عاشقة الليل - نازك الملائكة

ظلامَ الليلِ يا طاويَ أحزانِ القلوبِ
 
أُنْظُرِ الآنَ فهذا شَبَحٌ بادي الشُحوبِ
 
جاء يَسْعَى ، تحتَ أستاركَ ، كالطيفِ الغريبِ
 
حاملاً في كفِّه العودَ يُغنّي للغُيوبِ
 
ليس يَعْنيهِ سُكونُ الليلِ في الوادي الكئيبِ
 
* * *
 
هو ، يا ليلُ ، فتاةٌ شهد الوادي سُرَاها
 
أقبلَ الليلُ عليها فأفاقتْ مُقْلتاها
 
ومَضتْ تستقبلُ الوادي بألحانِ أساها
 
ليتَ آفاقَكَ تدري ما تُغنّي شَفَتاها
 
آهِ يا ليلُ ويا ليتَكَ تدري ما مُنَاها
 
* * *
 
جَنَّها الليلُ فأغرتها الدَيَاجي والسكونُ
 
وتَصَبَّاها جمالُ الصَمْتِ ، والصَمْتُ فُتُونُ
 
فنَضتْ بُرْدَ نَهارٍ لفّ مَسْراهُ الحنينُ
 
وسَرَتْ طيفاً حزيناً فإِذا الكونُ حزينُ
 
فمن العودِ نشيجٌ ومن الليلِ أنينُ
 
* * *
 
إِيهِ يا عاشقةَ الليلِ وواديهِ الأَغنِّ
 
هوَ ذا الليلُ صَدَى وحيٍ ورؤيا مُتَمنِّ
 
تَضْحكُ الدُنْيا وما أنتِ سوى آهةِ حُزْنِ
 
فخُذي العودَ عن العُشْبِ وضُمّيهِ وغنّي
 
وصِفي ما في المساءِ الحُلْوِ من سِحْر وفنِّ
 
* * *
 
ما الذي ، شاعرةَ الحَيْرةِ ، يُغْري بالسماءِ ؟
 
أهي أحلامُ الصَبايا أم خيالُ الشعراء ؟
 
أم هو الإغرامُ بالمجهولِ أم ليلُ الشقاءِ ؟
 
أم ترى الآفاقُ تَستهويكِ أم سِحْرُ الضياءِ ؟
 
عجباً شاعرةَ الصمْتِ وقيثارَ المساء
 
* * *
 
طيفُكِ الساري شحوبٌ وجلالٌ وغموضُ
 
لم يَزَلْ يَسْري خيالاً لَفَّه الليلُ العريضُ
 
فهو يا عاشقةَ الظُلْمة أسرارٌ تَفيضُ
 
آه يا شاعرتي لن يُرْحَمَ القلبُ المَهِيضُ
 
فارجِعي لا تَسْألي البَرْقَ فما يدري الوميضُ
 
* * *
 
عَجَباً ، شاعرةَ الحَيْرةِ ، ما سرُّ الذُهُولِ ؟
 
ما الذي ساقكِ طيفاً حالِماً تحتَ النخيلِ ؟
 
مُسْنَدَ الرأسِ إلى الكفَينِ في الظلِّ الظليلِ
 
مُغْرَقاً في الفكر والأحزانِ والصمتِ الطويلِ
 
ذاهلاً عن فتنةِ الظُلْمة في الحقلِ الجميلِ
 
* * *
 
أَنْصتي هذا صُراخُ الرعْدِ ، هذي العاصفاتُ
 
فارجِعي لن تُدْركي سرّاً طوتْهُ الكائناتُ
 
قد جَهِلْناهُ وضنَتْ بخفاياهُ الحياةُ
 
ليس يَدْري العاصفُ المجنونُ شيئاً يا فتاةُ
 
فارحمي قلبَكِ ، لن تَنْطِقُ هذي الظُلُماتُ
© 2024 - موقع الشعر