حنين القلم ومسئولية الكاتب! (تحية لمجلة الأسرة) - أحمد علي سليمان

نورٌ توشَّح بالأخلاق والقِيم
وغادةٌ حُسْنُهَا - عَن السفورِ - عَمِي

بدرٌ تَألَّقَ في الظلماءِ مُلْتَحِفًا
بالعلم والأدب الرَّفيعِ والشِّيَمِ

والشمس من كبِدِ الجوزاء قد هبطتْ
على القراطيس في عزٍّ وفي شَممِ

والعطرُ فاحَ - من الأوراق - رونقُه
يُزيل ما في إباءِ النَّفسِ من سأمِ

فَخْرُ الصَّحَافةِ إنْ عزَّ العَطَاءُ بها
وخيرُ ما خُطَّ في الديار بالقلمِ

ونهرُ جُودٍ به الخيرات عامرةٌ
ودربُ رشْدٍ خلا حقًّاً من التهمِ

مجلةٌ جَمعتْ من كل بارقةٍ
وحصَّنتْ نفسها بالمنهج اللَّقِمِ

حِيزَ البيانُ لها ، فبات طابعَها
وجاهدتْ ، واحتمتْ بنوره التممِ

وحازتِ السبق في ريفٍ وحاضرةٍ
بالحق والخير ، لا بالوزر والأَثَمِ

ورَفْرَفَ المجدُ جزلاناً بطلعتها
لأنها ادَّرعَتْ بالشرعِ والقِيمِ

ولا أكاد أرى أخرى تُنافسُها
إلا «الشقائق» ذات الوعي والحِكَمِ

الأسرةُ اليومَ في أسمى مكانتها
ودربُها - في البرايا - غيرُ مُنْبهِمِ

تُنافحُ الدهرَ عن دينٍ يُراد له
ألاَّ يكون سوى في التيهِ والعَدَمِ

تَصدُّ عنه ، ولا تخشى الأُلَى فَسَقُوا
وهل تُخيفُ الهُدى صولاتُ مُجترِم؟

سِجالٌ الحربُ ، والرشادُ منتصرٌ
والأمر أبْيَنُ من نارٍ على علم

لا تستكين إذا ما جولةٌ عجزتْ
عن التحدي ، إذا جمر الوطيس حَمِي

لأنها تنتقي أحلى بضاعتها
ولا تُغلِّب ما تَلقى من الرِّمم

إذا نظرتَ إلى المقالة انبسطتْ
منك الأساريرُ مهما كُنتَ في ألمِ

فإن قرأتَ لمستَ الطهر مؤتزرًا
بطيِّب الحَبْك والتنضيد للكلم

وإن شَرعتَ تُهادي لم تُلم أبدًا
وإن تُعِر غيرَها من الورى تُلَمِ

فيها المقالاتُ تُهدي الناس عِفتَهم
خلت من الدس والتضليل والوَغَم

تُبيِّنُ الحق ، لا تُخفي معالمَه
والعيشُ يحلو بحق جِدُّ معتلم

والتغطياتُ تُسَلِّي مَن يُطالعها
لأن من صاغها للناس ذو فُهُم

فإن «للأسرة» الغَرَّاء كوكبةً
من الكرام ، وليسوا خائني الذِّمَمِ

قلوبُهم طَهُرتْ مما يُدنسها
من الفواحش ، بل حتى من اللمَمِ

أما القصائد ، في أوراقها دُررٌ
تفوق حسنًا بريقَ الدُّر في اليُتُمِ

وإن «أسرتنا» تختار شاعرها
مُوَحِد الشعر واليراعِ والنَّغم

يُعَرِّفُ القوم بالأشعار مِلَّتَهم
وليس يُوقِدُ نارَ الدُّعْرِ في الأُممِ

يدعو إلى الله مَن ضلوا ومَن فسقوا
ويَستجيشُ الهُدى في خائري الهِمَم

ويأمر الناس بالمعروف ، يأطرهم
عليه أطرًا بلا عَيٍّ ولا لِسَم

وبعدُ ينهاهُمُ عن منكرٍ فعلوا
ولم يُبالوا به ، كَلا ، ولا نَدِمُوا

ويجعلُ الشعرَ قنديلاً يُنير به
دروب مَن رقدوا في حالك الظُّلَم

ويُترِعُ الكأسَ بالقريضِ حالمةً
في عالم الطُّهر لا في عالم الجُرُم

يقول بالشعر ما يسمو بقارئه
بكل طهرٍ إلى الأفلاك والنُّجُم

والشعر إن بَرئَتْ بالصدق ساحتُه
بنى الهُدى في الورى والبُلْدِ والتُّخُم

وإنْ تُعِهِّدَ بالأخلاق جَمَّلها
وشيَّد البأس بالأطناب والدِّعَم

كذاك «أسرتُنا» تختار كاتبَها
مُربِّيًا فطنًا ، وفي النزال كمي

هو العَزوفُ عن الدنيا وزُخرفها
أَكْرِمْ به من عفيفٍ نابهٍ فَقِم

فلا يخونُ لدِيْنَارٍ أَمانَتَه
وإن أُحِيطَ به في كلِّ مُصطَدِم

عَفَّ الفؤادُ لذا عَفَّتْ يَرَاعَتُه
ولا يضلُّ فؤادٌ عف عن رَغَمِ

أمانةٌ كلُّ ما نَخُطُّ حاملةً
نورَ المثوبة أو دياجر الندم

يَبلى الذي صاغ ، والجبارُ سائلُه
تبارك الله مِن قاضٍ ومُنتقم

أملى لمن صاغ ، ثم الموتُ باغتَه
ثم ابتدا أمره في رَقدةِ الرُّجُم

أمانةٌ فطرةُ الجُمهور نحفظُها
من الأباطيل والآفات والوَصَم

عنها سيسألنا المليكُ خالقُنا
فهل عمِلنا لخطبٍ فاصلٍ عَمَمِ؟

و«الأسرة» انطلقتْ تُزجي رسالتها
لكي تُزيحَ الذي فينا من الغُمَم

فلم تُصوّرْ على الغلاف ماجنةً
كلا ، ولم تجترئ عمدًا على الحُرُم

ولم تُحَسِّن لأهل الحي مخبثةً
ولم تُجمِّل فنونَ الفُسَّقِ الغُشُمِ

ولم تُحِلَّ لأهل السوء منكرَهم
والسوء إن تلقه بالحزم ينحسِم

وليس سهلاً تحدي الناس في بدعٍ
وإن تُقِمْ عِوَجًا بالبأس يَستقم

باقي المجلات للإفساد قد طُبعتْ
تُزجي المصائب في مُحلولِكِ السُّدَم

فيها الإباحيّةُ الدهياء شاخصةً
كأنها قَحبةٌ تسعى على قَدم

فكل شيء بها يدعو لداهيةٍ
باسم الجمال تُذيب السُّم في الدَّسم

فتسَتبيحُ الذي الإسلامُ حرَّمه
وعنه تكتب يا كم من فِرَى جُسُم

فيها المقالاتُ للتخريب قد نُقشتْ
وفِسقُ مَن كتبوها غيرُ منكتِم

إعلانها وغلافٌ فوقه ثَمِلٌ
يُقَدمَان الخنا في المَرتع الوَخِم

والشعرُ فيها قبيحٌ منتنٌ قذرٌ
في كل بيتٍ متاهاتٌ من النِّقَم

والتغطيات لأهل الفن قد رُصدتْ
تُريهمُ للورى كالصِّيد والكُرُمِ

تَحوي القراطيسُ ما يُخزي ضمائرنا
كأن مَن كتبوها عابدو صَنَمِ

والناس تقرأ ، والأعداءُ قد سعدوا
ولم يُندِّدْ بما يراه أي فَمِ

ومَن يُعَرِّض بهم في الخلق مُتهَمٌ
وليس مَن يَفتري كَلاًّ بمُتَّهمِ

والموبقاتُ على القرطاس شاهدةٌ
وحسبنا الله باري الخلق والنسَمِ

به اعتصمنا ، ولم نَفْتِنْ خلائقه
وليس يَلحقُ خُذلانٌ بمُعتصِم

وما شَهِدْنَا إذن إلا بما علمتْ
قرائحٌ ما بها شيء من السَّخَم

نَصُولُ في الله ، لا نخشى الأُلَى انحرفوا
وأصبحوا للعِدا من أخلص الخَدم

ونُشْهِدُ الله أَنَّا وفقَ شرعته
نُقَيِّم الناس مِن عُربٍ ومن عَجم

وفي استقامتنا مِن دينه قَبَسٌ
ومَن يَرَ الخير فيما قد عداه عمي

ونحن للدين مِن أقوى الحُماة له
وإنَّ عِزَّتنا أقوى من النُّظُم

نحن الأسود إذا نِيلَتْ شريعتُنا
شتان شتان بين الأسْد والغَنَم

نَدُكُّ بالحق هزلاً قائمًا أبدًا
لولا خيانةُ دين الله لم يَقُم

ولا ننام إذا أعداؤنا نشطوا
والشهمُ لو عاين الأعداء لم يَنَم

ولا نُضَخِّمُ بالتوهين خيبتنا
ولا نُعالج جُعرَ الكيدِ بالبَكَم

وإن سمعنا بما أعداؤنا اجترحوا
نَكِرُّ لا ندَّعي شيئًا من الصَّمم

ونَرجُم الزيفَ لا نرضى تطاولَه
على الخليقة والبلدان والدِّيَم

ونُسقِطُ الباطل العالي تخرصُه
مهما تظاهر بالضمير والسَّلَم

ونُلزمُ الباغيَ المُحْتَالَ حُجتَنا
وإن نَخُضْ في التحدي أشرسَ القُصُم

فإن نعش كانت التقوى وسيلتنا
هي المنارُ لنا في دُلجة الغَسَم

وإن نَمُتْ كانت المَأوى مَحلتَنا
لأنها مِنِّةُ الرحمن ذي الكَرَم

© 2024 - موقع الشعر