علي محمود الجمال - أحمد علي سليمان

فخرَ القريضُ بصُحبة الجَمَّالِ
وهفا إليه برقةٍ وجَلالِ

وتذكرَ القلبُ الصَّداقة كابَدَتْ
ألمَ النوى ومسافة الأميال

وتذكرَ السَّهراتِ أيامَ الصِّبا
ومُناقشاتٍ عَذبة الأقوال

وتذكرَ النكَتَ المُسَليَة احتوَتْ
عِبَراً تُواكِبُ ضِحْكَنا المُتتالي

وتذكرَ القِصَصَ اسْتمَتْ بدروسها
عن كل واحدة كتبتُ مَقالي

وتذكرَ الجَدلَ الطويلَ يَشوقهُ
لولا المحبة ما احتفى بجدال

وتذكرَ الأفكارَ تُسْعِدُ خاطِراً
وتأمُّلاتٍ جَمَّة الأمثال

وتذكرَ الآراءَ تُبْهجُ ذا النهى
والفِكرُ يَصعدُ سُلمَ الإعمال

وتذكرَ الفتوى يَصِحُّ دليلها
كي لا يَرُوجَ مُحَرَّمٌ بحلال

وتذكرَ الترحال بين مَرابع
فوقَ السُّهول مَحُوطة برمال

سَيراً على الأقدام تحدونا القرى
بين المُروج ، وفوق شُمِّ تلال

وإذا ركبنا وحدَنا درَّاجة
تطوي الدُّروبَ لها بَهيُّ جمال

أنا ما نسيتُكَ يا(عليُّ) فكم فخرْ
تُ على المَلا بعليٍّ الجَمَّال

وذكرتُ حُلو الذكرياتِ ومُرَّها
وبَكيتُ مِن قلبي على الأطلال

وأسِفتُ أنْ سافرتُ يَقتُلني الأسَى
لفراقِكم مَن للفؤاد السالي؟

مَن يَضْمِدُ الجُرحَ احتوتْهُ دِماؤهُ
مِن بعد أنْ فقدَ الصديقَ الغالي؟

مَن يَسمعُ الشَّكوى تئِنُ بداخلي
فيُجيبُها بالنصح والأفعال؟

مَن يا تُرى يَهدي غريباً حائراً
في غربةٍ لم تُحسِن استقبالي

مَن ذا يَصُدُّ أراذلاً لم يرحموا
ضعفي ، وكالوا سييءَ الأنكال؟

مَن ذا يُناصِحُ كي يُبَلغني النجا
مِن جَوقة السُّفهاء والأنذال؟

مَن ذا يُقدِّمُ توصِياتٍ تجتني
ثِقلَ البلاء المُدقع المُتوالي؟

مَن ذا يُخَففُ أدمُعاً لولا الأسى
لم تنهطلْ إلا الخبيرُ بحالي؟

سِرِّي لديك وذِكرياتُ إخائنا
لم يَطلع أحدٌ ولو مِن آلي

يوماً عليها لا أخٌ أو أختُهُ
وكذا مِن الأعمام والأخوال

وعَلِمتَهُ عني لشدَّة وُدِّنا
ومَحبةٍ في ربنا المُتعالي

أعلمتُك الأخبارَ عني واثقاً
أن لا تُقال لمُغرض أو قالي

وكم استشرتُك في الأمور تعثرَتْ
واسْتشْكلتْ فاحترتُ في استشكالي

وكم انتصرتَ لفكرةٍ ألقيتُها
مِن بعد أنْ قصَّتْ مِن الجُرنال

وكم اتفقنا واختلفنا ، والإخا
لمَّا يَشُبْهُ تقلبُ الأحوال

وأتيتُ دارك زائراً ، فمنحتني
مِن مَكرُماتك طيِّبَ الأفضال

وتوافدَ الأضيافُ يرجون القِرى
بُشرى لهم ، وفدوا على مِفضال

سيجودُ بالموجود دون تلكؤ
وكأنه يحيا على مِنوال

والشاي بعد الأكل قد بذِلا لمن
وطيء الحِمى مِن سابق أو تالي

وقرأتُ مِن شِعري ، وإنك مُنصِتٌ
وسترت بعد تذوُّق إخلالي

ما ضِقتَ بالأشعار ذَرعاً مِثلما
أفضَتْ إليَّ حُثالة الجُهَّال

شَجَّعتَ خِلكَ دون جَرح مَشاعر
وجَهرتَ بالتشجيع باستبسال

وجَبرتَ خاطرَه ، وصُنت ودادَهُ
هذي وربي مِن جَميل خِصال

ودفعتَه دفعاً لصَقل هوايةٍ
كي يبلغ الهاوي حُدودَ كَمال

وأمرته أنْ يَستزيدَ تبحُّراً
لينال في التقصيد خيرَ نَوال

فتلا قصائدَه ليُطربَ سامعاً
والسامعُ استرعى انتباهَ التالي

ولأنت أكبرُ في المَقام وفي الحِجا
ولذا هزئتَ بعُقدة الأجيال

فأذابتِ الفرقَ الكبيرَ صَداقة
فإذا سُئلتُ أجيبُ: هذا خالي

وصَحِبتُ مِن قومي الكِبارَ ترَفعاً
إذ صُحبة الأتراب شَرُّ سِجال

أنا فيك ما كَذبْتُ بُعدَ فِراستي
إنَّ الصَّديق العَفَّ صَعبُ مَنال

لم تُلفَ يوماً حاقداً أو حاسداً
تُلقي العيونَ تفوقُ كلَّ نِبال

لم تستغِلَّ صَداقة ، بل قلت لي
تُزري صَداقتُنا بالاستغلال

ونصحتني نصحاً أراه وصية
ووعظتَ وعظاً دونه آمالي

لكنني لم أنتصِحْ ، فزجرتني
زجراً يُدَعِّمُ ذمَّ الاستعجال

فجعلتُ نصحَك خلفَ ظهري عامداً
ورأيتُ أهلاً حِفنة الأرذال

وكأنما سِحرٌ يَقودُ جَوارحي
والعقلُ غلَّ بأصلب الأغلال

والقلبُ مأخوذ ، وليس مُخَيَّراً
وعليه أصنافٌ مِن الأقفال

وانصَعتُ للأهواء أزعُمُ أنني
في رَدعها بَطلٌ مِن الأبطال

والحق أني سربلتْني كَبوتي
وكأنما واجهتُ شَرَّ زوال

والأرضُ ما احتملتْ تثاقلَ خطوتي
فثباتُها عانى مِن الزلزال

أدَّيتَ واجبَك الذي كُلفتَهُ
وأنا الذي استسلمتُ للأهوال

هذا نصِيبي باختياري ، ليتني
ما انصَعتُ للمُتملِق المُحتال

وكرامتي نِيلتْ وجَندلني الجَوى
لولا الهوى ما شِدتُ بالمِقوال

سامحْ لعلَّ اللهَ يَغفرُ زلتي
وكفى الذي عاينتُ مِن إذلال

وتقبَّل الأعذارَ دامعة الصُّوى
فعسى إلهُ الناس يُصْلِحُ بالي

أسدَيتُ مَعروفي لغير أحبتي
وزعمتُ حُباً يُشترَى بالمال

لم أجْن غيرَ شَقاوةٍ في غربتي
وغدا انصلاحُ الحال مَحضَ خيال

والمسرحيَّة أغلقتْ أستارُها
كم صَفق الجُمهورُ للأبطال

أنا يا(عليُّ) على القطيعة نادمٌ
وعسى يكونُ الشِّعرُ بعضَ وصالي

سَلمْ على (فهميْ) و(حسنيْ) ، والمَلا
وعلى النسا والأهل والأطفال

سَلمْ على (أمِّ الوليد) وقل لها
إني أقاومُ مَوجَة استهبال

سَلمْ على (دكتورتي) ، وارفقْ بها
هي في التأنق مَضربُ الأمثال

وأبو البنات ثقيلة أحماله
في الشَّرع هن خفيفة الأحمال

لكنَّ عُرفاً جاهلياً ظالماً
جعل البناتِ يَغصْن في الأثقال

ولأهل بيتكَ يا صديقُ تحيتي
سَلمْ على الأصهار والأنجال

وإلى لقاءٍ كم أقاسِي بُعدَهُ
أدناهُ ربي الواحِدُ المُتعالي!

مناسبة القصيدة

(من الأصحاب القدامى الذين صاحبتُهم في مستهل شبابي أبو وليد علي محمود الجمال! وعلى عادتي ما كنتُ أصحاب ولا أصادق من أترابي ولا زملائي الكثير! بل كنت أحب مصاحبة الكبار بقطع النظر عن شهاداتهم ومستوى تعليمهم! فقط كنت أنشد تجربتهم في الحياة ، وما حصلوه من علم بسيط وأدب رفيع وخلق متواضع! ولذلك كان أغلب أصحابي وأصدقائي يكبرونني سناً ، ولقد أكون في مقام الابن أو الحفيد لأغلبهم! ولكنها الصداقة ليس من بين قوانينها ولا معاييرها السن أو الجاه أو المال! وإن هي إلا أرواح كالجنود المجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف! كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكنت قد سافرت عن صاحبي علي (الجَمَّال) ، وأرسل لي ، بعد حين يشبه القطيعة بيننا ، رسالة يزعم فيها أنني نسيته واستغنيت في غربتي بأموالي وأصحابي الجدد ، عن أصحابي وأصدقائي في مصر! فكتبتُ له هذه القصيدة أعبر فيها عن مدى شوقي ، وأثبت فيها أنني اليوم على ما كنت عليه بالأمس ، ولو حيزتْ لي كنوز الدنيا! ولم أطلِع على هذه القصيدة العجيبة أحداً ، لا قريباً متجهماً ولا بعيداً متزعماً! بل جعلتها طيَّ الكتمان! ولم أوردها في أي ديوان إلى أن جاء دَورها لتكون بين قصائد آخر دواويني: (صيدلي الغلابة)! نفع الله بها وبسائر ما كتبتُ من الشعر! وكم تمنيتُ على الله أن تعود أيامي الحلوة وذكرياتي العذبة التي عشت فيها مع علي الجمال فألفيته الصاحب الطيب المحترم والصديق الوفي المثقف! ولا أزكي على الله ربي أحداً! وإنني لأعتــذر كل الاعتــذار على أي تقصير بدر مني بقصدٍ أو بغير قصد ، بنية أو بغير نية!)
© 2026 - موقع الشعر