طارق لم يحرق سفنا - أحمد علي سليمان

تعثرَ في كِتابته اليراعُ
وزايلهُ الرَّشادُ والاقتناعُ

فكم كذبَ الرُّواة بدون عُذر
وراجَ الكِذبُ ، وانكشفَ القِناع

فطارقُ قط لم يَحْرقْ سَفيناً
فذا خبرٌ يُصاحبُه الخِداع

وتلك رُواية نُسِجَتْ نشاذاً
وفي ترويجها للغرب باع

وليس لها رُواة أو شُهودٌ
إذا ما صُودِرتْ كان الدِّفاع

رأى الكفار فوزاً وانتصاراً
لجيش رأسُهُ بطلٌ شجاع

فحاكوا الإفك للتضليل عَمداً
وأيدهُ مِن الهلكى استماع

لماذا يحرقُ السُّفْنَ اعتباطاً؟
لئنْ حُرقتْ لقد يأتي الضياع

فلا رُجعى لجُندٍ أو عَتادٍ
وإنْ يأمرْ بذلك هل يُطاع؟

أفي تضييع مال الناس فيدٌ؟
أبعد الحرب تُؤويهم قِلاع؟

ومَن يملكْ ليَحرقَ أو يُحَطم
وليس لطارق إلا انتفاع؟

فلم يملك سَفيناً أو شِراعاً
ليحرقَ ، ثم ينتحرُ الصراع

وإمَّا جاءهُ مدَدٌ وجُندٌ
فكيف النقلَ تشهدُهُ البقاع؟

أناشدُ بالتثبُّت في الرُّوايا
وفي سَندٍ يُشَوِّهه انقطاع

وأرتصدُ التحققَ في الحَكايا
لينتهي التخبُّط والنزاع

مناسبة القصيدة

(كنتُ كلما قرأت قصة طارق بن زياد رحمه الله والتي مفادها أنه أحرق السفن وقال لجنده البحر أمامكم والعدو وراءكم فانظروا ما أنتم صانعون؟! كلما قرأت ذلك الخبر ازددتُ يقيناً أنه خبر كاذب ملفق مزور مزيف! وبعض المؤرخين يصدقون الرواية والبعض الآخر يبطلونها ، والحق أن هذه الرواية لا يجب أبداً أن تستقيم ، فهذه رواية من الروايات الباطلة التي أدخلت على تاريخ المسلمين ، والرد عليها كما يلي: أولاً: أن هذه الرواية ليس لها سند صحيح بالنظر إلى الروايات الإسلامية الأخرى ، فهناك عِلم اسمه: عِلم الرجال ، وعِلم الجرح والتعديل ، ولا بد أن تكون الروايات عن أناس موثوقين ، فهذه الرواية لم ترد أبداً في كتابات المسلمين الموثوق في تاريخهم ، إنما جاءت فقط في الروايات الأوروبية التي كتبت عن موقعة وادي برباط ، فهذه الرواية ليس لها سند صحيح. ثانياً: أنه لو حدث حرق لهذه السفن كان سيكون هناك رد فعل من موسى بن نصير أو الوليد بن عبد الملك ؛ لأن هذا أمر غريب جداً أن قائداً يحرق سفنه ، وقد يكون هنالك حوار بين موسى بن نصير وطارق بن زياد حول هذه القضية ، أو يكون هناك تعليق من الوليد بن عبد الملك أو من علماء المسلمين ، هل يجوز هذا الفعل أم لا؟ فلذلك خفي تماماً رد الفعل لهذه الحادثة في كتب العلماء مما يعطي شكاً كبيراً في حدوثها. ثالثاً: أن المصادر الأوروبية أشاعت هذا الخبر لأمر واضح جداً ، وهو أن المحللين الأوبيين ما استطاعوا أبداً أن يفسروا كيف ينتصر 12000 من الرجال الذين ليس معهم خيول على 100000 فارس وهم في بلادهم وفي عقر دارهم وفي أرض عرفوها وألفوها ، وكيف ينتصر هؤلاء القلة على هذه الكثرة العظيمة جداً من البشر؟ فقالوا: إن طارق بن زياد حرق سفنه وأصبح أمام المسلمين حل واحد فقط للهروب من الموت ، ولذلك استماتوا في القتال فانتصروا ، أما لو لم يحرق السفن فإنهم قد ينسحبون من البلاد ويرجعون إلى بلادهم ، وهذا لأن الأوروبيين لا يستطيعون أبداً أن يفقهوا القاعدة الإسلامية المشهورة والمعروفة والمسجلة في كتابه سبحانه وتعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}. والناظر إلى صفحات التاريخ الإسلامي يجد أنه من الطبيعي جداً أن ينتصر المسلمون بأعداد قليلة على غيرهم من الجيوش ، بل إن الأصل المتكرر في معظم المعارك الإسلامية أن يكون المسلمون أقلة والكافرون كثرة ، ويهزم أعداء المسلمين بهذا العدد القليل من المسلمين ، بل إنه من العجب العجاب أنه لو زاد المسلمون في العدد كتبت عليهم الهزيمة كما حدث في حنين ، قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}! وإذن فالأوروبيون يحاولون أن يشيعوا هذه الشائعة حتى يدخلوا في روع الناس أن المسلمين ما انتصروا إلا لظروف خاصة جداً ، وليس من الطبيعي أن ينتصروا. رابعاً: أن المسلمين ليسوا محتاجين للتحميس بحرق السفن ، فقد جاؤوا إلى هذه الأماكن راغبين في الجهاد في سبيل الله ، وطالبين للموت في سبيل الله ، فما يحتاج القائد أن يحرق السفن لكي يشجعهم في سبيل الله! وبعض الناس يقولون: هذا الحدث مسبوق بما حدث قبل هذا في فتح الفرس لليمن ، فإن القائد الفارسي الذي فتح اليمن حرق السفن لكي يحمس الجنود الفرس! وهذا يمكن يحصل من القائد الفارسي أن يحمس الناس بحرق السفن ، وقد كان الفرس يجبرون جنودهم على الحرب ضد المسلمين بربطهم في سلاسل كما حصل في موقعة ذات السلاسل المشهورة ، وقد كان قائد جيش المسلمين خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه. وهذا يمكن أن يحصل بالنسبة لأهل الدنيا ، أما جيش المسلمين فما هو محتاج لهذا التحميس عن طريق هذا الحرق. خامساً لا يعقل أن قائداً محنكاً مثل طارق بن زياد رحمه الله يحرق سفنه ، ويحرق خط الرجعة عليه ، وماذا يصنع لو هزم في هذه الموقعة؟ وهذا أمر وارد جداً ، فالأيام دول ، فقد تحدث الكرة على المسلمين لفترة من الفترات! وربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ).
© 2026 - موقع الشعر