إلى من يهمه الشعر 10 - أحمد علي سليمان

ألا إن معيار الطفولة قد مَضى
وربُّ الوَرَى عن كل خسرك عَوَّضَا

يُعوِّضُ عبدٌ عن بلاءٍ ومِحنةٍ
إذا عاش يَلقى ما يُكابدُ بالرِّضا

وكنتُ تجاوزتُ الطفولة والصِّبا
وسابقَ عَهدٍ عنه قلبيَ أعرضا

وناولني شعري انطلاقاً وصَحوة
وعزماً غدا كالنار في جَمرة الغضى

وخانَ القريضُ العذبُ وجهة شاعر
وما استطاع أن يأبى السُّقوط ويرفضا

فغازلتُ مَن أهوى بكل ترفع
بشعر كمِثل البرق إنْ هو أومضا

عَفيفاً شريفاً كان شعري ، فما احتوى
سُفولاً وتمييعاً ولا الباطلَ ارتضى

فلمَّا يَصِفْ (ليلى) ، فما هو قيسُها
ولكن بمن يهوى تغنى وعَرَّضا

فأضناه طعمُ الحب قبل تذوق
وأشقاه لونُ الحب إذ كان أبيضا

فواسى عشيقاً حيَّرتْهُ مشاعرٌ
فحَلَّ رياضَ الشعر ضيفاً وفضفضا

فآنسَ في الشعر العفيف وداعة
وقال: ادَّكر ما بات جَفنيَ مُغْمَضا

وأسهرني عِشقٌ تعقبَ راحتي
فما يَصنعُ الإنسانُ إنْ خيَّمَ القضا

أيا شعرُ أحببتُ التي لا تريدُني
وكان عسيراً أنْ أمَرِّر ما مضى

وصارحتُ ، لكنْ كذبتْني مُروءتي
وإذ جرَّحَتْ (ليلايَ) ضاقَ بيَ الفضا

وعَنفَ إحساسي ضميرٌ معذبٌ
وجَيبٌ خلا لم يبق فيه سوى اللضى

وحالٌ بئيسٌ في ديار تعيسَةٍ
وحُبٌ دَهاه الوَجدُ ، فاعتلَّ وانقضى

وعانى مِن التهميش يَكوي طيوفه
فقاسى ضَياعاً عاتيَ الوَقع مُمْرضا

فعُدتُ إلى الشعر المُعَنى أبُثه
شكاوى فؤادٍ بالمَقاريض قرِّضا

تُعَذبه الأحوالُ أرغتْ وأزبدتْ
ويَهجو عَشيراً دائمَ الخذل مُعرضا

فطالعتُ أسفارَ العلوم تكلفاً
فطِرتُ بها فرْحاً وما كنتُ مُبغضا

فأغنانيَ العِلمُ المُفيدُ عن الهوى
فأضْمَرتُ في نفسي التجلدَ والمَضا

وفوَّضتُ أمرَ الحُّبِّ لله خالقي
ويُفلحُ أمرٌ للمهيمن فوِّضا

فعُلمتُ عِلمَ الشرع والشعر قبله
ولم أكُ مُختاراً فربي الذي قضى

وأقبلتُ إقبالاً تسامى نظيرُه
وقررتُ أنْ أسعى لعِلمي وأركضا

نفضتُ غبارَ النوم عن عين باحثٍ
غّبارٌ حَريٌ أنْ يُوارى ويُنفضا

وما كان في قلبي سوى حُب خالقي
فألفيتُه حُباً على الخير حَرَّضا

لهذا نهضتُ ، إنَّ هذا هو الهنا
ومثلي جديرٌ أنْ يَقوم ويَنهضا

ولم أنقُض العهدَ استبانتْ بنودُهُ
فكيف لمِثلي أنْ يَخون ويَنقضا

وقوَّضتُ بُنيان الصَّبابة عامِداً
وأخلِقْ به إمَّا افترى أنْ يُقوَّضا

وأثمانُ ما قدَّمتُه عند رازقي
وعمَّا قريب سوف أدْعَى لأقبضا!

مناسبة القصيدة

(إن عامي الساس عشر كنتُ فيه قد برحتُ ساحة الطفولة المتأخرة! وصرتُ في عِداد اليافعين الراشدين المكلفين! والله عز وجل جعلني أخوضُ غِمار مُناهزةٍ هادئةٍ مُنضبطةٍ بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم! وساعدَني شعرُ القِيم جداً على اجتياز مَخاطر جثيمة! حيث إنني آليتُ على نفسي ألا أكتبَ غيرَ شعر القِيم والمبادئ! وحتى عندما جاريتُ مَن يكتبون شعر الغزل من الشعراء كنتُ إلى حدٍ بعيدٍ مُنضبطٍ ، فلا انزلاق إلى إسفافٍ ولا تقليدَ لفسقة الشعراء! وعموماً أتيتُ على هذه القصائد فتنازلتُ عنها جميعها ، ولم أوردها أبداً في ديوان: (السليمانيات)! وعاشتْ هناك على الهامش! ذلك أن الله تعالى أبدلني منها أخرى عظيمة الشأن! والدليل على هذا ما أعقب هذه القصائد التي تعد على أصابع اليد الواحدة ، من دواوين بأكملها ، ومن بينها ديوان يحمل اسم صاحبته التي أحببتها في الله تعالى وعلى نور منهولقد كانت طفولتي كنزًا من الذكريات التي تجعلني أبتسم في كل مرةٍ أفكر فيها ، حتى لو كانت مؤلمة مؤذية! وصحيح أن الطفولة مضت لحال سبيلها ، لكن ذكرياتها ظلت محفورة في ذاكرتي. ولكم أحببت النوم في حضن والديَّ الراحلين ، تلك اللحظات جعلتني أشعر بالأمان دهراً! والحقيقة أن ذكريات الطفولة تساعدني على الهروب من ضغوط الحياة وتذكر البساطة!)
© 2026 - موقع الشعر