاة في صلفٍ
مستهجناً قولهم ، وبعضهم لمظوا

وعمّتِ القومَ فوضى تعتلي شُبَهاً
وغرّهم جهلهم ، يا ليتهم لحظوا

وزاحمت بدعة الإرجاء عِليتهم
وأنذروا ، وذوو الأوهام ما اتعظوا

أواهُ كم تقتلُ الدنيا أعابدَها
مِن الذين - بأخذ الحِذر- ما احتفظوا

يا عزة الخير عمّتِ دارنا البدعُ
وغاص في لجج الأوحال مجتمعُ

والمحدثات غزتْ أرحابَ ضيعتنا
وأصبحت سَنناً تُرجى وتُتبع

وللضلالات شأنٌ عز جانبه
وأغلبُ الناس في دروبها اندفعوا

وشِرعة الغاب سادت في غِياب تُقىً
واليوم كشّر عن أنيابه السبُع

ماذا هنالك؟ قالوا: أمة تركتْ
دينَ الإله ، فعمّتْ أرضَها البدع

وحاربت أولياءَ الله في شُبَهٍ
وسالمتْ زمراً تطغى وتبتدع

وهدمتْ دور أقوام بلا سبب
وأهرقتْ دم مَن لربهم ركعوا

ومارستْ سُنة الإرهاب تُتقنها
وأحرقتْ عُزلاً في الساحة اجتمعوا

لم ترحم الطفل في أحضان والدةٍ
بل غاله حقدُها المروّعُ البشع

فأخر الله نصراً كان يرصدُها
إذ أهلها بابَ حرب الله قد قرعوا

يا عزة الخير أهلُ السوء قد بلغوا
حداً خطيراً وفي سحق الورى نبغوا

وأشربتْ ظلمَها الجموعُ مُكرهة
والظالمون لما يُزري بهم فزعوا

تستهجنُ العِيرُ ما قالوا وما فعلوا
وتستجيرُ من السوآى بها اصطبغوا

غدا الحرامُ حلالاً ، والصوابُ خطا
ومنتهى ظلمهم للناس قد بلغوا

ونفذوا كل ما أعداؤنا رسموا
والعيشُ زاحمه الفسادُ والوَتغ

وراهنوا في الدنا على مذلتنا
وفي مَعين تسامينا لقد ولغوا

وعَقدوا عِيشة ما كان أيسرَها
فهل شياطين إنس بيننا نزغوا؟

ويُوأد العيشُ إما أمِّرَ السفها
مِن العُتاة بألوان الهوى صبغوا

لا يُدركون مِن التأمير جَوهره
وإن يقولوا فأطفالٌ بهم لثغ

وهل حياة إذا ما ساد من هزلوا؟
وهل بخير أسُودٌ أمّهم وَزغ؟

يا عزة الخير أمسى الطفلُ يُختطفُ
في عالم بغياب الأمن يُتصفُ

إذ يُسرَقُ الطفلُ كي يُباعُ تجزئة
كما يُباعُ متاعُ البيت والتحف

في قريةٍ بطرتْ عمداً معيشتها
وفي مرابعها الإجرامُ يُحترف

فلم تعدْ قِيَمٌ فيها ، ولا مُثلٌ
وأهلها جُلهم بالجور ما اعترفوا

أمسى الأطباء جَزارين تحسبهم
لمّا تعدْ مهنٌ لهم ولا وُظف

إلا التجارة في الأعضاء في وطن
إلى الضلالة والإجحاف ينجرف

طغاتُه جرّعوه الكيدَ عن رَغم
ولم يعد عن ديار الكفر يختلف

بل قد غدا عنهمُ أضلّ مَرتبة
إذ حققوا العدلَ ما جاروا ولا احتلفوا

لذا تفيّأ محكومٌ وحاكمُه
ظِلالَ عدل ، فما هانوا وما ضعفوا

ودولة العدل تبقى الدهرَ صامدة
ودولة الظلم يطوي بأسَها الجَنَف

يا عزة الخير أصحابي لقد سبقوا
إلى القبور ، وأعدائي العُتاة بقوا

وحُزنُ قلبي على الأحباب يقهرني
طواهمُ الموتُ واستحيا الذين شقوا

وحِكمة الله في الحالين بالغة
ونحن فيما قضى إلهنا نثق

يبقى فراقي لهم طيفاً أضيق به
ذرعاً مريراً ، له الأعصابُ تحترق

وكلما جاءني نعيٌ رثيتُ له
وانتابني الوجدُ والإيجاعُ والقلق

أن يأتيَ الدورُ مأموراً ليحصدني
هذا قضاءٌ – على الأحياء – ينطبق

لكنْ أموتُ ، وأشعاري تموتُ معي
هل بعد وصل بها يحينُ مفترق؟

ولا تلاقي الذي يهوى قراءتها
وقد تمزق هل تطالعُ الِلزق؟

يا ليت شِعري إذا ناح القريضُ على
رحيل صاحبه وضُيّقَ الأفق

وشَيَّع الشعرُ جُثماني بفرط جوى
ودمعُ عينيه مثلُ السيل يندفق

يا عزة الخير أمسى الشعرُ يرتبكُ
أن الرفاق الألى يهوونه هلكوا

فأين للشعر (شربينيّ) رفقتنا؟
وأين للشعر (حُسنيْ) الناقدُ المَحِك؟

وأين للشعر (بغداديُّ) صُحبتنا؟
وأين للشعر (إسماعيلُ) يشترك؟

وأين للشعر (عدنانٌ) بما سطرتْ
يدُ القريض تحاكي شعر من سَبكوا؟

وأين (سالمُ) للأشعار ينقدها
نقداً به يذهبُ الإبهامُ والخلل؟

وأين لي ك (أبي عبد الوهّاب) أخاً)
يهدي الطريق إذا ما استشكلتْ طرق؟

وأين لي كأخي (المتوكّل) اكتملتْ
رؤاه في الشعر كالأفذاذ الألى حبكوا؟

وأين (خالدُ) للأشعار أنشدها؟
حسِبته لأداة النقد يمتلك

كانوا جميعاً أساطيناً أتيهُ بهم
وكل فردٍ - إذا ما جئته - ملك

لكنهم رَحلوا ، والشعرُ يَذكرُهم
ويَذكر النفعَ والخيرَ الذي تركوا

يا عزة الخير والذكرى لها طللُ
بوالديَّ ووالديكِ يتصلُ

إذ مات من مات لم أشهد جنازته
ولم أشيّعْ ، ولم ألحق بمن حملوا

ولم أعز كما عزى الألى حضروا
كما قضى شرعُنا والعُرفُ والمُثل

فقال قومٌ: يُرى قد باعَ عِشرته
وقال قومٌ: عن الأحباب مُشتغل

وقال قومٌ: غدتْ دنياه قِبلته
يبشّ إن أقبلتْ ، وبعدُ يحتفل

ويشهدُ الله لم أبعْ مَودة مَن
بهم تبلغتُ ، حتى كان لي أمل

وما انشغلتُ عن الأحباب ، بل قدرٌ
أفضى إلى غربةٍ مُصابُها جَلل

وما احتفلتُ بدنيا ، أو بششتُ لها
وذات يوم أنا عنها سأرتحل

وما غدتْ قِبلتي دنيا ابتُليتُ بها
هذي وربي – على التحقيق - معتقل

ليغفر الله تقصيراً رُميتُ به
وكم بهذا الدعاء الفذ أبتهل

يا عزة الخير حامت حوليَ التهمُ
كأنني لم أعشْ بالدين ألتزمُ

وكم أسوقُ من التبرير ملتمساً
عفوَ القضاة الألى عليّ قد حكموا

أقول: ساحة أهلينا لقد برئتْ
والعيبُ في الدار إذ حلتْ بها النقم

غزا الديارَ طغاة لا خلاق لهم
والله منتقمٌ من الألى ظلموا

فأصبحت عودتي للدار معجزة
حتى تُزايلها الداءاتُ والإزم

أعودُ رافعَ رأس لا أطأطئها
إلا لرب به في الكرب أعتصم

أعودُ أصنعُ مجداً عِشتُ أحرُسُه
مِن الضياع ، فلا يُودِي به العدم

أعودُ أكملها مسيرة بُدئتْ
مِن أربعين مَداها الطِرسُ والقلم

أعودُ أنشرُ شِعراً قلَّ ناشرُه
لأن زبدته الأخلاقُ والشيَم

أعودُ أحملُ أفكاري لعاشقها
حتى تُغرّد في أصقاعنا القِيَم

يا عزة الخير تقوى الله والسننُ
حبلُ النجاة لنا إن سادتِ الفِتنُ

فاستمسكي بعُرى التوحيد ، واتبعي
هُدى النبي إذا عمّ الورى دخن

واسترجعي دائماً في كل نائبةٍ
وحوقلي ريثما تُطوَى لنا المِحن

وراجعي النفسَ في كل الأمور ، فلا
تعصي المليك ، ولا يحلو لها الوَهن

وادعي الإله إذا مَسَّتكِ نازلة
فليس تبقى إذا طال الدعا إحن

إياكِ أن تركني إلى الألى ظلموا
خاب العباد لعاتٍ ظالم ركنوا

واستكثري من فِعال الخير أجمعها
إن الثواب بفعل الخير مُقترن

وأحسني الظن بي ، إما أتى خبرٌ
إني - بما يفتري الوشاة - ممتحن

أراكِ أكبرَ من قوم بنا مكروا
سِرِّي لديكِ ، وطبعاً عندكِ العلن

فبادليني شعوراً عشتُ أبذله
حتى يزول أسىً في القلب محتقن

يا عزة الخير لا يَغررْكِ من سفهوا
مِن الذين إلى الضلالة انتبهوا

ضلوا الطريق إلى الرشاد ، فانحرفوا
واستعذبوا السوء يُزكي نارَه البَله

وحاربوا الحق حرباً نارُها استعرتْ
وقودُها القهرُ والتضليلُ والعَمَه

عليكِ بالحق مهما كان مغترباً
وصاحبي القومَ دينَ الله قد فقِهوا

همُ السبيلُ لنيل الخلد جائزة
عاشوا وكان لهم بربهم وَله

وأن أهل التقى خيرٌ مُلازمة
إذ لم يعكّر صفا إيمانهم شُبَه

هم قد أحلوا الذي أحلّ خالقهم
وللحنيفة - في تشريعها - أبهوا

وحرّموا كل ما المليكُ حرّمه
وزايلوا الناسَ في تفكيرهم سفه

وغلبوا الزهدَ في الدنيا وزخرفها
فلم يكن لفتىً منهم بها شَره

بل جُلهم عملوا فيها لآخرةٍ
شأن التقاة - إلى نجاتهم - نبهوا

يا عزة الخير لا يلعبْ بك الزهوُ
ولا يُمِلكِ عن المثوبة اللهو

جدّي كما جدّ أسلافٌ لنا سلفوا
وطاب عيشٌ صُواهُ الودّ والصفو

وأسّ دِينهمُ حُبٌ لفاطرهم
والخوفُ منه ، وأسٌ بعده الرجو

تخوّلي القلبَ بالتذكير تبصرة
جهراً إذا استشكل الإسرار والنجو

وناصحي الأهلَ ، لا ترضَيْ ترهلهم
أودى بهم جهلهم والصد والغفو

وعلميهم من القريض أعذبه
ولا يكنْ صارفاً عن ذلك النحو

ونظمي حلقاتِ العلم تُتحفهم
حتى يزول ردئُ القول واللهو

ولقنيهم أصولَ العِلم دون هوى
حتى يُزينَ بالحقائق الجو

لا تكتمي العِلم يحتاجُ الجهولُ له
حتى يكون له بين الورى شأو

وسامحي مَن نأى حيناً بجانبه
زينُ النساء العطا والجودُ والعفو

يا عزة الخير أوهى ظبيتي الجريُ
ومِن تتبُعِها ترهل الظبي

أعيته همته عن اللحاق بها
فهدّه الوهمُ والإيلامُ واللأي

وزادها الناسُ مِن عيونهم حسداً
حتى طواهم أذى العيون والعي

لم يرحموا غربة أدمت كرامتها
وزاد ضنك الحياة الظلمُ والبغي

فكابدتْ ظبية في عيشها شَظفاً
والسيرُ أنهكها ، وقبله الجري

في الأربعين وتستجدي تحمّلها
إذ ليس يُسعفها عدْوٌ ولا مشي

في عِيشةٍ قلبتْ ظهرَ المِجَنِّ لها
وغربة هي عن أوطانها نفي

وتحت إمرتها الظبياتُ طيّعة
واليومَ لمّا يعدْ أمرٌ ولا نهي

دَهى السقامُ بلا رفق شَبيبتها
والطبُ ما عنده لبُرئها هَدْي

فلتصبري ظبيتي في مُرّ مُعترك
مهما حلا للظبا مِن حولكِ الرعي

يا عزة الخير حرّكتِ الجوى فينا
وبات سُقمكِ آلاماً تعنينا

شفاكِ ربكِ يا نبراسُ أسرتنا
أمنية تلك من أغلى أمانينا

آهاتكِ اليوم من آهاتنا انبثقتْ
ونارُ جرحكِ رغم الأنف تكوينا

هذي الشرايينُ لو تدري مُصيبتنا
لقاومتْ ، واتقتْ رب السما فينا

وقلبكِ الغضّ يُضنينا توجّعه
شفاه رب البرايا ، والشرايينا

وعُدتِ سالمة من كل مُوجعةٍ
فلا تُعانين مما عشته حِينا

وبُؤتِ بالخير يجلو ما ابتُليتِ به
حتى نقدِّم مِن أزكى تهانينا

حتى نراكِ هنا في خير عافيةٍ
تستوعبُ الدينَ والحياة والدينا

كي تنعمي بحياةٍ كلها رَغدٌ
يكون طابعُها التيسييرَ واللينا

وأختِمُ الخاطراتِ الغيد منتظراً
رضاكِ عنهنّ ، قلبي قال: آمينا

© 2022 - موقع الشعر