قصة قصيرة("مقابر لا يعودها أحد")

لـ أحمد بن محمد حنّان، ، في روايات وقصص، آخر تحديث

قصة قصيرة("مقابر لا يعودها أحد") - أحمد بن محمد حنّان

(قصة قصيرة)
"مقابر لا يعودها أحد"
 
لولا السرابُ ولولا النجْمُ والأمَلُ
لمتَّ في سفَرِ الأضواءِ ياجمَلُ
 
دعْ عنكَ أمْسَ قومٍ لن يشاطرني
إلا كما شاطَرَتْ أرواحَنا العِلَلُ
 
 
في الصيف حيث اليوم هو آخر يوم دراسي لجميع المراحل العمرية في المدارس والجامعات، كان هناك اجتماع طارئ لمسؤولي التعليم بسبب الشكاوى المنهالة عليهم من جميع قطاعات الأعمال، تتهمهم فيها بالتقصير في وظائفهم التعليمية التي من شأنها تطوير التعليم ليكون من بين خريجيها نسبتهم المعتادة التي تمضي تحت مظلة المبدعين، والتي سيكون منها العلماء، والمفكرون، والمخترعون والباحثون، حيث أن هذه النسبة تضاءلت خلال هذا العقد حتى اختفت تماما في هذه السنة، فاستبدلت هذه الفئة بفئة أخرى بين مقلد محترف، وملحد، وإمعة مدع تابع لآراء غيره يحارب في سبيلها، ومنحرف، وبين التفكير الجامد..
دخل مسؤولي التعليم لقاعة الإجتماعات فتفاجأوا بالتغييرات الجديدة فيها، طاولة مستديرة تضم نوعا واحدا فقط من الكراسي، نقوش تاريخية هنا وهناك تحمل صور طلاب أحدثوا فرقا كبيرا في مسيرة الوطن، لا ستائر معتادة، كل المارين يرونهم، أرضية تحوي منازل القمر، دخل المسؤول في خضم ضجتهم وجلس على أقرب كرسي له بجانبه سكرتيره دون أن يهمس بكلمة، بل اكتفى برمقهم بنظرته العابسة، جلس الجميع بعد تردد ونقاش حول أماكن جلوسهم،
المسؤول ينظر إلى الأسفل ينظر إلى الأرضية ليعرف أنه عاد كالعرجون القديم،
قد تستغربون هذه التغييرات التي أجريت في هذه القاعة، ولكن ما أن تقرأوا موجز الشكاوى التي تتهم إدارتنا بفشلها الذريع، ستعرفون سر هذه التغييرات،
 
فما رأيكم في هذه الاتهمات، ولا أريد أن أسمع كلمة كيدية، فأنا قد اطّلعت على الماضي المبهج والحاضر البائس واحتضار المستقبل إن نحن لم نتوصل للحلول الآن،
قال قائل منهم:
ولكن مناهجنا التعليمية لم تتغير في هذا العقد عن سابقها كثيرا إلا للأفضل، والمعلمون مواكبون لهذه التغييرات،
المسؤول:
لذلك سأكلف كل واحد منكم بمهمة إجراء بحث عن أسباب انقراض تلك النسبة تدريجيا في العقد الأخير،
وستحملون خلال هذه الفترة شارات خاصة تخولكم الولوج لأعمق التفاصيل دون معوقات أو قيود تقصيكم عن أداء مهامكم، وسيكون لنا لقاء آخر في نفس هذا المكان بعد ثلاثة أشهر.
 
سلك كل منهم طريقا يخصه ويهيّض شكوكه، فمنهم من اتجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومنهم من ذهب بقلمه للقطاع الخاص والعام، ومنهم من لم يتورع عن غرز أنيابه في التعليم، ومنهم من قال أن ضالته في المجتمع، ولكن يوسف قرر التسكع بين أزقة الثقافة والفنون، فتفاجأ بكمية الفجوة الموجودة بينه وبين المجتمع، أفكار أجنبية، تقليد، جمود، لا إتقان ..
لقد كان كل ماحولهم من أشياء تخص حاضرهم معدومة، لماذا ياترى، هل غادر الشعراء من متردم؟!
فكان أحد مخرجي المسلسلات مارا بجانبه وسمعه فأجاب بعفوية:
لا جديد نقتفيه،
نظر إليه يوسف في صمت وشرد به تفكيره بعيدا، ولكنه مالبث حتى استقر إلى المخرج مع ابتسامة مبهمة،
قرر حينها زيارة أكبر معرض كتب في الوطن حتى يتيقن من شكوكه، فاتجه مباشرة للكتب العربية، حيث قصد المكان الذي لطالما تحبه العرب وتبجله (الشعر)، ولكن لماذا لا توجد دوواين لشعراء هذا العصر، فوسائل التواصل الإجتماعي تعج بالشعراء المبدعين، وعندما قصد قسم الرواية، وجدها إما روايات أجنبية مترجمة، أو روايات عربية من دول أخرى، أو مذكرات لشخصيات تافهة تدعي فن الرواية.
ماهذا الذي أراه، أين دوواين الشعر لشعراء هذا العقد المنصرم، أين روايات وقصص الرواة فيه، لماذا كل هذه الترجمة لحاضر لايشبه حاضرنا، وهل كل أحد يستحق أن يروي حياته في كتب.
أجبني أيها المشرف، فأنا أجهل مايحدث هنا؟!
تلعثم المشرف عندما رأى شارته وقال:
أنا لا أعرف إجابة لأسئلتك التي سألتني عنها، ولكنني سأكفيك عناء السؤال الأول، إن الناس الآن لا تحب قراءة الشعر، لذلك فإن وجودها سيسبب عبئا كبيرا على المعرض، أما الروايات، فقد مر وقت طويل على آخر راو عرض روايته بمكتبتنا،
فجأة دون سابق إنذار، السلام عليكم، رجل في الثلاثين له شعر أشعث ولحية مهملة يحمل بين يديه كتابا يضمه لصدره كأحد أولاده، ردَّا التحية، فوجه ناظريه باتجاه المشرف وقال:
لدي راوية أريد عرضها بمكتباتكم المنتشرة في أرجاء الوطن، أعتذر أقصد معارضكم.
المشرف:
أهم شرط لقبول عرض روايتك بمعارضنا أن نحصل على نسبة ٦٥٪؜ من قيمة الرواية.
الراوي:
ولكن هذا مجحف بحقي، فالذي تبقى لن يغطي تكاليف إعادة طباعتها!
نظر إليه المشرف بتعال وازدراء وقال:
إن كان عجبك .. ،
ويجب عليك قبل ذلك فسح روايتك عن طريق أي مكتبة، أو دار للنشر، لتكون في المعرض بشكل نظامي.
حزن الراوي كثيرا فقال في نفسه لقد تكبدت عناء طباعتها في الخارج من أجل رخص طباعة الكتب هناك، وبسبب عزْفِ أغلب دور النشر هنا عن طباعة الروايات، لأصدم الآن بجشع هذه الخدمة المقدمة من دور النشر والمكتبات،
لن أنشر أي رواية أخرى بعد الآن ،
يوسف:
علمت الآن كل شيء،
رجع إلى المنزل خائر القوى، وقرر المكوث فيه والتفكر في ماتحصل عليه من معلومات حتى الآن وعلاقتها بموضوع بحثه، فقضى قرابة الثلاثة أيام يحاول ربط الأحداث والمعلومات ببعضها البعض، وبينما هو كذلك تذكر صديقه عليا في المدرسة المتوسطة، والذي كان يحب كتابة الشعر والرواية ويبجل الأدب، يحذو حذو أبيه في ذلك،
سأقصده غدا، أتوقع أنه الآن ذو كعب عال في الأدب،
صلى يوسف بجوار منزله صلاة العشاء لعله يلتقي به هناك دون إزعاجه بقرع جرس منزلهم دون سابق إنذار، فهو لا يعرف وسيلة اتصال به سوى عنوانه،
وعندما فرغ من صلاته التفت يمنة ويسرة يفتش عن ملامح صديقه بين المصلين، فلم يهتد إلا لملامح رجل مرتاب يجلس في إحدى زوايا المسجد يوجّه نظره إليه دون تحديق مثير، قرر يوسف حينها الإقتراب منه ليقطع الشك باليقين،
من؟ علي!
لم يعرفه علي ولكنه شعر بشفقته تجاهه، وهذا يكفي لنفوره من نظراته،
ألم تعرفني؟! أنا يوسف صديقك القديم من المدرسة المتوسطة، يبدو أنك لم تتذكرني أيها الكاتب المبدع،
 
وفجأة ودون سابق إنذار إنفجر علي كنقبلة هيروشيما، ومن قال لك إنني كاتب، أنا لست متسولا أو وضيعا لتقول لي هذا، وبدأ حينها بإخراج قنينة حبوب من جيب قميصه بينما كانت أجزاء جسده ترتجف وتناولها على الفور ليهدأ، ثم غادر وهو يحدث نفسه أنا لست كاتبا..
يوسف مذهولا من ردة فعل صديقه، ماهذا الكلام الغير منطقي، هل جن هذا الرجل أم ماذا؟!
يبدو أنه تعرض لأزمة نفسية حادة، لابد أن أقصد أباه حتى أطمئن عليه وأعرف ماحل بصديقي في غيابي، فحاله لايسرُّ صديقًا ولا عدوًّا
.
قرع الجرس ثلاث مرات فلم يجبه أحد، فهمَّ الإنصراف لمنزله وتأجيل الزيارة ليوم آخر، ولكن أبا علي فتح الباب قبل انصرافه،
قبَّله على رأسه وعرَّف بنفسه، فدعاه لدخول المنزل واحتساء القهوة معه،
وبينما كانا يتسامران رأى يوسف أوراقا كثيرة مقطعة بجوار المدفأة، ولكنه لم يطل النظر، بل بدأ بسرد تعجباته بشأن ابنه،
الأب:
أنا السبب.
- كيف ذلك؟!
- لا يخفى عليك حب علي للكتابة وإعجابه الكبير بي، ولكن الشيء الذي لا تعلمه هو أكبر مما تتوقع، لقد تعرض علي خلال صحبته لي لمواقف سيئة كثيرة لا تعد ولا تحصى، فجعلت من هو ماتراه الآن، تخييري من قبل بعض المشاهير بين بعض أفكاري وكتاباتي من أجل صعودي لسلم الشهرة، تهميشي، التطاول، سرقة معظم كتاباتي وأشعاري من قبل أدباء كبار، المحسوبيات، ولكن كل هذا لم يكن ليؤثر في علي وهو الذي كان ابن هذا العالم الأدبي منذ نعومة أظفاره، فالأمر الذي لخبط كيانه فعلا وعزله عن هذا العالم بشكل كبير هو شيء آخر، لقد كان بسبب موقف لي مع أحد أصحاب الشركات الذي ظننته آنذاك صديقي، حين مررنا به في مقر شركته لإلقاء التحية والمضي في طريقنا، لقد أدخلنا سكرتيره إليه واستقبلنا ذلك المنافق أحسن استقبال، ولكنه كان يبطن الشر لنا ولسكرتيره بسبب إدخاله لنا قبل مشهور ما وتاجر، رغم أن المسكين أدخلنا على موعدنا المحدد من قبله؛
لقد وبخ هذا الجاحد سكرتيره في مكتبه وقلل من قيمتي أمامه ووصفني بأشنع الصفات وحط من مقامي بينما كنا نمر بمكتب السكرتير نهم بالخروج، لقد كان المايكروفون المتصل بمكتبه مفتوحا، فصدمنا مدير الشركة الذي كنت أظنه صديقي بآرائه ونظرته عني، لقد كُسرت صورتي العظيمة أمام ابني، وكسر هو أيضا،
لم نستطع الخروج من هذا الموقف من حياتنا أبدا.
فصرنا بعد ذلك نخجل ونخاف إن نعتنا أحدهم بكلمة شاعر أو راو أو أي كلمة ترمز للكتابة، حتى أنني في كل شتاء يمضي أحرق بعض كتبي في المدفأة حتى اُخرج من تفكيري محبة كلمة كاتب.
ذُهل يوسف من كلمات أبي علي المحزنة، ولكنه تحامل على نفسه وسأله:
ولكن ماذا تقصد بانعزال علي عن الكتابة بشكل كبير؟! ألم يتوقف؟!
- لا لم يتوقف أبدًا، بل إنه يكتب بشكل مستمر، ولكن مايكتبه يظل محتفظا به في خزانة مكتبه ولا يريه لأحد أبدًا، حتى أنه لم يستثنني من هذه القاعدة.
ثم أخذه إلى غرفة علي التي يكتب بها ليريه من خلف زجاج خزانته كمية نتاجه من دوواين وروايات وأفكار فلسفية لم تطبع أو تنشر لترى النور،
وبينما كانا يغادران مكتب علي لمح يوسف غرفة مكتبية أخرى كانت مفتوحة، وعندما سأل عنها تلعثم أبو علي ولم يستطع الكلام، ثم اجتذبه بيده إلى مجلس الرجال مرة أخرى.
 
شعر يوسف بالحزن على صديقه وأبيه، ولكن لم يكن بيده حيلة، فتواصل بعد ذلك مع عدة شعراء وكتاب كان يعرفهم قبلا ليرى انطباعهم عن الكتابة وتجاربهم حتى يتيقن بأن مامر به صديقه علي وأبيه لم تكن مجرد مصادفة أو نتيجة ردة فعل قوية غير مسبوقة، فوجد أنه بمجرد أن ينعت أحدهم بالكاتب أو الشاعر حتى يحمر وجهه خجلا ويأخذ بالتلفت يمنة ويسرة حتى يتأكد من أن أحدا لم يسمعني، ولكن مادخل كل هذا ببحثي، يبدو أنني انجرفت لعالم الكتابة دون وعي، وبينما كان ينهر نفسه ويوبخها، اكتملت الصورة أمامه، لقد علم سبب التقليد والجمود والانحلال الفكري لدى الطلبة الذين سيمثلون المستقبل، إنه غياب الكاتب وخياله، هم لم يتعلموا أن يحلموا، لم يسمعوا كلمة الأماني والأمل، لم يتفيأوا ظلال الخيال الخصب، فكيف للمبدع ألا يكون كذلك.
أرجو أن يجد بحثي آذانا صاغية.
 
دخل المعلمون القاعة على الموعد فتفاجأوا بوجود رئيسهم يقطع الغرفة ذهابا وإيابا في قلق، فزاد ارتباكهم، أسند يديه على أحد الكراسي معلنا مكانه وأمرهم بالجلوس بينما كان لايزال واقفا يرمقهم بنظرات موحشة، وما أن اكتمل العدد وفتح كل واحد منهم ملفه حتى أخذ مكانه في الطاولة المستديرة.
 
من منكم سيبهرني أولا؟!
فتكلم الأقرب إليه عن وسائل التواصل الإجتماعي وتأثيرها على الطلبة، ولكنه خيب ظنه، فوسائل التواصل حتى وإن كان لها تأثير سلبي على مستوى الطلاب، فهي لن تكون سببا في محو الإبداع وإسدال الجمود، وتكلموا بعد ذلك تباعا وهو يرد على واحد منهم باقتدار، وكان يوسف في خضم مايسمع يتردد شيئا فشيئا عن الحديث حتى أخفى في نهاية الأمر بحثه ووضعه تحت الطاولة، لحظ المدير خوفه وإخفاءه لبحثه، فابتسم ابتسامة مكر، ووجه كامل انتباهه إليه، قل مالديك يا يوسف:
تلعثم يوسف ولم يعلم مايقول له:
لا أملك شيئا ذا أهمية، فاعفني الحديث مما لا نفع فيه،
المدير:
أنا من سيقرر ذلك وليس أنت، فقل مالديك.
استسلم يوسف للأمر الواقع وتحدث عن كل زاوية تخص بحثه بعمق، حتى أكمله بتأملاته،
 
صمت المدير طويلا دون أن ينبس ببنت شفة، ثم وقف وأسند يديه على الطاولة وأنهى الإجتماع، ولكنه استوقف يوسف قبل انصرافه وطلب منه الجلوس،
 
لابد أن كلمات التوبيخ لامجال لقولها أمام بقية المعلمين، إنه يريد افتراسي.
 
لقد أحسنت الإختيار والتفكير يايوسف، لذلك سترافقني الأسبوع القادم لاجتماع آخر يضم جميع الأطراف المعنية، وستكون أنت خير من يمثل التعليم، ولا تقلق سأكون بجوارك داعما لأفكارك.
تنفس يوسف الصعداء بعد أن أثلج مديره صدره بكلماته الملآ بالثقة، فشكره وانصرف إلى مكتبه،
لم يصمت هاتف يوسف المتنقل عن الرنين خلال ذلك الأسبوع فزملاء عمله يريدون معرفة الحديث الخفي الذي دار بينه وبين مديرهم، حتى أنه عندما أغلق هاتفه، قدموا إلى مكتبه ليستوضحوا الأمر منه، لكنه لم يجبهم على شيء.
أشرقت شمس اليوم الموعود على وجه يوسف الذي لم يعانق الكرى ليلة البارحة، وبدأ بترتيب أفكاره حتى تكون لكلماته أثر كبير على الحضور .
 
كان الاجتماع كبيرا جدا، فلم تتبقى جهة عامة أو خاصة إلا وشاركت فيه، ولم يتبق طيفا من أطياف المجتمع إلا وهناك من يمثله، والمتهم الوحيد هو التعليم.
بدأ رئيس اللجنة بعد حمد الله والثناء عليه بتوجيه اتهامات الموجودين إلى التعليم ليعلم ما أعد للدفاع عن كيانه:
فبادر يوسف بالحديث، وسرد للجنة أجزاء بحثه بروية وعمق، وتكلم أيضا عن تجاربه مع مشرفي المكتبات والمعارض، وتقوقع كتاب الوطن حول أنفسهم، وتأثير ذلك على طلاب العلم.
وما أن أكمل سرد بحثه حتى تسلم مديره زمام الحديث ليقول:
لم ينقرض الإبداع ليحل محله الجمود والإلحاد والإنحراف والتقليد كما أسلفتم أيها السادة، بل انقرض الخيال، والأمل، والأماني، لقد انقرض الكاتب الحالم، وأحللتم مكانه كُتَّابا لايمثلون شيئا لثقافتنا وتفكيرنا، لذلك كان الجيل مقلدا ..
أنا لا أنكر مشاركة التعليم في هذه المهزلة بطريقة غير مباشرة، ولكنكم جميعا تعمدتم دفن هذا الكاتب، إن المشكلة ليست في جهة معينة، بل في مجتمع بأكمله ..
 
انتهى ..
© 2026 - موقع الشعر