بين البهلول والجارية - أحمد علي سليمان

سَبَرَ البُهلولُ أحوالَ الإما
بعد أن ألقى الجوابَ المُفحِما

غرَّ بَلها ما ارتدَتْ مِن صِيغةٍ
ظنتِ الأموالَ تُعْلي القِيَما

ناولتْ بُهلولَ إفكاً مُفترَىً
فهل البُهلولُ أضناهُ العَمى؟

سألتْهُ: كم أساوي؟ لم يُجِبْ
فأجابتْ بعد صَمتٍ خَيَّما

ألفُ دينار أراها ثمني
ويَزيدُ المشتري – إي – ربما

فانبرى البُهلولُ يُلقِي درسَهُ
لم يعُد من بعد صمت أبكما

قال: لا يُغليكِ إسمٌ لامِعٌ
مَن مِنَ الناس بأسماءٍ سما؟

اسمٌ اشْتُقَّ مِن اللولو ، فهل
فقتِ في الحُسن اللآليْ اليُتما؟

أمَة بيعتْ ، فكانت سِلعة
لم يُرد مَن يشتريها مغنما

ألفُ دينار تُكافي حِلية
ولباساً فوق جسم ، والدُّمى

لا تُساوين سوى المال الذي
أعطِيَ التاجرُ في سُوق الإما

وأنا بالعقل ساويتُ الدُّنا
حِكمتي أهدتْ لعقلي بَلسما

لم أعُد أشكو غروراً يَجتني
عِزة النفس لأحيا مُرغما

قِيمتي ما حُزتُه مِن حِكمة
ليس نصٌ في مَداها مُبهما

كلما ناولتُ فرداً نفحة
فهِمَ الفحوى ، ورمزي ترجَما

إنْ أكنْ في الناس بُهلولاً خبا
نجمُه ، فحْوايَ صارت أنجُما!

مناسبة القصيدة

(يُحكى أن هارون الرشيد ، خليفة المسلمين ، رحمه الله تعالى ، أهدى زوجته زبيدة ، رحمها الله تعالى ، جارية فائقة الجمال والذكاء ، تدعى "لؤلؤة". وكانت لؤلؤة مشهورة ليس فقط بحسنها ، بل أيضاً بكبريائها وغرورها بسبب ثمنها الباهظ ومكانتها الرفيعة في القصر! وفي أحد الأيام ، كانت لؤلؤة تسير في حديقة القصر ، مرتديةً أجمل الثياب ، وتتباهى بمجوهراتها أمام الخدم والحاشية. وبينما هي كذلك ، رأت بهلول - الذي كان يُعتبر مجنوناً ولكنه حكيم - جالساً على الأرض يلعب بالتراب. فقررت لؤلؤة أن تسخر منه لتسلية نفسها ، فاقتربت منه وقالت له باستهزاء وغطرسة: يا بهلول ، لماذا تجلس هكذا بين الأوساخ؟ أنا جارية تزن ألف دينار! فكم تظن كم قيمتك أنت؟! فضحك بهلول ضحكة خفيفة ، ثم نظر إليها بعين الحكيم لا بعين المجنون ، وقال لها بلسان الواثق: أنتِ؟ كم تظنين قيمتك؟ إذا كانت قيمتك ألف دينار ، فإني أقدر قيمتي بـمئتي دينار (200 دينار)! فغضبت الجارية وتملكتها الدهشة من رده ، كيف يقارن نفسه بها ويدعي هذه القيمة. فقالت له بغضب: أتهزأ بي يا بهلول؟ أنتَ لست أكثر من مجنون! كيف تسوي نفسك بي وأنا جارية تساوي ألف دينار؟! فأشار بهلول بيده إلى العقد الثمين الذي كانت ترتديه لؤلؤة ، وقال بهدوء: يا لؤلؤة ، لقد أسأتِ فهم الحساب. أنتِ لم تعرفي القيمة الحقيقية لثمنكِ. إن قيمة ألف دينار هذه هي ثمن ثيابك ومجوهراتك وجمالك الخارجي فقط. أما الجارية نفسها ، الجسد ، فهو لا يساوي شيئاً بعد أن يزول بريق الزينة!)
© 2026 - موقع الشعر