تفريج الشدة بتشطير أبيات البردة - محمد عمر عثمان

🌹💚 قصيدة 💚🌹
تفريج الشدة بتشطير أبيات البردة

مَولاىَ صَلِّ وسَلِّم دائما أبداً
عَلَى رَسُولكَ هَادِى خِيرة ِ الأُممِ

وانشُر نوافح َ طِيبٍ فَائحِ الأرج
عَلَى حَبيبكَ خَيرِ الخلق ِ كلِّهمِ

🌹💚 الفصل الاول 💚🌹
فى الشكوى من الغرام

أمِن تذكُّرِ جيرانٍ بذى سَلَمِ
سَهرتَ ليلا ًطويلا ً فيه ِ لم تَنمِ

ومِن فراقِ ديارٍ يَسكنونَ بها
مزجتَ دمعاً جَرى من مُقلةٍ بدمِ

أم هَبتِ الريح ُمِنْ تلقاءِ كاظمةٍ
وَفَاحَ عَرفٌ أَتَى مِن صَوبِ حَيِّهِمِ

أَم ضَجَّ رَعدٌ بِصُوتٍ كُنتَ تَسمَعُهَ
وأَومضَ البرقُ فى الظَّلمَاءِ من إِضمِ

فَمالعينيكَ إِنْ قُلتَ اكفُفا هَمتا
مِنَ الحنين ِ إلى َ ذِكرى وصَالهمِ

وَمَا لِشوقكَ إِن قُلتَ استَكِن عَرِمَا
ومَا لقلبك َ إِنْ قُلتَ استفِق يَهمِ

أيحسبُ الصَّبُّ أنَّ الحبَّ مُنكتمٌ
وَالحُبُّ يَظهَرُ فِى العَينَينِ لِلفَهِمِ

وَلَيسَ يَخفَى وَقَد لَاحَت عَلَامَتُهُ
مابينَ مُنسجم ٍ منه ُ ومُضطرمِ

لولا الهوىَ لم تُرق دَمعاً عَلَى طلل ٍ
سَعيتَ مَشياً لسَاحتهِ عَلَى القدمِ

وَلَاغَدَوتَ مِنَ الأَحزان فِى سَقَمٍ
و لا أَرِقتَ لذِكرِ البانِ والعَلَمِ

فكيفَ تنكر ُحُباً بَعدمَا شَهِدتْ
بِهِ عَلَيكَ لَيَالِى الوجد وَالألمِ

و كيفَ تنكرُ شوقاً بعدما شَهِدت
بهِ عَليكَ عُدولُ الدَّمع ِ والسَّقمِ

وأثبتَ الوجدُ خَطَّى عَبرة ٍ وضَنى
لم يخفَ حَالهما عِن حَاذِقٍ فَهِمِ

كلَّمَا افترقا فِى الوصفِ واجتَمعا
مثلَ البهَارِ علىَ خَديكَ و العنمِ

نعمْ سرى طيفُ مَن أهوى فأرقنى
و أبعدَ النَّوم عَن عَينى فلمْ أنمِ

وسَهِرتُ فى لَيلَتى والناسُ قَد رقَدُوا
و الحبُّ يَعترض ُ اللَّذاتِ بالألمِ

يالائمِى فى الهوىَ العُذرى مَعذرةً
أَبدَيتُهَا فِى مَساءٍ عاطر النَّسَمِ

ما كَانَ صدقى بخافٍ فى صَراحَتِهَا
مِنِّى إليكَ و لو أنصفتَ لم تَلمِ

عَد تكَ حَالى لا سِرِّى بمستتر ٍ
يُخفِى غَرَامِى عَنِ الأَقوَامِ والأُمَمِ

و مَا كَانَ قولىَ مَطويَّاً فَأَكتمهُ
عَنِ الوشاة ِ و لا دائى بمنحَسِمِ

محَّضتنى النصحَ لكن لستُ أسمعهُ
يا عَاذَلَى فِى الهَوَى العُذرِىِّ بِالكَلِمِ

وَ كَيفَ يَسمَعُ مُشتَاقٌ لِعَاذِلِهِ
إنَّ المحب عَنِ العُذَّالِ فى صَمَمِ

إنِّى اتهمتُ نصيحَ الشَيبِ فى عَذَلى
فما حَصدتُ سِوى دَمع ٍ مِنَ النَّدمِ

فَلَيتَنِى قَد قَبِلتُ النُّصحَ مُنتَبهاً
والشَيبُ أبعدُ فى نُصح ٍعَنِ التهَمِ

🌹💚 الفصل الثانى 💚🌹
فى مجاهدة النفس

فإنَّ أمَّارتى بالسوءِ ما اتعظتْ
بالراحلينَ عَن ِ الدُّنيا مِنَ الأُمَمِ

وعَنْ طَرِيقَ اللَّوَى والطَّيشِ مَا ابتعدت
مِن جهلها بنذير الشَيبِ والهَرَمِ

ولا أعدتْ منَ الفعلِ الجمِيلِ قِرى
ضَيفٍ تكرمُهُ فى الدَّارِ باللُّقََمِ

ومَا أَعدَّت مِنَ الصُّنع ِالقَويم قِرى
ضيفٍ أَلمَّ برأسى غَيرَ محتشمِ

لو كُنتُ أَعلمُ أ نِّى مَا أوقرهُ
ولَا أَصُنهُ بِحُسنِ الصُنعِ والكَلِمِ

و لَا أَرَى مِنهُ نُصحَاً لَى بِهَيئَتِهِ
كتمتُ سراً بداَ لى مِنهُ بالكَتَمِ

مَن لى برد جِمَاح ٍ مِن غَوايتهَا
ومَيلِهَا لِطريقِ اللغو واللَّمَمِ

و مَن لى بردِّ شُرودٍ مِن جهَالتهَا
كمَا يُردُّ جِماحُ الخيل ِ باللُّجُمِ

فلا تَرُم بالمعاصى كَسرَ شَهوتها
إنَّ الذنوبَ طريقُ البُؤسِ والنِّقَمِ

ولاتَرُم بالملاهِى ضعفَ حدَّتها
إنَّ الطَّعَامَ يُقوِّى شهوةَ النَّهِمِ

والنفس كالطفل إنْ تهملهُ شبَّ علَى
ما اعتادهُ ولم يتركهُ فى الهَرَمِ

وإن توافقهُ فى هواهُ شبَّ عَلَى
حُبِ الرضاعِ وإنْ تفطمهُ يَنفطمِ

فاصرفْ هَواها وحَاذر أن تُولِّيهُ
زمَامَها فَالهوى يُفضِى إلى النِّقَمِ

وَاحذَر مَكَايِدَه وَارفُض مَطَاْلِبَه
إنَّ الهوَى ماتَولى يُصمِ أو يَصمِ

وراعِهَا وهىَ فى الأعمَالِ سَائمةٌ
و كُن فى رعَايتهَا كَالحاذِقِ الحزَمِ

واجعل ْ إلى عملِ الخيراتِ وجهَتَها
وإنْ هىَ استحلت المرعَى فلا تُسمِ

كمْ حَسَّنت لذة ً للمرءِ قاتلةً
بَالكَيدِ و المَكرِ والآمَالِ والوَهَمِ

و كَم زَيَّنَت نَشوَةً لِلمَرءِ مُهلِكَةً
مِن حيثُ لم يَدرِ أنَّ السُّمَّ فى الدَّسمِ

واخشَ الدَّسائسَ مِن جوع ٍ ومِن شبعٍ
واخشَ الدَّسائسَ مِن فقر ومِن نعم

وَ لَا يَغُرَّكَ جَوعٌ ابتَهَجتَ بِهِ
فرُ بَّ مخمصة ٍ شرٌّ مِنَ التُخَمِ

واستفرغْ الدمعَ من عين ٍ قد امتلأتْ
مِن نَظرَةٍ طُولُهَا أفضِى إِلَى التُّهَمِ

وَ تُب إِلَى اللَّهِ عَمَّا أَنتَ تَفعَلُهُ
مِنَ المحارم والزَم حميةَ النَّدمِ

و خالفْ النفسَ والشيطانَ واعصِهما
وأَمسكْ بحبلٍ مِنَ الإيمانِ واعتصمِ

وكنْ عَلَى حَذرٍ من مكر كيدهما
وإن هُما محَّضاكَ النُّصحَ فاتهِمِ

ولا تُطع مِنهما خصماً ولاحكماً
إن اتباعَهُما يُفضى إلى النِّقمِ

ولا تكن آمناً مِن كَيدِ نُصحهِما
فأنتَ تعرفُ كَيدَ الخصمِ والحكَمِ

أستغفرُ اللهَ مِن قولٍ بلا عَملٍ
و مِنَ ذنوب كم تفضى إلى الندم

أستغفرُ اللهَ مِن زعم بِلَا سَنَدٍ
لقد نسبتُ به ِ نَسلا ً لذى عُقُمِ

أمَرتُكَ الخيرَ لكنْ ما أئتمَرتُ بهِ
وَ مَا سَلَكتُ طَرِيقَ الفُوزِ بِالنِّعَمِ

وَ مَا تَخَلَّصَ قَلبِى مِن عَوائِقِهِ
وما اسْتقمتُ فمَا قولى لكَ استقِمِ

و لا تَزودتُ قبلَ الموتِ نَافلةً
وقد بدا لى نذير الضعف وَالسقم

وَلا تَهَجَّدتُ فِى الأَسحَارِ مُجتهداً
و لم أَصلِّ سوى فرضٍ و لم أَصُمِ

🌹💚 الفصل الثالث 💚🌹
فى مدح الحبيب المصطفى

ظلمتُ سُنَّةَ مَن أحيا الظَّلامَ إلىَ
أَنْ أقبل الفَجرُ يُهدى عَاطرَ النَّسمِ

قَد قامَ يَقرأُ آياتِ الكتاب إلىَ
أَنْ اشتكتْ قدمَاهُ الضُّرَّ مِن ورَمِ

وشدَ مِن سَغَبٍ أحشاءَهُ وطوى
فى قلبهِ نيَّةَ الإرشادِ للأُمَمِ

وأَخفَى عِنَ النَّاس ِ فى جلبابِ بُردته ِ
تحتَ الحجَارة ِكَشحاً مُترفَ الأَدمِ

و راودَتهُ الجبالُ الشُّمُّ من ذهبٍ
فلَم يُبالِ بِمَا أَبدَتْهُ مِن ذِمَمِ

وصَارَ فَوقَ أَدِيمِ السَّهلِ يَدفَعُهَا
عَن نفسهِ فأراهَا أيَّما شَمَمِ

و أكدتْ زُهدَهُ فيها ضَرورتُهُ
وحَالُ الضَّرُورةِ حَالٌ غير مُنكَتِمِ

وأينَ الضرورةُ من أَنوارِ عِصمتهِ
إنَّ الضرورة لا تعدو علىَ العِصَمِ

وكيفَ تدعو إلى الدُّنيا ضَرورةُ مَن
فَاقَ الورى فى عُلُوِّ القدرِ والعِظَمِ

قد فاضَ نورٌ تجلى من هدايتهِ
لو لاهُ لَمْ تخرج ِ الدُّنيا مِنَ العَدمِ

محمدٌ سيدُ الكونين ِ و الثقلينِ
وأَوفىَ القَبيلين فِى رعَايةِ الذَّمَمِ

محمدٌ سيدُ الحزبين ِ و الجمعين ِ
و الفريقين ِ مِن عُربٍ ومن عَجمِ

نَبيُّنا الآمرُ النَّاهِى فلا أحدٌ
أَجَلُّ مِنهُ عُلَاً فِى سَائِرِ النَّسَمِ

وَلَيسَ فِى أُمَّةٍ مِن سَائِرِ البشر
أبرَّ فى قَولِ لا مِنهُ و لا نَعَمِ

هُو الحبيبُ الذى تُرجى شفاعتهُ
لِنَيلِ الأَمَانِ مِنَ النِّيرَانِ وَالحُمَمِ

و هُو الوجيه الذى تُرجى إغارته
لكُلِ هَولٍ مِنَ الأهوالِ مُقتحِمِ

دعا إلى الله فالمستمسكونَ بهِ
فَازوا بخيراتٍ من وافرِ النِّعمِ

ولم يَزالُوا وهُم مُستَمسِكُونَ بهِ
مُستمسكونَ بحبلٍ غير ِ مُنفصمِ

فاقَ النَّبيينَ فى خَلقٍ وفى خُلقٍ
وفَاقهُم فى عُلُوِّ الجاهِ والعِظَمِ

و لم يُدانوهُ فى فضلٍ ولا شرف ٍ
و لم يُدانوهُ فى علمٍ و لا كَرمِ

وكُلُّهُم مِن رَسولِ اللهِ مُلتمسٌ
أنوارَ إمدادٍ مِن فَيضهِ العَمِمِ

ونَائِلٌ مِنحَةً مِن جُودِهِ عَظُمَت
غَرفاً من البحرِ أو رشفاً مِنَ الديَمِ

وواقفُونَ لديهِ عندَ حدِّهمِ
لِعِلمِهِم بِمَقَامِ الطَّاهِرِ العَلَمِ

يرجونَ فيضَ عطاءٍ من فوائدهِ
مِن نُقطةِ العِلمِ أو مِنْ شَكلَةِ الحِكَمِ

فهو الذى تمَّ مَعناهُ وصُورتُهُ
فى طرازٍ فريدِ القدرِ و العِظَمِ

وهُو الذى خصَّهُ بالفضل والنَّعَمِ
ثُم اصطفاهُ حَبيباً بارئُ النَّسم

مُنزَّ هٌ عَن شريك فى محاسنه
وعَن شبيهٍ لهُ فى كافَّةِ الأممِ

ومُنزَّ هٌ عَن مثيلٍ فى فَضائِلهِ
فجوهرُ الحسنِ فيه ِغيرُ منقسمِ

دع ما ادَّعتهُ النَّصارى فى نبيِّهمِ
و نزِّ ه ِ اللهَ ذا الإِنعَامِ و الكَرَمِ

وَاذكُرِ المُصطَفَى خَيرَ الوَرَى مددا
واحكُم بماشئتَ مَدحاً فيهِ واحتكِمِ

وانسُبْ إلى ذاتهِ ماشِئتَ مِن شرف ٍ
و انسُبْ إلىَ عزمهِ ماشِئتَ مِن همَمِ

و انسُبْ إلى يدهِ ماشِئتَ مِن كرم
وانسُبْ إلى قدره ِ ماشِئتَ مِن عِظمِ

فإِنَّ فَضلَ رسُولِ اللهِ ليسَ لهُ
حَصرٌ سما لمدَاهُ يَاذَوِى الهِمَمِ

وَلَيسَ يُعرَفُ فِى الدُّنيَا لِرِفعَتِهِ
حَدٌ فَيعربُ عَنهُ ناطقٌ بفَمِ

لو ناسبتْ قدرَهُ آياتُهُ عِظماً
مَا فَهِمتهَا عُقولُ النَّاسِ كُلِّهمِ

و لو نَاسبتْ جَاهَهُ أسمائهُ عددا
أَحيا اسمُهُ حينَ يُدعى دارِسَ الرِّمَمِ

لم يمتحنَّا بما تعيَا العُقُولُ بهِ
خَوفاً عَلِينَا وَأَهدَانَا مِنَ الحِكَمِ

وَ دَلَّنَا ببليغ مِن مَقَالَتِهِ
حِرصاً علينا فلم نرتبْ ولم نَهمِ

أعْيا الورىَ فهمُ مَعناهُ فَليس يُرىَ
لِقَدرِهِ مُنصِفٌ فِى سَائِرِ الأممِ

ولا يُرى فى الدُّنا ممن يُجادلنا
فى القربِ و البعدِ فيهِ غيرُ مُنفَحِم

كالشَّمسِ تظهرُ للعينين ِ مِن بُعد ٍ
ولها شعاعٌ بدا فى السَّهلِ والأكَمِ

و مَن يَراها يَدرِى أ نَّها تبدو
صَغيرة ً وتُكلُّ الطَّرفَ من أَمَمِ

وكيفَ يُدرِكُ فى الدُّنيا حَقيقَتهُ
مِن غَدا فى الدعَاوِى راسِخَ القَدَمِ

وكيف يُنصفُ فى الدُّنيا مَناقبهُ
قومٌ نيامٌ تَسلوا عَنهٌ بالحُلُمِ

فمبلغُ العِلمِ فيهِ أ نَّهُ بَشرٌ
يَهدى إلى ملة التوحيدِ والقيمِ

و أ نَّهُ عَلمٌ مَا فَوقهُ عَلمٌ
و أ نَّه خَيرُ خَلقِ اللهِ كُلِّهم

وكلُّ آىٍ أتى الرُّسلُ الكرامُ بهَا
وكلُّ معجزة ٍ فى سَالفِ الأُمَمِ

قَد بَدَت للوَرَى مِن غَيرِ حائلةٍ
فإنَّما اتَّصلتْ مِن نُّوره ِ بهِمِ

فإِنَّهُ شمسُ فضلٍ هُم كَواكبُها
فى سَمَاءِ من الآلاءِ والنِّعَمِ

وَ لَا تُدَانِيهِ شَارِقَةٌ كَوَاكِبُهُا
يُظهرنَ أنوارها للنَّاسِ فى الظُلَمِ

أكرمْ بخَلق نبىٍ زانهُ خُلقٌ
مَا أعلى مراتبه فى الجود والكرم

أَنعِم بَوَجهِ نَبِىٍّ زَانَهُ بَهَجٌ
بالحسنِ مُشتملٍ بالبِشْرِ مُتسمِ

كالزَّهرِ فى ترف ٍ والبدرِ فى شرف ٍ
والوَردِ فِى أَرَجٍ و التَّلِ فِى شَمَمِ

و النُّورِ فى لَمَعٍ والغَيثِ فِى عَمَمٍ
و البحرِ فى كرمٍ و الدَّهرِ فى هِمَمِ

كأ نَّهُ و هو فردٌ مِنْ جلا لتهِ
يقودُ جيشاً بين البانِ والعَلَمِ

وتظنهُ وهوَ فى محرابِ مَسجِدهِ
فى عَسكرٍ حين تلقاهُ وفى حَشمِ

كأنما اللؤلؤُ المكنونُ فى صدف
أَنوَارُهُ حُجِبَت عَن سَائِرِ النَّسَمِ

ثُمَّ انْجَلَت لِلبَرَايَا حِينَمَا ظهرت
مِنْ مَعدنَى مَنطقٍ منهُ ومُبتَسمِ

لا طيبَ يعدلُ تُرباً ضم مرقده
و عِطرُ مَرقَدِهِ قَد فَاحَ كَالخَزَمِ

ولَا أرض تعدِلُ هَذَا الترب مَنزِلَةً
طوبى لمنتشقٍ منهُ و ملتثمِ

🌹💚 الفصل الرابع 💚🌹
فى مولد الحبيب المصطفى

أبَانَ مَولدُهُ عَن طيبِ عُنصره ِ
وَ عَطرُ مِيلَادِهِ قَد فَاحَ فِى النَّسَمِ

وَ أصبح الكون مُبتَهِجَاً بِرؤيته
ياطيبَ مُبتَدإٍ مِنهُ ومختَتمِ

يومٌ تفرَّسَ فيهِ الفُرْسُ أنَّهمُ
سَارُوا عَلَى درب أفضَى إِلى النَّدَمِ

وأنهم بَعدَ ما طَغوا بنعمتهم
قد أُنذروا بحلولِ البؤسِ والنِّقَمِ

وباتَ إيوانُ كِسرى وهو مُنصدعٌ
فِى لَيلةِ بشرت بالخير للأُمَمِ

وَانصَدَّعَت هَيبَةُ الإِيوَانِ وَانكَسَرَت
كَشمل أَصحابِ كِسرىَ غيرِ مُلتئمِ

والنَّارُ خامدةُ الأنفاسِ مِن ْ أسف ٍ
بَاتَت وَ بَاطِنُهَا خَالٍ مِنَ الضَّرَمِ

كأ نما لفظتْ أنفاسَها كمدا
عليهِ والنهرُ ساهى العين ِمن سَدَمِ

وساءَ ساوة َ أن غاضتْ بُحيرتُها
وَ أَصْبَحَت كَسَرَابٍ لَاحَ للفَهِمِ

وراح صَادِرُهَا يَسعَى لمَطلَبِهِ
ورُدَّ وا ردُهَا بالغيظِ حينَ ظَمى

كأنَّ بالنَّارِ ما بالماءِ من بللٍ
شجوا وبِالمَاءِ مَا بِالنَّارِ مِن حممِ

أوَ كان بِالنَّارِ مَا بالمَاءِ مِن شَبمٍ
حُزناً و بالماء ما بالنَّارِ من ضَرمِ

والجنُّ تهتفُ والأنوارُ سَاطِعةٌ
و الطيرُ يَصدح فى الأجواءِ بالنَّغمِ

والصَّدقُ يَظهَرُ فِى سِرٍّ وَفِى عَلَنٍ
و الحقُّ يَظهرُ مِن مَعنى ً ومن كَلِمِ

عَمُوا وصمُّوا فإعلانُ البشائرِ لم
لَم يُقصِهِم عَن طَرِيقِ الغَىِّ وَالظُلَمِ

كأَنَّ ضجةَ أَفراح ِ البشارةِ لم
تُسمعْ و أجراسُ الإنذارِ لم تُشَم

مِن بعدِما أخبرَ الأقوامَ كاهنُهُم
بَمَا يَلُوحُ لَهُ مِن نَقصِ مُلكِهِمِ

ورَاحَ يُدرِكُ مِنهُم كُلِّ ذِى نَظَرٍ
بأنَّ دينَهُمُ المُعوَج لمْ يَقُمِ

وبعدما عَاينوا فى الأفقِ مِنْ شُهُبٍ
شَدِيدَةِ الضَّوءِ و الإِحرَاقِ و الضَّرَمِ

إِلَى رِمَالِ الثَّرَى فِى اللَّيلِ مُسرِعَةٍ
منقضةٍ وفق مافى الأرض من صنَمِ

حتى غداَ عن طريق الوحى مُنهزمٌ
قَد لَاحَ جَهرَاً لجِنِّ القورِ و الأَكَمِ

مَن كُلِّ مُنسَحِبٍ بِالشُّهبِ مُنخَذِلٍ
مِنَ الشياطينَ يقفو إِ ثرَ مُنهزمِ

كأ نَّهُم هَرباً أبطالُ أبرهة ٍ
عِندَما خرَجوا مِن سَاحةِ الحرَمِ

وَ هُم يَفِرُّونَ مِن طَيرٍ يُطَارِدُهُم
أو عسكرٌ بالحصىَ من راحتيهِ رُمى

نبذا بهِ بعد تسبيح ٍ ببطنهما
فِى لِيلَة من ليالى الأشهر الحرم

فحَكَى الحَصَى عِندَمَا أَلقَتهُ رَاحَتُهُ
نبذَ المسبحِ مِن أحشاءِ مُلتقِمِ

🌹💚 الفصل الخامس 💚🌹
فى معجزات الحبيب المصطفى

جاءتْ لدعوتهِ الأشجارُ ساجدة ً
لله بَارِئِ الأَكوَانِ وَ النَّسَمِ

وَ أَقبَلَت وَحَنِينُ الشَّوقِ يَدفَعُهَا
تمشى إليهِ عَلىَ ساق ٍ بلا قدمِ

كأنما سَطرتْ سَطراً لِمَا كتبتْ
أُصُولُهَا مِن مَعَانِى الحُبِّ فِى الكَلِمِ

بعدما رَسَمَت رَسمَاً لِمَا خَطَّت
فروعُها مِنْ بديعِ الخطِ باللَّقَمِ

مثلُ الغمامةِ أنَّى سار َسائرة ً
وَمشَى بِرِجلَيهِ بِينَ البَانِ وَالعَلَمِ

تَمُدُّ ظِلَّاً ظَلِيلَاً فَوقَ هَامَتِهِ
تقيهِ حرَّ وطيسٍ للهجير ِحمِى

أقسمتُ بالقمرِ المنشقِ إنَّ لهُ
مَرَاتِبَاً قَد سَمَت فِى القَدرِ وَالعِظَمِ

وَقَد حَوَى صَدرهُ بَعدِ انشِقَاقِه
مِن قَلبهِ نِسبةً مَبرورةَ القَسَمِ

وما حوىَ الغارُ من خيرٍ ومن كرمٍ
ومِن بيان وَمِن علمٍ وَمِن حِكِمِ

وَمَا حَوَى الغَارُ مِن ضَيفٍ وَصَاحِبِهِ
وكُلُّ طَرفٍ من الكفارِ عَنهُ عَمى

فالصدقُ فى الغار والصِّدِّيقُ لم يَرِمَا
وَ لَم يَخَافَا مِنَ ا لأَعدَاءِ كُلِّهِمِ

وَكَانَا بِمَحضِ أَمَانٍ فِى مَكَانِهِمَا
وهُم يقولونَ ما بالغارِ من أَرَمِ

ظنوا الحمامَ وظنوا العنكبوتَ عَلىَ
بابِ غارٍ خلتْ من كافَّةِ النَّسمِ

و أَنَّ الحَمَامَ وَأَنَّ العَنكَبُوتَ عَلَى
خيرَ البريَّةِ لم تنسجْ و لم تحُمِ

وقايهُ الله أغنتْ عَن مُضاعفةٍ
من السِّيوف وَعَن جِيشٍ كجَيشِهِمِ

وعَن بَوَاسِلِ أَبطَالٍ لَهُم سَنَدٌ
مِنَ الدروعِ و عن عَالٍ من الأُطُمِ

ما سامنى الدَّهرُ ضيماً واستجرتُ بهِ
إلا و بشرنى فى النوم بالكلم

وَلَا احتَمَيتُ بِهِ مِن هَولِ نَازِلَةٍ
إلا و نلتُ جوارا ًمِنهُ لم يُضمِ

ولا التمستُ غِنى الدارينِ مِن يدهِ
إِلَّا وَ أَعطانى من الخَيرِ ات وَ النِّعَمِ

وَلا نَظَمتُ مَدِيحَاً فِى فَضَائِلِهِ
إلا استلمت ُ النَّدى مِنْ خير ِ مُستَلَمِ

لا تنكرِ الوحىَ مِنْ رؤياهُ إنَّ لهُ
مُهجَةً نُزِّهَت عَن نَزغَةِ الحُلُمِ

وَ لَا تُنكِرُ الصِّدقَ مِن بُشرَاهُ إِنَّ لَهُ
قلباً إذا نامتِ العَينانِ لمْ ينمِ

وذاك َ حِينَ بُلوغٍ مِنْ نُّبُوَتهِ
بَعدَ أن عَاشَ فِى بُعدٍ عَنِ التُّهَمِ

وَمَن يَعَيشُ عفيفَاً حَالَ نَشأَتِهِ
فليسَ يُنكرُ فيهِ حَالُ محتَلِمِ

تبارك اللهُ ما و حىٌ بمكتسبٍ
وَ لَم ينَل بِاجتهاد عِندَ ذِى هِمَمِ

وَلَا رَسُولٌ عَلَى شرْعٍ بِمُنتَقَدٍ
و لا نَبىٌّ عَلىَ غيبٍ بمُتَّهمِ

كَم أَبرَأَتْ وصِباً باللَّمسِ رَاحَتُهُ
وَأَعطَتهُ فِى هَذِهِ الدُّنيَا مِنَ النِّعَمِ

وكَم أَفَاضَت مِنَ الخَيرَاتِ مُنفِقَةً
وأطلقتْ أرِباً مِن ربْقَةِ اللَّمَمِ

وأحيتِ السَّنَةَ الشَّهباءَ دَعوتُهُ
كإحياء دعوته للخير فى الامم

وَأَصبَحَت سَنَةً بَالخَيرِ عَامِرَةً
حتى حكتْ غرة ً فى الأعصُرِ الدُّهمِ

بعارضٍ جادَ أو خِلتَ البطاحَ بها
فَيضَاً مِنَ المَاءِ بينَ التَّلِّ والعَلَمِ

كَأَنَّهُ صَارَ يَحكِى فِى غَزَارَتِهِ
سَيباً مِنَ اليم أَو سيلاً من العَرِمِ

🌹💚 الفصل السادس 💚🌹
فى فضل القرءان الكريم

دَعنى ووصفى آياتٍ لهُ ظَهرتْ
فى كتابٍ هَدَى للخير ِ و النَّعَمِ

و أَنوَارُهَا أَشرَقَت لِلنَّاسِ ظاهرةً
ظُهورَ نارِ القِرى ليلا ً عَلىَ عَلَمِ

فالدُّرُّ يزدادُ حُسناً و هو مُنتظمٌ
تَرَاهُ عَينُ الخَبِيرِ الحَاذِقِ الفَهِمِ

فالنَّظمُ قَد زَادَ فى مِقدارِ قِيمَتهِ
وليسَ ينقُصُ قَدراً غيرَ مُنتظمِ

فما تطاولُُ آمالِ المديحِ إلىَ
وصف الممدوح فى الآياتِ بالعِظَمِ

وما تطاول أبيات الثناء إلى
مافيهِ مِن كرمِ الأخلاقِ و الشِّيَمِ

آياتُ حقٍّ مِن الرحمنِ محدثةٌ
مَكتَوبَةٌ فِى كِتَابٍ صَادِقِ الكَلِمِ

وجَادَت بِهَا قَدرَةٌ جَلَّت قَدَاسَتُها
قديمةٌ صفَةُ الموصُوفِ بالقِدَمِ

لم تقترنْ بزمانٍ وهى تُخبرنا
عَنِ السَّبِيلِ الَّذِى يُفضِى إِلَى النِّعَمِ

وأخبَرتنا وفيها قَد أتى كَلِمٌ
عَنِ المعَادِ وعَن عادٍ وعَن إِرَمِ

دامتْ لدينا ففاقتْ كُلَّ مُعجزة ٍ
بَدَت لِقَومٍ مَضُوا مِن سَالِفِ الأُمَمِ

لَم يَنصَرِم نُورُهَا والمُعجِزَاتِ خَلَتْ
مِنَ النَّبيِّينَ إذ جاءتْ و لم تَدُمِ

مُحكماتٌ فما تبقينَ مِن شُبَهٍ
لذى يَقين ٍ ولا تبقينَ مِن غُمَمِ

ومَا تدَعنَ سَبيلاً فى مجادلةٍ
لذى شقاق ٍ وماتبغينَ مِن حَكَمِ

ماحُوربتْ قطُّ إِلاعادَ من حربٍ
خَصمُهَا خاسِراً يَمشِى عَلَى قَدَمِ

وَما نُوزِعَت قَطُّ إلَّا عَادَ مِن تَعَبٍ
أعدىَ الأعادى إليها مُلقىَ السَّلَمِ

ردتْ بلاغَتُها دَعوىَ مُعارضِها
ردَّ النزيهِ عَلَى الأوهَامِ والتُّهَمِ

وردَّتْ فَصاحَتُها أقوالَ جاحِدها
ردّ َ الغيورِ يدَ الجانى عَنِ الحُرَمِ

لها معانٍ كموج ِ البحرِ فى مَدد ٍ
لاحَت مَنَاهِلُهَا للحَاذقِ الفَهِمِ

وَكُلُّ مَعنَى كَمِثلِ الدُّرَ فِى وَضَحٍ
وفَوقَ جَوهَره ِ فى الحُسن ِ و القِيَمِ

فماتُعد ولا تُحصى عجَائبُهَا
ولا تحدُّ مِنَ الأفهَامِ والهمَمِ

ولا تُجارَى بتشبيهٍ بَلاغتُها
ولا تُسام عَلَى الإكثارِ بالسأَمِ

قَرَّتْ بها عينُ قاريها فقلتُ لهُ
لازم تِلاوتهَا فى اللَّيلِ واغتَنِمِ

بُشرَاكَ يَا قارئاً آياتِهَا فرحا
لقدْ ظَفِرتَ بحبل ِ اللهِ فاعتَصِمِ

إنْ تتلُها خِيفةً مِن حرِّ نارِ لظى
فوردُهَا يقى مِنَ النِّيرانِ و الأَلمِ

وإن ذكَرتَ بهَا الرَّحمنَ فى سحر
أَطفات ْ حرَّ لظى مِن وردِها الشَّبمِ

كأ نَّها الحوضُ تبيَضُّ الوجوهُ بهِ
فى يَوم حشرِ جميع النَّاسِ والأُمَمِ

وَيَهنَئُ الوَافِدُونَ السَّابِحُونَ بِهِ
مِنَ العُصاة ِ و قد جاءُوهُ كالحُمَمِ

وكالصِّراطِ وكالميزانِ مَعْدَلةً
فى منهجٍ واضحِ الأَحكام ِ والحِكَمِ

مَصُونةٌ فى دارِ الدُّنيا مُشرَّفةٌ
فالقِسطُ مِنْ غيرها فى النَّاسِ لم يَقُمِ

لاتعجبنْ لحسودٍ راحَ يُنكِرُها
إن الحسودَ مريضُ القلب بالسَّقمِ

رأَى سَنَاهَا وأَغضَى طَرفَهُ ومضى
تجاهُلا ً و هو َ عينُ الحاذقِ الفَهِمِ

قد تُنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدٍ
ويُنكرُ الأنفُ عِطر َ المسكِ مِنْ زكَمِ

ويُنكرُ العقلُ رؤيا العين ِ مِنْ دهَشٍ
و يُنكرُ الفمُ طعمَ الماءِ مِنْ سَقَمِ

🌹💚 الفصل السابع 💚🌹
فى إسراء الحبيب المصطفى ومعراجه

ياخيرَ مَنْ يَمَّم العَافونَ ساحتَه ُ
وَأَمَّ رَوضَتَهُ الرَّاجُونَ لِلْأَمَمِ

وَسَرت وُفُودُ لهُ مِن كُلِّ نَاحِيَةٍ
سَعياً وفَوقَ مُتونِ الأينُقِ الرُّسمِ

و مَن هُوَ الآيةُ الكبرى لمعتبر ٍ
ومَن هُوَ الرَّحمةُ الوفرَىَ لمُعتَصِمِ

ومَن هُوَ المنحةُ العُليا لملتمسٍ
ومَن هُوَ النِّعمةُ العُظمى لمغتَنمِ

سريتَ مِن حَرمٍ ليلاً إلىَ حَرمٍ
فى ليلة من ليالى الأشهر الحرم

فِى مَوكِبٍ قَد سَرَى إِذ كُنتَ قَائِدُهُ
كَما سَرى البدرُ فى داجٍ مِن الظُلَمِ

وبتَّ ترقى إلى أَنْ نلتَ منزلةً
تُنالُ بالوهبِ لابِعزائمِ الهِمَمِ

وصَلتَ فِيهَا إلَى مَكَانَةٍ قَرُبَت
مِنْ قابِ قوسينِ لم تُدركَ ولم تُرَمِ

و قدَّمتكَ جميعُ الأنبياءِ بها
لقدرك العَالى فى الجاه و العِظَمِ

وقدَّمتكَ جميع الأَملاكِ بها
و الرُّسُلِ تقديمَ مخدومٍ عَلىَ خَدمِ

وأنتَ تخترقُ السبعَ الطباقَ بهم
يا أكرمَ الرُّسلِ الكرامِ كُلِّهمِ

وَعَلى بُرَاقِكَ تَرقَى فِى سَمَا لَمَعَت
فى مَوكبٍ كنتَ فيه صاحبَ العَلَمِ

حتى إذا لم تدَعْ شأوْاً لمستبقٍ
و لا مَقاماً و لا حَالاً لملتزم

وحتى إذا لم تدع قُربَاً لمُرتَقِبٍ
مِنَ الدُّنو ولا مَرقى لمُستَنمِ

خَفضتَ كُلَّ مقامٍ بالإضافةِ إذْ
رأيتَ ربَّكَ ذا الإِنعَامِ و الكَرَمِ

وَبَلغَتَ المَجدَ فِى قُربِ المَكَانَةِ إِذ
نُوديتَ بالرفع ِ مِثلَ المفردِ العَلَمِ

كيما تَفوزَ بو صلٍ أىِّ مُستتر ٍ
و إِدراكِ كُلِّ نوالٍ غير ِ مُنقسمِ

وكَيما تَفوزَ بعلمٍ أىِّ مُحتجبٍ
عَنِ العُيونِ و سرٍ أىِّ مُكتَتَمِ

فحزتَ كُلَّ فخارٍ غيرَ مُشتَرك ٍ
و نلت سر وصال غير منفصم

وحُزتَ كُلَّ نوال لا مثيلَ له
وجُزتَ كُلَّ مقامٍ غيرَ مُزدحمِ

وجلَّ مقدارُ ما أوليتَ مِن رُتبٍ
و تم مقدارُ ما أُعطيتَ مِن عِصمِ

و زاد مقدارُ ما أُعطيت مِن شرفٍ
و عزَ إدراكُ ما أُوليتَ مِن نِعَم

بشرى لنا مَعشرَ الإسلامِ أَنْ لنا
مَجدَاً تَلِيدَاً بِهِ نَزهُو عَلَى الأُمَمِ

وَقَد حَبَانَا إِلَهُ الكُونِ خَالُقُنَا
مِنَ العنايةِ ركُناً غيرَ مُنهدمِ

لما دعا اللهُ داعِينا لطاعَتهِ
أَكرَمَ الرُّسْلِ هَادَى العُربِ والعَجَمِ

وسِرنَا عَلَى دَربِهِ فِى نُورِ شِرعَتِهِ
بأ كرم ِ الرُّسلِ كُنَّا أكرمَ الأُممِ

🌹💚 الفصل الثامن 💚🌹
فى جهاد الحبيب المصطفى

راعتْ قلوبَ العِدا أنباءُ بِعثَتِه ِ
و أصبحوا واجمين فى بيوتهم

وفَاجئتهُم وخوَّفتهُم طَوارقُها
كنبأةٍ أجفلتْ غُفلا ً مِنَ الغَنَمِ

مَازالَ يلقاهُمُ فى كُلِّ مُعتَركٍ
وَأَصحَابَهُ مَعَهُ كَالأُسدِ فِى الأَجَمِ

يُحَارِبُونَ العِدَا فِى كُلِّ مُوقِعَةٍ
حتى حكوا بالقنا لحماً عَلىَ وضَمِ

ودوا الفرارَ فكادوا يغبِطُونَ به ِ
فَرائسُ الوحشِ فى الوديان والأَكمِ

إِذ غَادَرَت قَاطِعَاتُ الوَحشِ غاديهِا
أَشلاءَ شالتْ معَ العِقبانِ والرَّخَمِ

تمضى الليالى ولا يَدرونَ عِدَّتها
مِنْ شَدة الهول و البأسِاء والضَرمِ

لا يَعرفونَ رقادا فِى لياليهِم
مالم تكُنْ مِن ليَالى الأشهُر ِ الحُرُمِ

كأنما الدِّينُ ضيفٌ حل َّ ساحتَهم
و أَمامَهُ راياتُ النَّصر ِ كالقمَمِ

وَجَيشُهُ قَد أَتَى يَسعَى وَقَد دُعِمَ
بكُلِّ قَرم ٍ إلىَ لحمِ العِدا قَرِمِ

يجرُ بحر َخميس ٍ فَوقَ سابحةٍ
تَعدُوا كَسِيلٍ عَلَى الوِديَانِ مُقتَحِمِ

حَتَّى غَدَا عَارَمِاً فِى كُلِّ مَعركة
يَرمى بموج ٍ من الأبطالِ مُلتطمِ

مِن كُلِّ مُنتَدَبٍ للهِ محتَسبٍ
يَسعَى إلى نُصرَة التَّوحيدِ و القِيَمِ

بالصَّبرِ مُعتَصِم بَالعَزمِ مُقتَحِم
يَسطو بمستأصلٍ للكُفرِ مُصطلِمِ

حتى غدتْ ملَّةُ الإسلام ِ وهىَ بهم
شَهِيرَةَ الذِّكرِ عِندَ النَّاسِ و الأُمَمِ

وأَصبَحَت فِى الدُّنَا أَركانُ شِرعتِهَا
مِنْ بعدِ غُربتها مَوصولِةَ الرَّحمِ

ومَضمُونةً أبداً منهُم بخير أبٍ
أَبنَائَهُ مِن ذَوِى الإِقدَامِ والهَمِمِ

وَمَكفُولَهً أَبَدَاً مِنهُم بَخِيرِ أَخٍ
و خَيرِ بَعلٍ فلم تيتَمْ و لم تئَمِ

هُم ُ الجبالُ فسل عنهُم مصادمهُمْ
وَ هُم عَلَى الخَيلِ مِن قَرمٍ و ملتَحمِ

يومَ النزال ِ وريح ُ الحربِ عاتية ٌ
مَاذَا بَدَا مَنهُمُ فِى كُلِّ مُصطَدَمِ

و سلَ حُنيناً وسلْ بدراً وسلْ أُحدا
فُصُو لُ نَحبٍ لِلكُفَّارِ بِالخُذُمِ

وسلْ ذاتَ الرقاع ِ وبنى النَّضير ِ
فُصولُ حتف ٍلهم أَدهىَ مِنَ الوخَمِ

المُصدِرى البيضِ حُمراً بعدما وردتْ
أعناق كل معاد ظالم نهم

بَعدَمَا استَأصَلَت فِى أرض مَوقِعَةٍ
مِن العِدا كُلَّ مُسودٍّ مِنَ اللِّمَمِِ

والكاتببنَ بسمرِ الخطِ ماتركتْ
لِلقَومِ صَفحَة وَجهٍ غَير مُنهَزِمِ

ولَم تَدَع مِنهُم فِى كُلِّ مَوقِعَةٍ
أقلامهُم حرفَ جِسمٍ غير َمُنعجمِ

شاكى السِّلاحِ لهُم سِيمَا تميزهُمْ
لا تخفىَ عَلىَ عَين ِ الحَاذق ِالفَهِمِ

وَأَهلُ السَّمَاحِ لَهُم سِيمَا تُوَضِّحُهُم
و الوردُ يَمتازُ بالسِّيمَا عَنِ السَّلَمِ

تُهدى إليكَ رياحُ النَّصرِ نَشرَهُمُ
عطر ا يفوح فى الأجواء والنسم

وَ الرُّوضُ يَزهَرُ إِذ مَرَّت عَسَاكِرُهُم
فتحسبُ الزهرَ فى الأكمامِ كُلَّ كَمى

كأَنهم فى ظُهورِ الخيلِ نبتُ رُبا
أو كَالجِبَالِ ذَوَاتِ الطُّولِ والقِمَمِ

أَرسُوا دَعامَاتِ أَوتَاد ٍ مُشَيَّدَة ٍ
من شِّدة ِ الحزْمِ لا من شدة ِ الحُزُمِ

طارتْ قلوبُ العِدا من بأسهِم فَرَقاً
مِمَّا تَنَامى إِلَى الأَبصار فى أمم

وأَصَابَهُم حِينَ صَارُوا فِى الوَغَى ذَهَلٌ
فما تُفرقُ بين البَهْمِ و البُهَمِ

ومن تكنْ برسول ِ الله نُصرَتُهُ
يِعيشُ آمناً فى الوديانِ و الأكمِ

و يَلُوحُ تَاجُ وَقَارٍ فَوقَ هَامَتِهِ
إن تَلقهُ الأُسدُ فى آجامِها تجمِ

ولن تَرىَ من ولىٍ غيرِ منتصر ٍ
بالمصطفى طاهر الأخلاق والشيم

ولن تَرىَ من حَبيبٍ غير ِ متصلٍ
بهِ و لا مِنْ عَدوٍ غيرِ مُنقَصمِ

أَحلَّ أُمَّتهُ فى حرزِ ملَّتِهِ
فلم تَسلُكْ طريقَ البؤس ِ و النِّقَمِ

وأحَل أصحابه فى حرز ساحتةِ
كاللَّيثِ حَلَّ معَ الأشبالِ فى أَجمِ

كم جدَّلت كلماتُ اللهِ من جَدِلٍ
قَالَ فِى المُصطَفَى قَولَاً مِنَ الوَهَمِ

و كم أقامتْ دلالات ٍ لمعتقدٍ
فيهِ وكم خَصَمَ البرهانُ من خَصِمِ

كفاكَ بالعلم فى الأُمِّىِّ مُعجزة ً
قَد بَدَت فِى كِتَابٍ صَادِقِ الكَلِمِ

و معجزةً لهُ أَخبارُهُا ظَهرَتْ
فى الجاهلية ِ و التأديبِ فى اليُتمِ

🌹💚 الفصل التاسع 💚🌹
فى التوسل بالحبيب المصطفى

خَدَمتُهُ بمديحٍ أستقيلُ بهِ
وِزرَاً فَعَلتُهَ بَعدَ الشَّيبِ وَ الهَرَمِ

و مدحته بثناء أستقيل به
ذنوبَ عُمر ٍ مَضى فى الشِّعرِ والخِدَمِ

إذ قلدانى مَا تُخشى عَواقِبُهُ
مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِى تُفضِى إِلَى التُّهَمِ

وجاوزا بِى طَرِيقٍا لَستُ أَعْرِفُهُ
كأ نَّنى بِهمَا هَدّْىٌ مِنَ النَّعَمِ

أطعتُ غَى الصِّبا فى الحالتينَ وما
سَعَيتُ نَحوَ العُلَا بِالعَزمِ و الهِمَمِ

ولمْ أُجاهدْ فى الدُّنيا هَوَاى فَمَا
حَصلتُ إلا علىَ الآثامِ و النَّدَمِ

فيا خَسارةَ نفسٍ فى تجارَتِهَا
تَرجُو النَّجَاةَ بَلَا صَبرٍ ولاهمم

وَ عُمرُهَا ينقضى مِن غَيرِ فَائِدَةٍ
لم تَشترِ الدِّينَ بالدُّنيا ولم تَسُمِ

و من يبعْ آجلاً منهُ بعاجلِهِ
يجَنِى عَلَى نَفْسِهِ بِالغَمِّ و الأَلَمِ

وَمِن بَعدِ إِدرَاكِهِ مِقدَارَ سِلعَتِهِ
يَبِنْ لهُ الغبنُ فى بيع وفى سَلَمِ

إن آتِ ذنباً فما عهدى بمنتقضٍ
مِن الحبيبِ ولا رفدى بمنعدم

ولا وصالى وإمدادى بمنقطع ٍ
من النَّبىِّ ولا حَبلى بمنصَرمِ

فإِنَّ لى ذمةَ منهُ بتسميتى
باسمٍ شَر يفٍ كم تَعلو بهِ هِمَمِى

أَبُو عُمر كُنيتى و الإسمُ أذكُرهُ
محمداً وهُوَ أَوفى الخلقِ بالذِّمَمِ

إن لم يكُنْ فى مَعادى آخذاً بيدى
يَوْمَ الزِّحَامِ وحَشرِ الخَلقِ والأُمَمِ

وَمُنقِذِى مِنْ عَنَائِى بِالشَفَاعَة لى
فَضلاً و إلا فقل يَازلةَ القَدَمِ

حَاشاهُ أَنْ يُحرم الراجى مكارمَهُ
أَو يَرجِعَ الضَّيفُ مِنهُ غَيرَ مُغتَنِمِ

حَاشَاهُ أَن يُمنَعَ اللَّاجِى مَنَافِعَهُ
أو يرجعَ الجارُ منهُ غيرَ مُحتَرمِ

ومنذُ أَلزمتُ أَفكارى مَدائحَهُ
طَابَ الكَلَامُ بِمَدحِ الطَّاهِرِ العَلَمِ

وَ مُنذُ بَشَّرَنِى بَالخَيرِ فِى حلمى
و جدتُهُ لخلاصى خَيرَ مُلتزِمِ

و لن يفوتَ الغِنَى منهُ يداً تربتْ
وأصبحت من قليل المال فى عدم

إِذَا أَفَاضَ لَهَا مِن جَودِهِ مَدَدَاً
إنَّ الحيا يُنبِتُ الأزهارَ فى الأكَمِ

و لم أُرِدْ زهرةَ الدُّنيا التى اقتطفتْ
يَدَا كُلَيبٍ شُجَاعِ القَلبِ ذِى الهِمَمِ

ولَم أَرم جُملَةَ المَالِ الَّتِى جَمعَتْ
يَدا زُهير ٍ بما أثنى عَلىَ هَرِمِ

🌹💚 الفصل العاشر 💚🌹
فى المناجاة وعرض الحاجات

يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَالى منْ أَلوْذُ بِه ِ
إِلاك فى يوم حشر سائر النسم

وليس لى شافع أرجوه ينقذنى
سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحادِثِ الْعَمِمِ

وَلَنْ يَضِيْقَ رَسُوْلَ اللهِ جَاهُكَ بِى
يَا صَفوَةَ الخَلقِ وَالأَقوَامِ والأُمَمِ

وَلَن أَعرِفَ البَأْسَ إِن بشرتَنِى فَضلَاً
إِذَا الْكَرِيْمُ تَجَلَّىٰ بِاسْمِ مُنْتَقِم

فإِنَّ مِنْ جُوْدِكَ الدُّنيا وَضَرَّتَهَا
يَا قَاسِماً بَينَ الأقوام للنِّعمِ

وَ شافعا للورى ترجى شفاعته
وَمِنْ عُلُوْمِكَ عِلْمُ اللَّوْحِ وَ الْقَلَمِ

يَانَفْسُ لا تَقنطِى مِن زلَّة ٍ عَظُمَتْ
وَالْزَمِى صَادِقَ الأَحزَانِ والنَّدَمِ

وَ حَسِّنِى الظَّنَّ وَالأَخلَاقَ وَاجتَهِدِى
إِنَّ الْكَبَائِرَ فِى الْغُفْرَانِ كَاللَّمَمِ

لَعَلَّ رَحْمَةَ رَبى حِيْنَ يَقْسِمُهَا
على الخَلائِقِ وَ الأَقوَامِ و الأَمُمِ

أنالُ تَوبة صدق لست أنقضها
تَأْتِى عَلَىٰ حَسَبِ العِصْيَانِ فِى القِسَمِ

يارَبِّ وَاجْعَلْ رَجَائِى غَيْر مُنْعَكِسٍ
وَ فِيكَ حَبلُ رجائى غَيرُ مُنصَرِمِ

وَاجعَل جَزائِى نَعِيمَاً غَيرَ مُنقَطِعٍ
لَدَيْكَ وَاجْعَلْ حِسَابِى غَيْرَ مُنْخَرِمِ

وَ الْطُفْ بِعَبْدِكَ فِى الدَّارينِ إِنَّ لَهُ
مَديحاً للمصطفى يا بارئَ النَّسَمِ

وفَرِّج شدَّتهُ فى الدُّنيا فَإِنَّ لَهُ
صَبْراً مَتَى تَدْعُهُ الْأَهْوَالُ يَنْهَزِمِ

وأْذَنْ لِسُحْبِ صَلَاة ٍ مِنْكَ دَائِمَة ٍ
عَلىَ الحبيبِ بحرِ الجودِ والكَرمِ

يَفِيضُ مِنهَا عِطرٌ فَائحُ الشذا
عَلىَ النَّبِىِّ بِمُنهلٍّ ومُنسَجِمِ

مَارَنَّحَتْ عَذَبَاتِ الْبَانِ رِيْحُ صَبَا
وَفَاحَ عطرُ ورود ٍعندَ مُبْتَسِمِ

وَ ما ترنَّم طيرٌ فَو قَ ركبٍ سَرَى
وَأَطْرَبَ الْعِيْسَ حَادِى الْعِيْسِ بِالنَّغَمَ

واغفِر لِنَاظِمِ بُردَةِ المَدِيحِ بِمَا
أَبدَاهُ فِى نَظمِهِ مِن مَدحِ ذِى الكَرَمِ

واعفُ عَن مَادِحِى المُختَارِ مرشدنا
و جُد لهم بالهنا و الخير والنِّعَمِ

خادم شعراء المديح / محمد عمر عثمان
٢٩ / شوال/ ١٤٤٥ هجريا

© 2024 - موقع الشعر