إِرْقـــالُ الجُنُونْ - محمد عبد الحفيظ القصّاب

إِرْقالُ الجُنُونْ
*************

رُخامُ القَبرِ يَنْتَحِبُ
وآياتٌ ومُنقَلَبُ

وَأَعْشابٌ تَخِيطُ بِهِ
رِداءً زانَهُ العَجَبُ

ورُوحُكِ قدْ أَحاطَ بِها
رَقِيبٌ ناعِبٌ قُلَبُ

أَرُوحُكِ غَادَها زَمَنٌ
فَراقَ لَها بِنا العَتَبُ؟!

أَلَمْ تَحْزَنْ مَخاوِفُنا
فَهابَ الجُوعُ والسَّغَبُ؟!

ونامَ النَّومُ مُتَّشِحًا
وَظَلَّتْ آيَهُ الحُجُبُ

أَلَمْ نُطْعِمْ غَرائِزَنا
فَدامَ لَها بِنا الشَغَبُ؟!

وَقَدْ عَذَرَتْ عَواذِلُنا
فَجازَفَ دُونَنا النَّصَبُ

أَلَمْ نَعْقِدْ على سُرُجٍ
لِخَيلِ الشِّعرِ تَنْقَلِبُ

فَصِرْنا مِنْ تَدَحْرُجِنا
كَأَنَّ الشَّمْسَ تُحْتَطَبُ!

مَراقِصُنا مَسارِحُنا
يُمَثِّلُ فِيْهِما الخَشَبُ

رَتَتْ في سَطْحِهِ قَدَمٌ
أَفِيْهِ الرُّتْوَةُ الكَذِبُ؟!

تَدُلُّ فَيَهْتَدِي قَمَرٌ
إلى جَدَثَينِ يَنْجَذِبُ

يُوَشْوِشُ ضُوؤُهُ رِمَمًا
تُحادِثُهُ فَيَقْتَرِبُ

وَيَسْحَبُ لَيلَ غَفْوَتِهِ
فَيَنْسَى ثُمَّ يَنْسَحِبُ

كِلانا قَدْ مَضَى عُمُرًا
وَوَهْجُ العَظْمِ يَلْتَهِبُ

كِلانا صارَ في تُرَبٍ
يَحِنُّ لِبَعْضِهِ التُرَبُ

وَهَذا الدَّهْرُ مَرْجِعُنا
لِما كُنَّا لِمَ العَجَبُ؟!

أَهَذا الرَّكْبُ كانَ لَنا؟!
رُوَيْدًا أيُّها الصَّخَبُ

فَسَمْعِي لا يُهاوِدُنِي
يُشارِكُنِي بِهِ الطَّرَبُ

وَدَمْعِي لا يُجاوِبُنِي
كَأَنَّ الحِسَّ مُكْتَئِبُ

وَلَوْنِي جاءَ مِنْ كَدَرٍ
فَخالَطَ سِحْرَهُ الكَرَبُ

كَأَنِّي جِئْتُ مِنْ زَمَنٍ
تَراخَتْ عِنْدَهُ الحِقَبُ؟!

أَحِنُّ إِلَيْكَ يا غَضَبُ
أَكانَتْ عِنْدَكَ الشُهُبُ؟!

أَكانَتْ كُلَّما شَرِقَتْ
بِنَفْسِي زَجَّها الطَّلَبُ

سَبَتْنِي في أُنُوثَتِها
فَشاخَ شَبابُها الأَرَبُ

وَجاءَتْ غَيْرَ مُنْصِفَةٍ
فَنادَى دُونَها التَّعَبُ

وغاضَ الفَجْرُ وَانْقَشَعَتْ
ضَفائِرُهُ، وَيَنْسَكِبُ

أَلَيْسَ لِعاشِقٍ قَمَرًا ؟!
فَيَثْنِيهِ ..فَيَقْتَرِبُ؟!

أَلَسْتِ الحُبَّ في جَسَدٍ
يُراكِضُهُ فَيَلْتَهِبُ؟!

تَعالَيْ كِي أُسِرَّ بِها
تَعالَيْ عِنْدِيَ السَّبَبُ

لِمَ التِّرْحالُ عَنْ أَجَلِي ؟!
وَفي أَحْضانِيَ الهَرَبُ!

إِلَيَّ دَعِي مَقاصِلَنا
تَقُولُ دمًا وَتَكْتَتِبُ

تُقَطِّعُ في مَراقِصِنا
خَيالاً رَاحَ يَنْتَصِبُ

وَتُطْعِمُ في مَصائِرِنا
نَخِيلاً لَذَّهُ اللَّعِبُ

تَنَسَّمْنا هَواجِسَنا
فَأَقْلامُ الأَدِيمِ أَبُ!

سَقَتْنا أُمُّ مَرْقَدِنا
فَخَطَّتْ نَعْيَها السُحُبُ!

***************************
مجزوء الوافر

!قُلَبُ: المحتال البصير بتقلّب الأمور(القاموس المحيط)
تشرين أول –

93 محمد عبد الحفيظ القصاب (38 )

تعليقات الزوار

  • كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع الشعر.
  • التعليقات المنشورة غير متابعة من قبل الإدارة. للتواصل معنا اضغط هنا.

مناسبة القصيدة

بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين توطئة..بقلمي بعضُ الواقعِ يتخطّى الخيال،فالقصصُ ترتبطُ بخيالِ المؤلف، ولكنَّ نقلَ واقعةٍ حدثتْ، من أساطيرِ الحبِّ تجسَّدتْ أمامَ قنَّاصٍ شاعر، لابدَّ من تشكيلها كلوحةٍ خارجَ هذا الزمنِ المعتاد، فقد استنزفَ حتى الحلمِ في وجودِ مثيلٍ له. وكما نعتبرُ أنَّ كلَّ غيرِ اعتيادي هو ضربٌ من جنون!، فقد بلغَ الوفاءُ والعشقُ حدًّا، لن يتقبله العقل، فيتحولُ الواقع فيه لأسطورة. عاشقان..عكسَ القضاءُ حياتهما، فعاشا موتًا !..... " هو الموتُ مرَّةً أخرى , يَسْتَكُّ عنِ الحبّ , يحملُ غرابَه ينقرُ مرايا الزمن , فالأوّلُ هو آخرُ هذا الصُّراخ.........." محمد عبد الحفيظ القصاب
© 2021 - موقع الشعر