تأبين زغلول النجار! - أحمد علي سليمان

يا قلبُ أبِّنْ شيخنا زغلولا
واذرفْ دموعَك بُكرة وأصيلا

وابكِ العلومَ طعانُها في مَقتل
والعلمُ أضحى في الطعان قتيلا

عَز العلومَ بكتْ بدمع ساجم
حتى أقامتْ مَأتماً وعَويلا

واستعرض الإعجازُ سيرة جَهبذٍ
بعطاء مِقدام أضاء عقولا

هرمٌ تهاوى في مَضارب غربةٍ
أكلتْ يقيناً جهدَه المَبذولا

جبلٌ مِن العلم انقضَتْ أيامُه
والعلمُ يَنعي الدَّرسَ والتحصيلا

وبكتْه أجيالٌ هداهم عِلمُه
جيلاً يَحُضُّ على الهداية جيلا

وبكتْ عليه محاضراتٌ ألقيتْ
تَهدي السبيلَ ، وتقمَعُ التضليلا

ونعتْه أفئدة أحَبَّتْ عِلمَه
كانت تُبجِّلُ فكرَه تبجيلا

وحَكتْه ألسنة بأعذب قولها
مِن سادةٍ في الناس أصدقُ قِيلا

ورأتْه ألبابٌ أخى وَسَطيةٍ
يَروي الصحيحَ ، ويَنشرُ المَعقولا

لم يَغلُ في دين ولا في سُنة
بل كان أهدى في الأنام سبيلا

لم يبتدع بدعاً تُدَني عالماً
بل عاش مُتبعَ الهُدى بُهلولا

لم يُفتِ مُرتجلاً بدون أدلةٍ
بل كان يُقرنُ بالدليل دليلا

لمَّا يُغَلبْ في مَباحثه الهوى
بات الهوى مُستقبحاً مَرذولا

لمَّا يَنلْ من عالم أو باحثٍ
تعسَ التنقصُ مَذهباً ومُيولا

لم يَألُ جهداً في تتبُّع مَن غوَى
لم يَبغ عن دَحض الخصوم عُدُولا

تسعون عاماً جُلها فيما ارتأى
مِن بحث علم كي يُفيدَ رَعِيلا

ويُديرُ مدرسة تفرَّدَ سَمتُها
هُديت بمنهجها بَصائرُ حُولى

فالعِلمُ مُرتبط بدين قيمِّ
يَهدي شريداً تائهاً وجَهولا

شتان بين العلم بالدين ارتقى
حتى استطاع إلى الرشاد وُصولا

والعلمِ عادَى الدين لم يَنصع له
فرمى الصَّلاحَ ، ورَسَّخ التجهيلا

بَسيون يوماً سوف يُدركُها الفنا
وتزولُ كَفٌ بالمناقب طولى

وكذا (مَشالٌ) سوف يُزوى شأنها
لكنْ سيذكرُ قومَها زغلولا

ومُجلدات (الأرض) تصقلُ صِيته
والبحث فصَّلَ أرضنا تفصيلا

قسم (الجولوجيا) سوف يَذكرُ فضله
وعلى المراجع يَنصبُ الإكليلا

وسويسرا تُطري فضائل عالم
وهو المُفضل عندها تفضيلا

كم ناظرَ المستشرقين مبيناً
حقاً تغافل مَن قلوْه طويلا

وأبان مُعوَجَّ المسائل أشكلتْ
فطوى الغموضَ وفصَّلَ المشكولا

وأزاح ما قال العِدا عن شرعه
كان القؤولَ لرُشده وفعولا

كانت له الأسفارُ في عَرض الدُّنا
لمَّا يكنْ عن فعل ذاك بديلا

واستعذبَ التنظيرَ يُخرسُ باطلاً
ويَصُدُّ مُخترع الزيوف عميلا

وبروفيسوراً بات بين رفاقه
والعِبءُ بات مُضاعفاً وثقيلا

حامَى عن الحق استبيحتْ سُوحُه
ورآه أصحابُ الضلال ذليلا

أسفارُه الخمسون تزخرُ بالهُدى
كانت له الخِلان ، وهْو خليلا

زغلولُ نقحت العلومَ مشمِّراً
عن ساعدٍ بالجدِّ صار حَمولا

لم تكتنز مالاً ، ولم تن نجدة
والبذلُ كان مكرَّساً وفضيلا

وظللت تُعطي رغم شَيب مُنهكٍ
يَدَعُ القوامَ مُسربلاً ونحيلا

ويُهيضُ عزمَ الجسم ، يَفري بأسَه
فتراه من بين الجسوم نحيلا

واليوم ترحل ، والصِّماتُ مُخيِّمٌ
وبدا عزاءُ الشامتين عليلا

والبعضُ أعلنها بغير تحفظٍ
وكأنه يَشفي بذاك غليلا

ظلموك حياً ثم أكملَ ظلمهم
بعد الممات ، وباركوه رحيلا

خابوا وخابَ شِماتُهم وصَنيعُهم
دوماً ، وساء الشامتون قبيلا

واليوم ترحلُ آخذاً بقلوبنا
وغدا المصابُ على النفوس وبيلا

هذا قصيدي ، والدموعُ تُحِيله
عن حمل أعباء العزاء كليلا

سطرتُه بدموع قلب موجع
يبكي ، ويألمُ لاهثاً ومجيلا

يبكي على العلماء نيلَ جنابُهم
وتحمَّلوا التدليسَ والتدجيلا

عانوا مِن المُتجبرين ، وكابدوا
ظلماً يُعطل دَورهم تعطيلا

قاسوا مِن التهميش يُزهقُ جُهدَهم
ويُزيلُ مجداً شامخاً مَثلولا

نال المكانة غيرُهم ممن هوى
عمداً إلى قاع الحضيض رذيلا

وأشاع فاحشة ، ورَوَّج للخنا
وأجاد في دنيا الورى التطبيلا

هذا قصيدي صُغته مُتأثراً
برحيل مَن بالعلم فقه جيلا

فارحمْه يا ربي ، وأكرمْ شأنه
وأثِبه عن فعل الجميل جميلا

أنت العليمُ بسَعيه وبحاله
ولأنت خيرٌ حافظاً ووكيلا

مناسبة القصيدة

(إنه في يوم الأحد الموافق التاسع من نوفمبر لعام 2025 من ميلاد المسيح الموافق الثامن عشر من جمادى الأولى لعام 1447 من هجرة خير الأنام ، مات البروفيسور الدكتور زغلول النجار – رحمة الله عليه -! ونحسبه من العلماء الربانيين ، لا من العملاء المرتزقة! إنا احتسبناك يا دكتور زغلول النجار عند الله ربنا الملك الغفار! وحقيقة قررها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العِباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). أنشدتُ هذه القصيدة الحزينة في تأبين الدكتور زغلول رحمه الله وغفر له ، أعزي محافظة الغربية ومصر بأسرها والعالم الإسلامي والعالم أجمع في العالم الجيولوجي الفذ!)
© 2026 - موقع الشعر