الخديوي عباس حلمي - أحمد علي سليمان

المجدُ يُشْرقُ من عَطا عبَّاسِ
ودليلُ قولي مِن ثناء الناسِ

وأحَبَّ مِصرَ وأهلها مُتحمِّلاً
أكدارَ حُبٍّ تعتريهِ مآسي

فالبذلُ طبعٌ ، والشهامة دَيدَنٌ
مهما قلتْه مَناصِبٌ وكراسي

واسأل عن الإنجاز تاريخ القرى
فمعالمُ الإنجاز في القِرطاس

مهما تنكرَ للحقيقة مُغرضٌ
ومُغالط دنسُ السريرة قاسي

مهما تخرَّصَ حاقدٌ مُتمحِّكٌ
فستورقُ الأغصانُ رَغم يَبَاس

مهما افترى مُستشرقٌ عَدِمَ الحيا
تفكيرُهُ – فيما يظنُّ - سياسي

صاغ الحقائقَ غيرُهم مُتجرِّداً
وبنصِّ سِفر واضح ودراسي

لم يفتقد في الشرح مَوضوعية
كلا ، ولم يفقد صحيحَ قِياس

مُتناولاً بالدَّرس أطيبَ سِيرةٍ
لمجاهدٍ مُستبسل نبراس

صان البلادَ ، وكان حربَ عدُوِّها
ومَن الذي أبلى بلا (عباس)؟

والإنجليزُ تعقبَّوا مِشوارَهُ
لم يُلفَ قط مُجَلبباً بالياس

كادوا ، وبعضُ الكيد يَهزمُ بعضَه
كيداً طغى ، وتزولُ منه رواسي

فإذا (الخديويُّ) الهُمامُ غضنفرٌ
لم يُلفَ مُنبطِحاً لديبلوماسي

لكنهُ خاض المعاركَ ظافراً
إن الرجالَ تبينُ عند الباس

عِقدانِ في حُكم (الكِنانة) أسفرا
عن حاكم يَحمي الحِمَى ، ويُواسي

هو شاد جامعة سما تعليمُها
وبلا رُسوم تُجتنى ومَكاسي

وبنى (المحطة) والمتاحفَ يبتغي
تذكيرَنا بتراثِ ماضي الناس

وبنى الكباريَ والقناطرَ راجياً
وصْلَ القرى ونجوعِها بالراس

واهتمَّ بالترميم يُنقذ ما انزوى
من مسجدٍ في مصرَ أو أرماس

وسل (الترامَ) توطدَتْ شبكاتُه
واستقريء الآثارَ دون إياس

وبرغم تضييق وكيدِ دَهاقن
عبَّاسُ حطمَ عاتيَ الأمراس

مناسبة القصيدة

(عباس حلمي الثاني ، ذلك الرجل الذي حاولوا طمس اسمه من ذاكرة المصريين! هل سمعت من قبل عن حاكمٍ أحبّ مصر فحاربوه ، وبنى حضارتها فأسقطوه؟ إنه ليس مجرد خديوي ، بل هو رجلٌ كان سابقًا لعصره ، غيّر وجه مصر الحديثة ، ثم دفع ثمن وطنيّته نفيًا وتشويهًا. حَكم مصر أكثر من 22 عامًا ، في زمنٍ كانت فيه أوروبا تخشى يقظة الشرق. خاف منه الإنجليز ، واحترمه الغرب ، لأنه كان يضع مستقبل مصر فوق مصالحهم! هو من جعل القاهرة جوهرة الشرق ، حين كانت عواصم أوروبا ما تزال تفتح عيونها على النور. بنى جامعة القاهرة ، وأسّس التعليم العالي بمعايير عالمية حديثة. وضع حجر أساس محطة رمسيس ، وشيد المتحف المصري ، ومتحف الفن الإسلامي. مدّ الكباري التي ما زالت تحملنا إلى اليوم: كوبري الجلاء ، وعباس ، والملك الصالح ، وإمبابة. شيّد قناطر أسيوط ، وخزان أسوان ، ومشاريع الري التي أنقذت الزراعة المصرية. أنشأ شبكة ترام القاهرة عام 1896 م ، حين كانت إفريقيا غارقة في الظلام. وضع أول خطة علمية لترميم آثار مصر الإسلامية ، من جامع السلطان حسن إلى ابن طولون. وعندما واجه الاحتلال البريطاني ورفض الخضوع له. عزلوه عن العرش ونفوه بعيدًا عن وطنه ، لأنهم خافوا من وعيه وقوته. لكنه لم يُنسَ من قلوب المصريين. فقد ظلّ هتافهم يدوّي بعد رحيله: "الله حيّ… عباس جايّ"! إنه الخديوي عباس حلمي الثاني. الرجل الذي حاول الإنجليز طمس تاريخه. لكن إنجازاته ما زالت تنطق باسمه في كل ركن من مصر فلنذكره اليوم بالعرفان ، وندعو له بالرحمة. فمن أحبّ وطنه عن عقيدةٍ بصدقٍ ، يستحق أن يُخلَّد لا أن يُنسى!
© 2026 - موقع الشعر