تأبين تاج الدين نوفل - أحمد علي سليمان

لاذ بالصمت المُستكين اليَر اعُ
واشتكى البُعدَ والفراقَ الوداعُ

واسْتبدَّ بالنفس أعتى وُجوم
واحتوى العينَ في المُصاب الدِّماع

واعتلتْ قلبي مُعضلاتُ هموم
واعترَى رأسي في البلاء الصُّداع

قيلَ (تاجُ الدين) المُفدَّى قلانا
لم يعُدْ يُلقي إذ ثوى الاستماع

غابَ عنا مُسقبلاً عيشَ أخرى
لم يعُدْ يُغري زخرفٌ أو مَتاع

تاركاً إرثاً سوف يبقى طويلاً
ليس يَفنى التنظيرُ والإبداع

واسألوا (فارسكورَ) عن عَبقري
خاض حرباً لمَّا يَعُقهُ الصراع

ما استكانَ للهازلين السُّكارى
عندما ضَجَّتْ بالهوى الأوضاع

ناظرَ الأوباشَ الألى ما استقاموا
لا ، ولا للحق المبين انصاعوا

ألجمَ الغلاة السُّكارى فذلوا
إن (تاجَ الدين) الأديبَ شجاع

خصَّه المولى بالقريض ، فأبدى
شكرَهُ للمولى ، فطابَ انتفاع

وانبرى في الشِّعر العفيف احتساباً
فارسٌ لم يُسقِط لواهُ الدِّفاع

كم أبانَ الغموضَ يَغشى فِئاماً
في مَهاوي الضلال ضَلوا وضاعوا

كم ألانَ العَويصَ يُزري بقوم
والعَويصُ تزكو به الأوجاع

جَدَّدَ الشعر والشعورَ تِباعاً
فارتقى الشِّعرُ العَفُّ والإيقاع

كم تحَدَّى بالشعر أهلَ التدني
عندما استشرى في القريض الضياع

عندما الشعرُ الحُرُّ أغرى فريقاً
وانطلى الزيفُ ، واسْتقرَّ الخداع

عندما التغريبُ الرقيعُ غزانا
واحتوانا الأنصارُ والأشياع

روَّجوا للتخريب في كل صُقع
واستبدَّ الأوغادُ والأتباع

أوهمونا أن التديُّنَ عارٌ
وانحطاط تأبى صَداه البقاع

أفهمونا أن التقى مَحضُ هُزءٍ
بالتقى كم زلَّ التقاة وجاعوا

قيَّضَ المولى للحنيفة ليثاً
خلفه في الهيجاء تعدو السِّباع

إن (تاجَ الدين) المعلمَ ربَّى
والدليلُ التلفازُ والمِذياع

حلقاتٌ تسمو بأسماع قوم
فالطريقُ للرِّفعة الأسماع

حلقاتٌ جاءتْ بكل جديدٍ
سَمتُها في منهاجها الإقناع

حلقاتٌ توضيحُها لا يُبارى
ليس قولي بل هكذا الإجماع

حلقاتٌ بالضاد تُبهجُ نفساً
شاهدي الطِرسُ والصَّدى واليَراع

حلقاتٌ فيها المواضيعُ شتى
عندما تُتلى تذهبُ الأوجاع

حلقاتٌ تهدي قلوب الحيارى
في ثناياها العِلمُ والإمتاع

حلقاتٌ حَرَّى تُذيبُ جليداً
إن أذيعتْ حَنتْ لها الأصقاع

حلقاتٌ تاجُ البيان عليها
ثوبُ عِز يَهفو له المُلتاع

حلقاتٌ تابعتُها باشتياق
لم يُمِلني كُرهاً لهن امتناع

إرثُ (تاج الدين) اليواقيتُ ضاءتْ
دربَ قوم دنيا الهلافيت باعوا

واشترَوا أخرى باقتناع وشوق
في زمان قد عَز فيه اقتناع

إرثُ (تاج الدين) انطلاقاتُ شِعر
حارَ فيه السُّمَّارُ والصُّناع

واسألوا إلقاءً يُسَلي قلوباً
فلِتاج في الأسبقيَّات باع

صاغ شِعراً ألقاهُ يَختالُ زهواً
إرثُه بين الناس شِعرٌ مُذاع

في عُقودٍ ثلاثة حاك مجداً
في قريض تزِينه الأسجاع

حلقاتٌ ألفٌ تزيدُ قليلاً
دافعتْ عن حق ، وطابَ الدفاع

وكتاباتٌ أربعون استنارتْ
بهُدى القرآن الكريم تُشاع

خط (يٌسري الخطيبُ) أروعَ ذكرى
عن فقيدٍ ، أحرى بنا الاطلاع

رب فارحمْ (تاجاً) ، وأحسنْ إليهِ
ما خبا نجمٌ ، واستمى الإشعاع

مناسبة القصيدة

(الدكتور تاج الدين نوفل.. صوتُ الإسلام الخاشع. هذا الصوتُ الذي كان يأخذ بمجامع القلوب ، ويجعلنا نفقد عاملَيْ: الزمان والمكان! صوتٌ خاشع ، ونبرةٌ تذيب الجليد ، وتُفتّت الصخر! مدرسةٌ إسلاميةٌ قائمة بذاتها: شعراً ، وأدباً ، وإلقاءً! فمن هو الدكتور نوفل؟ أما الميلاد: 31 مارس 1952م ، قرية كفر العرب ، مركز فارسكور ، محافظة دمياط! بهذي الكلمات العذبة قدم الأستاذ الأديب يسري الخطيب شاعرنا الكبير الدكتور تاج الدين نوفل! وشرف كبير لدمياط أن تنجب الشاعرين الكبيرين: فاروق محمد شوشة وتاج الدين نوفل! فالشاعر لسان القبيلة ولسان القوم ولسان الإقليم! تقول الصفحة الرسمية للدكتور تاج الدين نوفل (رحمه الله)! أديب ، وشاعر إسلامي ، وعضو اتحاد كُتّاب مصر. كان يقوم بإعداد وتقديم البرامج الدينية بالتليفزيون المصري ، خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ، حوالي 30 عاماً! ومن أشهر برامجه: (برنامج: في نور القرآن الكريم - برنامج: من المكتبة الإسلامية - برنامج: الدين المعاملة - برنامج: حديث الجمعة - برنامج: من أسماء اللَّه الحُسنى). إلى جانب بعض البرامج الأخرى المتفرّقة! فقدَّمَ أكثر من ألف حلقة بالإذاعة والتلفزيون. قدَّمَ أكثر من مائة برنامج شهري بالإذاعة المصرية ، مثل: (رائدات مؤمنات - من عدالة عمر - هجرة المصطفى - أزهار للحياة – مُحمّد - قالوا عن مُحمّد – مهاجرون – إلخ...) ونُشِرَت له حوالي 300 قصيدة ، في معظم الصحف والمجلات المصرية والعربية. وأما عن الإصدارات: فقد صدرَ له أكثر من 40 كتابًا ، نذكر منها: (الكلمة الطيبة - من خشية اللَّه - في رحمة الله - بنات المصطفى - شعراء الإسلام - السعي إلى الآخرة - أسماء اللَّه الحُسنى - رمضان كريم – نفحات - الفوز العظيم - السحر والسَّحَرة - حديقة الأولياء – إلخ........)! ومن دواوينه الشعرية: (الحبيب الأول - الحبيب الثاني - لآليء ودُرر من عدالة عمر - لؤلؤ ومرجان - الملكة سوسينا - الأميرة والملاك - تسابيح وتراويح - ملتقى الأحباب – إلخ.....)! وأما الوفاة فكانت في: 9 ديسمبر 2018م ، دمياط عن (66 عاماً)! وفي ذكرى رحيله ، يتبدَّى أثره كنسيمٍ يمرّ على الروح فيوقظ فيها ما خَفَت! ذلك الصوت الذي كان يفتح للناس بابًا إلى الله ، ما زال حيًّا في ذاكرة مَن سمعوه ، وفي أثر كتبه وفي خشوع كلماته. مضى الدكتور تاج الدين نوفل إلى دار الحق ، لكنّ بَصْمَتُهُ بقيَت شاهدة على رجلٍ عاش للكلمة الهادية ، وأفنى عمره في خدمة رسالةٍ لا تزول. وإن كانت الأجساد تُوارَى ، فإن أرواح الصادقين تبقى كنجومٍ تهدي السائرين في ليل الدنيا ، على حد تعبير الأستاذ يسري الخطيب! مضى لطفي نوفل بعد مسيرة مع الشعر والأدب والدعوة عبر الأثير والكتاب والمحاضرة والبرنامج ، امتدت عقوداً من عمر الرجل السبعيني! مسيرة مليئة بالكفاح والجهاد بالكلمة والمناظرة والتحدي! والمتابع لهذي المسيرة يدرك مدى حرص الدكتور نوفل على العربية تحدثاً وكتابة وتنظيراً ، كما يدرك غيرته عليها ، وهو يحرص على التحدث الصارم بها! وكان من عادته أنه إذا سقط منه سهوٌ أثناء حديثه بالعربية ، فإنه يستدرك بإصلاحه ويبادر إلى علاجه! وتأتي قصيدتي في تأبينه بعضَ دَينه عليَّ! حيث تتلمذتُ على كتاباته وبرامجه وحلقاته سواء الإذاعية أو المرئية! فمن باب رد الجميل ، أنشدتُ هذه القصيدة في التاسع من ديسمبر عام 2018م ، ذلك العام الذي رحل عنه فيه الدكتور نوفل -رحمه الله-! وكلما سنحت لي ذكرى رحيلة أعدت نشرها هنا وهناك تذكيراً به وعرفاناً بجميله!)
© 2026 - موقع الشعر