قصة قصيرة"عرش إبليس" - أحمد بن محمد حنّان

قصةٌ خياليةٌ قصيرةٌ مستوحاة ..
 
"عرش إبليس"
 
رغم تهكم الإنسان بالحمار وصفاته وإطلاقها على بعض بني جنسه للتقليل من شأنهم في شتى المجالات، إلا إنه قد نسي فضله في أشياء عديدة وخاصة عند نهيقه، فكم قد كشف به دخول الشياطين إلى عالمه ودمر مؤامراتهم الدنيئة، ولكن دوام الحال من المحال،
ففي ليلة اشتد فيها الظلام بينما كان أتباع إبليس يطوفون في أرجاء الكرة الأرضية رأوا قرية تختلف عن بقية القرى التى قد شاهدوها خلال قرون أعمارهم البغيضة، لقد رأوا انبعاث نور منها لم يتعودوا على وجوده على سطح الكرة الأرضية، لقد كانت هذه القرية تنبض بالإيمان، فأعد الشياطين حفلا كبيرا لافتتاحها وقص الشريط ووضع صنم ليكون بمثابة حجر الأساس لنشر عقيدة الظلام، واستدعوا لذلك قائدهم الأعظم حتى يكون له هذا الشرف الكبير، وما أن قص إبليس الشريط وهمّ بدخول القرية لوضع حجر الأساس حتى بدأت حمير القرية التي لا تحصى بعزف سيمفونيتهم المعروفة بأعلى أصواتهم لفضح هذا التجمع الغفير للشياطين، فنهض جميع من في القرية وسارع شيخهم إلى المسجد ليصدح بالأذان على غير موعده، ففرت على إثر ذلك كل الشياطين دون النظر خلفها،
اغتاظ إبليس من أتباعه وصب جام غضبه عليهم:
إنها مؤامرة لقتلي، وإلا كيف لم تعلموا بأمر تلك الحمير؟! وعندما همّ بقطع رؤوسهم باسم الخيانة العظمى قال كبيرهم :
نحن لم نعلم بأمرها لأننا لم ندخلها قبلا، فقد أردنا أن يكون لك شرف الدخول إليها أولاً قبل أي أحد،
أرجوك ياسيدي اصفح عنا، فنحن لا ذنب لنا فيما سمعت ورأيت سوى نيتنا الحسنة اتجاهك واتجاه عظمتك،
 
عقد إبليس اجتماعا طارئا يضم مجلسه الموقر ونخبة من أهل الحكمة والمفكرين والعلماء والباحثين في مملكته، ولكي يستجلب انتباههم ويطرح عليهم موضوع القرية وأهميتها بالنسبة إليه وهذه المعضلة الأزلية التي تقف عائقا بينه وبين هدفه أوْلم لهم بجميع أنواع الدماء الحيوانيّة والإنسانية؛
 
دخل الجميع بعد تداول الموضوع في صمت عميق، فاستيأس إبليس ومجلسه من وجود حل لهذه المعضلة في بداية الأمر، ولكنهم حين شاهدوا وقوف حكيم مملكتهم الشيطانيّة ومشيه حولهم في صمت، استبشروا خيرا،
قال الحكيم:
لوكنا في غير هذا الزمان لقلت بأنها مهمة مستحيلة، ولكنْ مع تقدم العلم لا أرى أي مستحيل في هذا الأمر،
فقال إبليس:
تكلم أيها الحكيم ولا تفسد فرحتنا بغموضك.
_ سنصنع داخل حنجرة الحمار حنجرة صغيرة بحجم حنجرة الديك ثم نزرع داخلها أحبال الديك الصوتية،
_ ولماذا هي بالذات دون غيرها؟!
ابتسم الحكيم ابتسامة مكر وقال:
سنتّهم ديكتهم بالخيانة العظمى لصمتهم عن الصياح حين حضورنا، فنحن سنستأصل أحبالها الصوتية لنزرعها داخل حناجر الحمير، ومن ثَمّ سنثبت حقيقة مانقول بأصوات الحمير الجديدة، ونقول بأن المعجزة قد حلت لتبرئتنا وفضح خيانة الديكة، حينها فقط ستطاع وتبجل في هذه القرية، وسيبدأ مسلسل انحرافهم نحو الهاوية، وسنفعل في كل قرية تملك حميرا وديكة مافعلنا في هذه القرية، ومع قليل من قدراتك الخارقة وبعض حيلك وتواطئ الإعلام ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي معنا بعد اعطائهم المال لقاء خدماتهم القذرة، ستتربع على على عرش الأرض دون منازع، ومع مرور الوقت ستؤله دون جهود تذكر؛
 
_ما أمكرك أيها الحكيم، فاليبدء العلماء بإجراء الأبحاث والتجارب اللازمة لإجراء هذه العملية وتطبيقها على حمير هذه القرية.
 
بعد أن أعلن علماؤهم نجاح عمليات زرع الحبال الصوتية على حيوانات أخرى، بدأت المرحلة الثانية من الخطة بتعليم أحد البشريين للقيام بهذه العملية حتى لا يدقق أحد بأمره، فوقعت أعينهم على طبيب بيطري أغروه بالمال حتى وافق،
لقد كان هذا الطبيب يتنقل بين أبناء هذه القرية دون رقيب ولا حسيب، وهذا ماكانت تصبو إليه الشياطين،
 
حصل إبليس على مراده وجند الحمير تحت رايته دون إرادتها، واستمال العامة وأغلب سادة تلك القرية لصفه وبدأ نفوذه يسري فيها دون مجهود، ولكن هذا لم يشمل القلة المتمردة عليه وعلى ماجاء به من أشياء لا تصدق.
 
قال كبيرهم:
أليس هذا هو الحمار نفسه الذي كنا نتهكم به قديما، إنظروا إليه كيف بات يحدد مصيرنا الآن، إنه حدث شوه الزمن والتاريخ والمعرفة؛
ماذا سنفعل الآن فدمنا مهدور، وعقولنا قيد التنفيذ..
 
انتهى
 
 
‬
© 2026 - موقع الشعر