الطوفان الأسود - محمد الفيتوري

لقد غسل النور أرضك..
حتى سراديبك الرطبة المظلمة
مشى الفجر فيها بأنفاسه..
يفضض أيامك القادمة
فهل تسمعين أغاني الزنوج
تدوي مثقلة بالحياة
وهل تبصرين وجوه العبيد؟
تقهقه حول نعوش الطغاة!
لقد كنت مقبرة، ضخمة
تدوس عليها خيول الغزاة
وكنت بقية أسطورة.. ملوثة
بصقتها الشفاه!
"بلاد العبيد.! إفريقيا.."
يا بلاد الزنوج الحفاة العراه
نرى كيف يمشون في عريهم
وكيف يعيشون خلف الحياة؟
"وأجسامهم
ذلك الأبنوس العجيب!
المفصل مثل البشر
ونيرانهم في شعاب الجبال
وأطغاهم في بطون الشجر.."
متى أجد المال؟
كي أشتري حذاء، وكلبا، وثوبا جديد
وأمضي إلى أرض أفريقيا
لأصطاد قافلة من عبيد!"
فإني امرؤ أبيض كالثلوج
ولست عظيما لأني فقير
وقد كان لي رفقة..
ثم عادوا سراة عظاما
فلم لا أسير؟"
لكم أشتهي جسدا دافئا
مهيبا.. لزنجية جامحة
فقد قيل إن لحوم الجواري
لها نكهة.. ولها رائحة..
بلاد الكنوز.! إفريقيا
* * *
يا بلاد الزنوج الحفاة العراة
سآتيك يوما.. كغاز جديد
يريد الغني، ويريد الحياة"
* * *
كذلك عشت ألوف السنين
تخزين، فوق خطايا وثن..
إلى أن تسلل ضوء الصباح إليك
فمزقت عنك الكفن
وقمت كماردة تتلقى الضحى
وتحول مجرى الرياح
وتحفر تاريخها من جديد
على جبهة الشمس حفر الجراح!
فهل تسمعين أغاني الزنوج
تدوي مثقلة.. بالحياة
وهل تبصرين وجوه العبيد
تقهقه حول نعوش الطغاة!
* * *
كذلك كان يغني لها
ويقرع ناقوسه في جنون..
وإن لم تزل تتلوى القيود على قدميها
وتبني السجون على أرضها..
وتقام المشانق ترتجل الموت في كل حين..!
فقد كان يحمل في روحه
تمرد أجداده أجمعين
* * *
تمرد جد قضى ليلة يصب المياة على الموقد
ولما أبي..!
مزقته السياط
فحطم جمجمة السيد؟
وآخر كانت تنام الشياه وتصحو
على صوت مزماره
وفي ليلة، كفرت روحه
بجزارها، وبجزاره
فهب، فأشعل أحقاده
فسالت جحيما بوجه الصم
وأبصره الغد فوق الرمال
تكفنه عزة المنتقم!
* * *
وآخر أسود بادي العبوس
طويل، رفيع، كصاري سفينة
وقد حدثوا أن ميلاده
بإحدى ليالي الشتاء الحزينة
كما حدثوا أن أول جيش من البيض
دنس أرض الوطن!
ينام بمقبرة حفرتها محاريثه
خلف سور الزمن
وقد كان يؤمن في عمقه
بحرية السود، والكادحين
وحتى الطغاة الذين انتهوا
وآلهة البشر الساقطين..
* * *
وكالموت حين يغطي الحياة
بأفراحها، وبأحزانها
وكالصمت حين يضم الحقول
بأصواتها وبألوانها
تراءت له مثل صفصافة
تفيء إليها جموع الظلال
وكانت أكف الهجير الضرير
تسمر أقدامه في الرمال
فوسد أحزانه صدرها
وأطبق أجفانه في سكون
كميت تداعبه موجة
وتهوي به في اصطخاب حزين
وراح يرى ملء أحلامه
جزائر غارقة في الغمام
يظلها نغم أزرق..
شفيف، شفيف بلون السلام
وكانت هنالك عند الشمال
حقول متوجة بالغلال
وقوم من السود مستغرقون
يرصون أكداسها في التلال
وأصواتهم وزغاريدهم
ترفرف صاعدة من بعيد
كما يتصاعد كل صباح ضباب الحقول
ببطء شديد
وحين تصف طيور الغروب
على الأفق أجنحها المذهبات
وتمضي تنقر ثوب السكون
بكل مناقيرها المتعبات
تراهم يلوحون فوق الدروب
أو يتوارون خلف الشجر
وهم عائدون إلى دورهم
بأيد مثقلة بالزهر
* * *
وأسكره حلمه العاطفي
فبعثر أشواقه أجمعين
وعانق إخوانه باكيا
ومد يديه إلى الآخرين
وهزته أفراحه.. فأفاق
على ظل صفصافة واقفة
وكانت جموع الزنوج العراه
تحركها ثورة العاصفة
فسار يغني مع السائرين
مهم زاحفون إلى الطاغية
ويحفر فوق جدار الزمان
أغاني إفريقيا الدامية!
© 2024 - موقع الشعر