عبد البديع قمحاوي - أحمد علي سليمان

غابَ الكثيرون ، و(الأستاذ) لم يَغِبِ
وهل يَغيبُ ظهيرُ العِلم والأدبِ؟

(عبدُ البديع) له الألبابُ ذاكرة
وفي القلوب له نسائمُ الحَدَب

وفي مشاعرنا ذِكراه ماثلة
مُثولَ ذكرى أولي الشَّرافة النجُب

وفي خواطرنا لاحتْ مُؤاذرة
للصالحين أولي الشهامة النخب

وفي ضمائرنا أفكارُه رَسَختْ
تُودِي بسُوء الهوى والجَهل والرِّيَب

وفي مسامعنا نصوحُهُ سَكنتْ
بما حَوتْه مِن التوجيه واللبب

وللإذاعة دَمعٌ لا يُفارقها
عليه يومَ قضى مِن شدة الكُرَب

و(مصرُ) تبكيه عِملاقاً يُشَرِّفها
بدمع عين على الأصقاع مُنسكِب

وفي خزائن (ماسبيرو) العزاءُ لها
كم في (البرامج) مِن علم ومِن أدب

(عبدُ البديع) له الأثيرُ مُنطلقٌ
واللهُ باركَ في المَجهود والدأب

لم يألُ جهداً ، ولم يَركنْ إلى دَعَةٍ
ولم يُصِبْ مِن وَفير الرِّبح واللقب

كم حارب الجهلَ مُسْتلاً مُهنده
في ساح هيجا كمثل الفارس الضرب

يغتالُ أمِّية في دارنا جَثمتْ
وهمَّشتْ قومنا مِن سالف الحِقب

وضَيَّعتْ حَظنا في كل مُعترَك
وأحصَتِ الهامَ بالأسْياف والقضُب

وجاء (برنامجُ التعليم) يَضربُها
في مقتل ، فانتهتْ لسُوء مُنقلَب

وتابعَ الناسُ في بَدْو وفي حَضَر
برامجاً تعتني بالعِلم عن رَغب

فاسْتثمروها ، لذا رَبَتْ ثقافتُهم
وطالعوا ما ارتأوا في الساح مِن كُتُب

كم استفادتْ هنا مِن العطا أممٌ
فأصبحتْ ولها بين الورى رُتَب

فكرَّموه ، وذي أدنى مكافأة
لكنْ دُعاءُ البرايا خيرُ مُكتسَب

وقد أعَدَّتْ له (اليونسكوْ) جائزة
هو الجديرُ بها وخيرُ مُرتقب

بما تجَشَّمَ مِن بَذل نتيهُ به
ومُعجزاتٍ سَمَتْ بالعُجْم والعرب

واهتمَّ بالطفل تثقيفاً وتبصرة
فخصَّه بيواقيتٍ مِن الذهب

صاغ (الحكاويْ) له يَرقى بهمَّتِه
فيما يُكابدُه بشَرِّ مُغترب

كانت إذاعتُنا أمَّاً لنهضته
وكان أستاذنا المِغوارُ خيرَ أب

دعا لتقنيةٍ ما كان أعذبَها
كي لا يكون لسوءٍ أيُّما غلب

وقدَّمَ العِلمَ والأبحاثَ في مَلأ
وفوجئ الناسُ في الأسفار بالعَجَب

وحاز في أدب الأطفال مَنقبة
فوازنَ الطفلُ بين الجدِّ واللعب

(عبدُ البديع) له التاريخ مُرتصِدٌ
مُقدِّراً كلَّ ما أضناهُ مِن نَصَب

عليه رحمة ربِّ الناس ما بقيتْ
سما وأرضٌ ، وسار الرِّيحُ بالسُّحُب

مناسبة القصيدة

(إن ذكرى وفاة الإذاعي الكبير الأستاذ عبد البديع قمحاوي ، ينبغي ألا تفارقنا! فما إن تمر علينا ، حتى نسأل الله تعالى له الرحمة والمغفرة! يصف هذه الذكرى الأديب الأستاذ محمود إسماعيل حمادة فيقول بتصرفٍ يسير:- (تمرّ ذكرى رحيل الإذاعي القدير عبد البديع قمحاوي ، أحد الرواد الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة الإذاعة المصرية ورسالتها التنويرية ، فقد كان صاحب تجربةٍ فريدةٍ سخّر فيها الإعلام لخدمة المجتمع ، وخاصة في معركة مصر الطويلة ضد الأمية والجهل. وظلّ اسم عبد البديع قمحاوي حاضرًا في ذاكرة المستمعين بفضل برنامجه الشهير: «يا أهل بلدي» الذي أصبح علامة بارزة في تاريخ البرامج التعليمية بالإذاعة المصرية. وقد بدأت حلقاته بندائه الشهير بالعامية المصرية: (يا أهل بلدي في كل مكان…من المنزلة لغاية أسوان…يا للي اتحرمتوا من التعليم…الفرصة لسه قدامكم…من غير ما تغرموا ولا مليم…إذاعتنا ناوية تعلمكم)! وكان هذا البرنامج العظيم تجربة رائدة في استخدام الإذاعة كوسيلةٍ لتعليم القراءة والكتابة ، في إطار خطة الدولة لمحو الأمية ، حتى نال عنه جائزة اليونسكو وعددًا من الجوائز الدولية تقديرًا لنجاحه وتأثيره الواسع. وُلد عبد البديع قمحاوي في 3 مارس عام 1934م بمدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية ، وتخرج في كلية المعلمين عام 1956م ، ليبدأ حياته العملية مدرسًا بمدرسة منية النصر الإعدادية بمحافظة الدقهلية. وفي مرحلة مبكرة من مسيرته سافر إلى ليبيا ، حيث عمل في إذاعة بنغازي ، وقدم هناك برامج وقصصًا وتمثيليات باللهجة الليبية ، إضافة إلى برامج غنائية للأطفال ، كما كتب يوميات في جريدة «برقة الجديدة» بعنوان «قصاصات ورق» ، ونشر أول قصة قصيرة مستوحاة من المجتمع الليبي بعنوان: (العريس). ومن هذه البرامج المفيدة الهادفة برنامج الأستاذ: (قمحاوي) الذي أشرتُ إليه وذكرتُ مقدمته! وأنا إذ أكتب هذه القصيدة عن أستاذ الإذاعة كما كان يحلو لي أن أسميه ، فأجعلها لله ثم للتاريخ ، لتعلم الأجيال القادمة أن شعراً ما كان قد كُتب يشيد بالأشياء البناءة الهادفة ، ويطري أهلها ويسترحم الله لهم!)
© 2026 - موقع الشعر