رفعت الجلسة - أحمد علي سليمان

مضتْ قِيمة الأموال ، أزهقها المُطلُ
وهل يا تُرى طِفلٌ يُضارعُهُ كَهلُ؟

يُماطِلُ مَديونٌ ، ويَصبرُ دائنٌ
وأسألُ ما الجَدوى؟ وأجهرُ ما الحلُ؟

لماذا يَنِي في الدَّفع عبدٌ مماطِلٌ
إلى أن طغى مُطلٌ ، وأعجزهُ الحِمل؟

لماذا لأكل الدَّين مالتْ سرائرٌ
وألسُنُها اعتادتْ ، وطابَ لها الأكل؟

ألا إن هذا الميْت أخرَ دَينهُ
ليوم مماتٍ كي يُسَدِّدَه الأهل

وطالبتُ بالدَّين الذي طال عهدُهُ
فما رُدَّ دَيني ، ثم طالَ بيَ المُطل

وناصحتُ حتى وبَّختْني نصائحي
وأين لنصحي قلبُ شهمٍ له عقل؟

ووسَّطتُ أقواماً ، وأوضَحتُ حُجَّتي
وقالوا بقولي ، فاستمى الطيشُ والجهل

وأعطى وعوداً ، ثم أخلفَ عامداً
فهل وعدُ مِقدام يُخالجُه هزل؟

وأسرف في كَيل اتهاماتٍ مُبطِلٌ
وأوغلَ في سَبِّي ، وبالغ في النيْل

ومَرَّتْ سِنيٌّ عشرٌ والدَّينُ قائمٌ
ولم يُجْدِ توسيط ، فقد مَلتِ الرُّسْل

ومات مَدِينٌ لم تُحَدِّثهُ نفسُه
بتسديد دَين باعُ مُدَّته حَول

وأعلنَ أبناءٌ قبيلَ جنازةٍ
بأن دُيون المَيْت يَدفعُها نجل

فقلت: يَمينَ الله دَيني مُعَرَّفٌ
ومُشتهرٌ جداً ، وفي جُعبتي الوصل

ولكنْ تدَنتْ للجنيهات قِيمة
فهل يا تُرى وبْلٌ يُشابههُ وشل؟

دَعوكم مِن التمثيل في مَشهد الرَّدى
فللموت قولٌ رغم أنفكُمُ فضل

وعند إله الناس يوماً سنلتقي
وآخذ حقي يومَ ينتصرُ الحق

مناسبة القصيدة

(وقف الرجل داخل المسجد ، وعلا صوته قبل الصلاة على المتوفى – صلاة الجنازة - وراح يندد أمام المصليين كلهم بسلوك الميت معه في المماطلة بدينه ، وقال: يارب أنت سبحانك من تعلم بصدق كلامي! هذا الميت مدين لي بـ 177 ألف جنيهاً مصرياً! من 10 سنوات! وهذه الفلوس كانت حصيلتي من الغربة والمذلة في بلاد الله تعالى! وكان الرجل صديقاً حميماً لي ، وقال لي: سوف ندخل معاً في مشروع شراكة مع بعض ، فرفضتُ الشراكة من حيث المبدأ ، وذلك لكي لا أخسره يوماً! فعاد واستدان مني هذا المبلغ على أن يرده في بحر ستة أشهر على حد قوله! فأقرضتُه المال وأعطاني مكتوباً يفيد المداينة ، لكنه لم يوقع عليه! فالتفت الناس إليه وقالوا: أما سمعت نجله الأكبر يقول قبل الصلاة: أيها الناس إذا كان هنا أحد لأبي عليه دين أو معاملة أو مقاضاة أو حق فأنا ضمين وكفيل به! فقال لهم والنجل يسمع: نجله يعلم ويعترف بالدين من عشر سنين ، واجتهد مع أبيه في السداد ولكنه أبى ، وقال لي في مرات سبقت: لا حق لك عندنا ولا دين لك عند أبي! فاستدرك الابن الأكبر هذا مقاطعاً: سوف أدفع لك المبلغ الذي في الورقة (ورقة القرض التي بينك وبين أبي)! فقال الدائن: وما قيمة هذا المبلغ اليوم بعد مرور عشر سنوات عليه؟! لقد اشترى أبوك به من العقارات والأطيان ما يعادل أضعاف أضعاف قيمته اليوم! وراح الرجل يبكي بحرقة حتى أبكى الحاضرين جميعاً ، بما فيهم نجل الميت الأكبر المتكفل بالديون ، وأقسم بالله الجبار المتكبر أن لا يأخذ منه جنيهاً واحداً ، وأردف قائلاً: (رُفعتِ الجلسة ، وأنا أنتظر حكم الحكم العدل)! ألا إن هذه رسالة إلى كل ظالم! خلص نفسك يا عبد الله قبل حكم الحكم العدل!) وبعد انفعالي لهذا الموقف الذي عشت مواقف تشبهه ، كتبتُ هذه القصيدة أندد بمماطلة بعض المديونين ، وأكل بعضهم للديون عياناً بياناً! (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين) ماذا ينتظرون إذن؟ وماذا يتوقعون بعد؟!)
© 2026 - موقع الشعر