نصيحة مطلقة لضرتها - أحمد علي سليمان

لم يُمِلكِ مستهترٌ بالطلاق
والشماتُ مِن سييء الأخلاق

كنتِ أرقى في لهجةٍ وعِتاب
لم تكوني حَمقا على الإطلاق

رغم أن الحليلَ أودى ببيتٍ
كنتِ فيهِ كثيرة الإشراق

في جحيم الصراع أحرقَ زوجاً
ثم لاقى الشقاءَ بعد افتراق

غرَّهُ تزويرُ الوُشاة لقول
لم يَقل: هذا الزيفُ مَحضُ اختلاق

كل زوج يُعِيرُ أذْناً لواش
فليلاقي مِن الأذى ما يُلاقي

والضحايا الأبناءُ والبيتُ قطعاً
عندما يَستشري سعيرُ الشقاق

زوجة كانت تحتفي باصطبار
تحت زوج يُصغي إلى الأبواق

ضاق ذرعاً بالعيش حتى تردَّى
ثم أنهى معيشة بالطلاق

نصفه بالتطليق ودَّعَ جسماً
والهمومُ خصَّتْ بنصفٍ باق

أمسكتْ باليراع تنقشُ عُتبى
كسبتْ ودَّ الزوج في الأوراق

وصَفتْ حباً سربلتْه المآسي
هيَّجتْ فيه وازعَ الأشواق

ذكّرتْه بالذكريات تولتْ
في ثنايا الخلاف والإخفاق

ذكّرتْه بالرُّوح ترجو رحيلاً
إذ تُعاني مرارة الإزهاق

ثم وصَّتْ بالبر زوجاً ستأتي
فلتغلبْ منظومة الإشفاق

فلتبادله حبَّها بانسجام
ولتقابل حليلها باشتياق

هو برٌ بالزوج شهمٌ لطيفٌ
طيبُ القلب فاضلُ الأعراق

فإذا بالحليل يقرأ نصاً
منه سالتْ حزناً دموعُ المآقي

راجعَ النفسَ واستشار رفاقاً
ثم مالَ إلى قرار الرفاق

عودة الأولى لا الزواج بأخرى
تلك حازتْ وسامَ الاستحقاق

إن أخرى (بطيخة) ليس يُدرى
طعمُها عذبٌ أم عطيبُ المذاق

إنما الأولى أسفرتْ عن رشادٍ
واحتمال مستبصر دفاق

إن فيها مروءة لا تُبارى
ثم خوفاً مِن ربها الخلاق

فاستجابَ الحليلُ دون جدال
ممسكاً زوجاً بعد طول فراق

داعياً يبكي في انكسار ووجدٍ
مستكيناً في دمعه الرقراق

وفقَ المولى للصواب حليلاً
مَن جدير بذا سوى الرزاق؟

مناسبة القصيدة

(بعد انفصاله عن زوجته بساعاتٍ عثر على دفتر مذكراتها الذي كتبت فيه: إلى من ستدخل على حياته من بعدي ، اعلمي أنه رجل مزدوج التناقضات ، هو هادئ هدوء الليل ، صاخبُ كموج البحر ، لونه المفضل الأسود فلا تلوني عالمه بالأخضر والأصفر ، هو يكره الألوان الزاهية كثيرة الإشراق! إنه رجل ذو رئتين سوداويتين مولع بالسجائر ، فلا تقنعيه بالإقلاع عن التدخين كنوع من الحب والشفقة ، هو لا يكترث لشيء ، تقبليه على طبيعته مزاجه أسود أشبه برئتيه ، يقلب صباحكِ إلى مأتم ، لا تشاجريه مهما استفزكِ ، أحضري له قهوته السمراء بالقليل من السكر لتزول حدة غضبه ، أعترف لكِ إنه عصبي بطباع نارية لكنه ذو قلب من جنة يغفر لكِ خطاياكِ بسرعة! في داخله لين عظيم يخفيه بقناع القسوة ، انزعي ذاك القناع من على روحه ، وداعبي الطفل المخبوء بين طياته ، عادة في الظهيرة بعد أن يعود من العمل يزين وجهه بالعبوس ، يقطب حاجبيه ، حاولي إضحاكه و ارسمي البسمة على ثغره ، لا أنكرُ أن لديه ابتسامة تأسر القلوب وتسلب العقول ، حرام عليه أن يدفنها! اعذريه فهو فوضوي ، رتبي أوراق عمله وكأنه ذاهب إلى المدرسة ، يحبّ زهرة الياسمين اعتني بها اسقيها وضعيها على واجهة المطبخ ، لا تعبثي بعطوره وكتبه ومذكرات ذكرياته ، اتركي أشياءه في أماكنها ولا تخلطيها بأشيائكِ ، تجنبي قدر الإمكان إثارة إزعاجه! في المساء ذهنه صاف كسماء بلا غيوم ، يسرح كثيراً ويحدثكِ عن أحلامه ، اصغي له بجدية وإن بدت طموحاته عبثية ، إذا اختلق معكِ مشكلة بدون أسباب ، تأكدي أنه يواجه حزناً خانقاً ، أرغميه أن يفضفض فهو لا يجيد التعبير عما يُؤلمه سوى بإصراركِ! سيرجع أحياناً ووجهه مليء بالكدمات ، ربما دخل في عراكٍ مع أناس لمجرد أنهم لا يروقونه ، فمزاجه سوداوى متقلب ، عالجي خدوشه وتعوَّدي على حالاته تلك. أحبيه كثيراً وعلميه كيف يكتسب شجاعة الاعتذار للآخرين مثلما لديه شجاعة الخطأ بحقهم. وأخبريه أنني أردتُ أن أسمع منه كلمة: "آسف" عوضاً عن جملته الشهيرة: "لم أقصد جرحكِ لكنكِ من أثرتِ غضبي". أدرك الزوج حجم وجعها منه ، عاد إليها وتصالح معها قائلاً: أنا آسف جداً وكلمة آسف قليلة في حقكِ!)
© 2026 - موقع الشعر