”رسالة منشارية، إلى أصدقاءٍ من خشب“
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ — سورة المنافقون، الآية ٤
بسم الله، الذي يُخرج من الشجر الأخضر نارًا،
ويكشفُ ما تحت اللحاء من عفنٍ ونَخَرٍ وسوسٍ خفيٍّ لا يُرى، ويُظهرُ ما استتر خلفَ الطلاءِ من بلادة الخشب، وخيانة العُقد، وسُوسِ الطبع.
أما بعد...
إلى أولئك الذين إذا صافحتهم
شعرت أنّك تصافح مقعدًا من خشبٍ لا دفءَ فيه، ولا حنان في زواياه الحادة.
إلى من يبرقُ ظاهرُه كالمصقول،
لكنّه من الداخل أجوفُ إلا من صوت الفراغ،
إلى أصدقاءٍ من خشبٍ مَسنود، لا حياة فيه،
ولا ظلالَ تُرتجى تحته،
ولا لينَ فيه إلا إذا مرَّ عليه المنشار.
إلى أصدقاءٍ لا يبتسمون إلا إذا رأوكَ تميلُ حيث تميلُ مصالحهم،
ولا يتحرّكون إلا إذا سمعوا صوت منشارك يشقُّ طريقه فيك،
فأيقنوا أن السقوطَ قادم، وأن الوقتَ حان لتمثيل الحزن عليك.
سلامٌ عليكم...
سلامٌ مشحونٌ برائحة النشارة،
ملفوفٌ بورق صنفرةٍ خشن،
مغمسٌ بطلاء قديمٍ كصداقتكم،
وبعدد الشظايا التي تطايرت من عشرتي معكم،
وبعدد اللحظات التي كنتُ فيها أسترُ عوراتِ خمولكم،
وأُلمّعكم بدهاناتِ الوفاء، وأنتم تأبَون أن تتقوّسوا لحنينٍ، أو تميلوا لمحبٍّ صادق.
كنتُ أظنكم جذوعَ نخيل،
فيكم صبرُ العواصف، وثمرُ الجود، ورفعةُ الظل،
فإذا أنتم ألواحُ عرضٍ في واجهة متجر،
تُزيَّنون للمارّة، وتُركنون للمطر.
كنتُ أظنُّكم كراسيّ للمجالس الحقة،
فإذا أنتم طاولاتٌ مقلوبة
إذا ما جلس الحرفُ على مائدتكم انقلبَ المعنى،
وانسكبَ الأدب، وانكسر الود.
كنتُ أظنّكم سندانًا أطرقُ عليه مطامحي،
فإذا بكم منابرُ متهالكة تنهارُ تحت ثقلِ الحلم،
خشبٌ لا جذور له، ولا رائحةَ غابةٍ ولا مطر،
بل نشأةُ معملٍ وطلاءُ واجهةٍ،
صنعتكم المناشير لا الغصون،
وغذّتكم الشكليات لا النسغ.
يا مَن تمثّلون ببراعة الألفة،
كم خُدِعتُ ببريق الوجوهِ الناعمة،
وما علمتُ أن من لا يصدأ، قد لا يكون نقيًّا،
وأنّ من لا يتغير، ربّما قد مات منذ زمنٍ بعيد!
أنتم لا تُطربكم أوتارُ القرب،
ولا تنحني قلوبكم إلا إذا طرَقَها الخوفُ،
أو سُمِعَ صوتُ دنانيرٍ في الجوار.
أنتم لا تتأثرون بصوت الشوق،
لكنّكم تنحنون إذا مرّ فيكم المنشار،
كأنّكم لم تُخلقوا للرفقة، بل للتقطيع!
يا خشبَ الأرواح اليابسة،
يا مَن يُزخرفكم النقشُ الخارجي،
لكنّ في أعماقكم دوداً لا يُرى...
> أنا من يُحرِّجني انكسار الكلمة،
ولا تُغويني مصقولات الوجوه،
أعشق القلبَ إذا صدق، ولو كان خشنَ النبرة،
وأهرب من ألين الناس، إن كانت فيهم لوثةُ الخشبِ المُسنّد.
فوداعًا..... يا خشبَ الصمتِ والمَيْلِ مع الريح،
لقد قرّرتُ أن أكون منشارًا،
لا لأُؤذي، بل لأصنع منكم شيئًا نافعًا :
كرسيًّا أجلس عليه وحيدًا بكرامة،
أو مكتبةً أملأها بكتب الحكمة لا بحكايات الخذلان،
أو تابوتًا أدفن فيه آخر ما تبقّى من حسنِ ظنّي بالبشر.
والسلامُ على من
إذا احترق، أشعلَ دفءَ الصداقة لا دخان الرياء،
وعلى من
إذا انكسر، لم يتهشّم، بل صار درسًا خالدًا في الصدق والنجاة.
إضافة تعليق - (( user.name )) - خروج
ادارة موقع الشعر (( comment.message.user.name )) (( comment.message.user.name ))
(( comment.message.text ))
لا يوجد تعليقات.