في وادي الحياة - نازك الملائكة

عُدْ بِي يا زورقي الكَلِيلا فَلَنْ نَرَى الشاطيءَ الجَمِيلا
 
عُدْ بِي إلى مَعْبَدِي فإنّي سَئِمْتُ يَا زَوْرَقِي الرَّحِيلا
 
وضِقْتُ بالموجِ أيَّ ضِيقٍ وما شَفَى البحرُ لي غَلِيلا
 
إلامَ يا زورقي المُعَنَّى نَرْجُو إلى الشَّاطِيءِ الوُصُولا؟
 
والمَوْجُ مِنْ حَولنا جِبَالٌ سَدَّتْ عَلى خَطْوِنَا السَّبِيلا
 
والأُفقُ مِنْ حَولنا غُيُومٌ لا نَجْمَ فِيه لَنَا دَلِيلا
 
كَمْ زَورقٍ قبلَنا تَوَلَّى وَلَمْ يَزَلْ سَادِراً جَهُولا
 
فَعُدْ إلى معبدي بقلبي وَحَسْبُ أيامنا ذُهولا
 
* * *
 
حسبُكَ يا زورقي مَسيراً لن يُخْدَعَ القلبُ بالسَّرابِ
 
وارجِعْ، كما جِئْتَ ، غيرَ دَارٍ قد حَلُكَ الجوُّ بالسَّحَابِ
 
وَمَلَّ مجدافُكَ المُعَنَّى تَقَلُّبَ الموجِ والعُبَابِ
 
ولم يَزَلْ معبدي بعيداً خَلْفَ الدياجيرِ والضَّبَابِ
 
يَشُوقُني الصَّمْتُ في حِمَاهُ وَفِتْنَةُ الأَيْكِ والرَّوَابي
 
عُدْ بيَ يا زورقي إليهِ قَدْ حَانَ ، يا زورقي ، إِيَابِي
 
مَا كَفْكَفَ البَحْرُ من دُمُوعِي ولا جَلا عَنّيَ اكْتِئَابي
 
فَفِيمَ في مَوْجِهِ اضطرابي؟ وأينَ ، يا زورقي ، رِغَابِي؟
 
* * *
 
تَائِهَةٌ ، والحياةُ بحرٌ شَاطِئُهُ مُبْعِدٌ سَحِيقُ
 
تَائِهَةٌ والظلامُ دَاجٍ والصَّمْتُ تحتَ الدُّجَى عَمِيقُ
 
يَا زورقي آهِ لَوْ رَجَعْنَا مِنْ قَبْل أَنْ يَخْبُوَ البَرِيقُ
 
انْظُرْ حَوَالَيْكَ ، أَيُّ نَوْءٍ تَجْمَدُ مِنْ هَوْلِهِ العُرُوقُ
 
البحرُ ، يا زَورقِي جُنُونٌ وموجُهُ ثَائِرٌ دَفُوقُ
 
وَكُلّ يَوْمٍ لَهُ صَرِيعٌ في هَجْعَةِ الموتِ لا يُفِيقُ
 
وَأَنْتَ في الموجِ والدياجِي يا زورقي في غَدٍ غَرِيقُ
 
فَعُدْ إلى الأمْسِ ، عُدْ إليهِ قد شَاقَني أَمْسِيَ الوَرِيقُ
 
* * *
 
مَاذَا وَرَاءَ الحياةِ ؟ مَاذَا ؟ أَيُّ غُمُوضٍ ؟ وَأَيُّ سِرِّ
 
وَفِيمَ جِئْنَا ؟ وَكَيْفَ نَمْضِي؟ يا زورقي ، بَلْ لأَيِّ بَحْرِ
 
يَدْفَعُكَ الموجُ كُلَّ يَوْمٍ أَيْنَ تُرَى آخِرُ المَقَرِّ
 
يا زورقي طَالَ بي ذُهُولي وَأَغْرَقَ الوَهْمُ جَوَّ عُمْرِي
 
أَسْرِي كَمَا تَرْسُمُ المقادِيرُ لي إلى حَيْثُ لَسْتُ أدْرِي
 
شَرِيدَةٌ في دُجَى حَيَاتِي سَادِرَةٌ في غُمُوضِ دَهْرِي
 
فَخَافِقٌ شَاعِرٌ ، وَرُوحٌ قَالَ لها الدَّهْرُ لا تَقَرِّي
 
وَنَاطَهَا بِالذُّرَى تُغَنِّي وَتَنْظِمُ الكَوْنَ بَيْتَ شِعْرِ
© 2022 - موقع الشعر