قهوة رحاب 2 - أحمد علي سليمان

رحابُ جئناكِ أضيافاً فحيينا
وإنْ سَقيْتِ نشامى الحَيِّ فاسْقينا

جئناكِ تسبقنا الأشعارُ حادية
تُزجي الطيوفَ ، وتستملي التلاحينا

جئناكِ أفئدة فاضَتْ سكينتُها
تُرَجِّعُ اللحنَ إطراءً وتدشينا

جئنا ضمائرَ لم تُحجبْ بصائرُها
تُبيِّنُ الحق بالأشعار تبيينا

جئنا قرائحَ قولُ الشعر يُتحِفها
فبات بالعز والإقدام مَقرونا

جئنا عزائمَ ما كلتْ ولا فترتْ
وأودعتْ في القراطيس المضامينا

جئنا مغاويرَ تحدُونا قضيتُنا
في عَرضها للورى لم نعرف الهونا

جئنا أساطينَ في شِعر ألِينَ لنا
والشعرُ إما التوى لا يعرفُ اللينا

لكنَّ سادته يُفرون عُجمته
والشعرُ يُكْبِرُ في الشُّعَرا الأساطينا

لنا (أخوَّاتُ) يا(رحابُ) أربعة
لم تشْكُ يوماً على التحقيق تزكينا

أخوَّة الدِّين ، هل شيءٌ يضارعُها؟
إن الحفاظ عليها بات مسنونا

وفي العروبة زانتنا أخوَّتُنا
ذي نسبة زانتِ الأنسابَ تزيينا

وجَمَّلتْنا لسان الضاد عن رغم
وتلك ثالثة ، ما قلتُ تدشينا

وذي أخوتنا في الشعر رابعة
رباطها في المعالي ليس مشعونا

جئنا رحابَكِ يا(رحابُ) عن رَغب
وما جهلنا على الدرب العناوينا

تَطوَّعَ الشعر جَزلاً أن يُعرِّفنا
يُبدي اليقينَ ، ولم يُوردْ أظانينا

مُرَحِّباً بعُكاظٍ ضمَّ أربعة
وسادنُ السُّوق قد حاز النياشينا

أما (رحابُ) فصَبَّتْ عذبَ قهوتها
والهيلُ نافسَ رَيْحاناً ونِسرينا

لضيفها بَذلتْ أبياتها دُرراً
كانت لمن حضروا قِرىً وعُربونا

سَمَارُ قهوتها يَزيدُها ألقاً
وكم يُحَسِّنُ في المَذاق تحسينا

جادتْ بقهوتها السَّمرا ، وما بخِلتْ
والضيفُ ثمَّنَ ما حَطتْه تثمينا

كَفّاكِ حار النهى في فرط جُودهما
إني أرى الجودَ بالموجود مضمونا

كفٌ بها قهوة طابتْ عُذوبتُها
وليس شاربُها بالضُّرِّ مَرهونا

وباليراعة كفُّ الشِّعر ما فتِئتْ
تجود بالشِّعر مَلء (الفيس) يُشجينا

رحابُ أحييتِ يا فضلى مساجلة
يحيا القريضُ بها غضاً ومَيمونا

على حَداثة سن حُزتِ منزلة
مِن الإجادة ، إذ فقتِ الدَّهاقينا

تبارك الله ما في مِدحتي حسدٌ
ذِكرُ المهيمن يُقصِي الشرَّ والهونا

أعطاكِ ربُّكِ يا(رحابُ) مَوهبة
على تفرُّدها سُقتِ البراهينا

أطرى مُحِبُّوكِ إطراءً يَليقُ بهم
وطرَّزوا جُمَلاً تحوي الأفانينا

والمُعجبون بما قصَّدتِ مِن مُلَح
فاقَ الذي كتبوا فيكِ القرابينا

فهل قبولٌ من الرحمن خَصَّ بهِ
رحابَ ، ثم غدا عِزاً وتمكينا؟

أعودُ للقهوة السمراء نكهتِها
سَبَتْ ضيوفاً أعزوا العُرفَ والدِّينا

يُساجلون ، بهم أشعارُهم فخرَتْ
وكم تُقدِّمُ أشعارٌ مَيامينا

واسألْ (رَئيفاً) عن الإبداع وظفهُ
في خدمة النصِّ حتى صار مَصوونا

إن (ابن كيوانَ) قد سَمَتْ قصائدُهُ
ونعمَ شِعراً مُقفىً ثم موزونا

و(اللاذقيَّة) بالمِقدام كم شَرُفتْ
شذى قصائده فاقَ الرياحينا

وإنْ تُطالع مِن الأشعار أحدثها
تُحِسُّ أنك قد زرت البساتينا

ولستُ أحصي الهُواة المُعجبون بهِ
ولا أخمِّنُ عَدَّ الناس تخمينا

لكنما (الفيسُ) أحصاهم وصَنفهم
مُدَوِّناً زمَرَ الأعضاء تدوينا

ولستُ أنسى (إياداً) في شَرافته
في صَوْغِه الشعرَ بالإبداع مَدهونا

له سَرِيُّ مَعان لا يُطاولهُ
إلا الذي صار بالتقصيد مفتونا

خَبَرتُه شاعراً يزهو القريضُ به
وسَمتُه ليس بين الشُّمِّ مَغبونا

مضى يُساجلُ لا أمْتٌ ولا عِوَجٌ
ولا رَكاكة تغزو نصَّه حِينا

عَجينة كانت الألفاظ في يده
فصاغ شعراً بحُسن السَّبكِ مَعجونا

جارى (رحاباً) ، وما أزرى بقهوتها
وسِرُّهُ كان في الأبيات مَكنونا

لقهوة اليمن السعيد شهرتُها
وأعجبَ الطعمُ في الدنيا الملايينا

سل الجبالَ تُسَليها زراعتها
سل الهضابَ ، وسَل بعدُ الفدادينا

وسل (حِرازاً) وسل (مُوكا) وسل لحَجاً
عن جُودة البُّن تستهوي الدَّهاقينا

رحاب هيَّجْتِ ما في القلب مِن شجن
أمسى بوخز الجَوى والوَجد مَشحونا

يأسى على اليمن السعيد جَندله
بأسُ الحروب ، وبات الجَوُّ مَدخونا

عساهُ يَخرجُ مِن شَجوى تُسربله
ويستعيدُ شُموخاً ظلَّ مدفونا

عسى المهيمنُ أن يُعيد صَولتهُ
ويُصْلحُ اللهُ دنيا الناس والدِّينا

رحابُ عن قهوة (الشهباء) كم كتبتْ
والبن جاورَ خوخ الشام والتينا

مَرارة البُّن قضَّ التينُ مَضجعَها
والله وحَّدَ ماء الكلِّ والطينا

ومحنة الشام تؤذينا وتجرحُنا
ويُدمعُ العينَ ما يُردي الميادينا

عسى يعودُ لها مجدٌ ومَكرُمة
وينصرُ الله آساداً عرانينا

بنو أميَّة خصُّوهم بنجدتهم
فطهروا الأرضَ ، واجتثوا الشياطينا

رحابُ أثقلتُ ، والقريضُ غرَّرَ بي
وما تفطنتُ للتغرير تفطينا

فلتقبلي العُذر ، إن العذر مُلتمَسٌ
بات القبولُ لدى العصماء مَضمونا

وقاكِ ربُّكِ ما نحياهُ مِن فِتن
وحاسبَ الله فتاناً ومفتونا

وحسْبُك الله في سِرٍّ وفي عَلن
وأمرُ ربِّكِ كافٌ تسبقُ النونا

وعِشتِ ما عشتِ في جُلى ومَكرُمةٍ
قولي معي يا إلهَ الناس آمينا

مناسبة القصيدة

(بعد أن شاركتُ في المساجلة الأولى في قصيدتي: (قهوة رحاب 1) ، واصل معي السجال على انفراد الشاعر اليمني الكبير الأستاذ إياد المخلافي! وسعدتُ جداً بسجاله الطويل الممتد! وارتأيتُ أن أكتب على ذات نمط من المساجلة الأولى قصيدة مطولة نسبياً ، لأساجل ضيفي المخلافي ، فكانت قصيدة: (قهوة رحاب 2) ترجمة لهذا السجال الجانبي! ولأن الشاعرة رحاب المحمود كانت سبباً مباشراً في القصيدة الأولى ، فهي سبب غير مباشر في القصيدة الثانية! ومن هنا ضم القصيدتين عنوان موحد يحمل اسمها هو: (قهوة رحاب)! وإذ أنهيتُ السجالَ الشعري مع الشاعر اليمني إياد المخلافي ، وجدتُني أشتهي أن أهدي شاعرتنا رحاب المحمود حفظها الله تعالى قصيدة معلقة تتناول قهوتها وسجالها وضيوفها! فصرتُ أردد بيت الشاعر النهشلي:- (إنا محيوكِ يا سلمى فحيينا) فأحللتُ رحاباً محل سلمى! ولم تتجاوز قصيدة الشاعر النهشلي الأبيات العشرة ، بينما قِوام قصيدتي اثنان وستون بيتاً! ولا يعني هذا تفوقي عليه ، معاذ الله! سيبقى له السبـق والفضـل! ولي فقط شـرف المحاولـة!)
© 2026 - موقع الشعر