أفصحت وغيرك أزبد! (محمد بن إسماعيل) - أحمد علي سليمان

نافحْ فقد عربدتْ في الدار أزيارُ
واستفحلتْ فتنة عمّتْ وأخطارُ

واطفئ النارَ في أجواء صحوتنا
فلا يرى عبرها في الدار مِسعار

وأخمدِ الحربَ ، وامحقْ بأسَ حائكها
ومَن له في اندلاع الحُمْر إصرار

وأخرس الخصمَ مَن أودى بعزمتنا
ومَن هو اليوم في التنظير مِجعار

وألجم البُلهَ ، لا تعبأ بهجمتهم
فلا يكون لهم رقٌ ولا طار

واضرب بفأس الهُدى أفعى تطاولهم
فإن فعلتَ فلا يعلوك صُرصار

وارم القنابل فوق البغي محتسباً
ولا عليك فأهلُ البغي أغرار

واهدمْ غرور كبير القوم في جلدٍ
فإنه في اصطناع الغدر ديار

وحطم الجهلَ في أحشاء مَن صُرعوا
هم جوقة ، ضمهم في الملتقى الزار

تجمّعوا ، واندحارُ الحق مَطمحُهم
وآلة الحرب جيتارٌ ومِزمار

وكيف يَغلبُ أهلَ الوحي مَن فسقوا؟
أو كيف يغلب طبالٌ وزمار؟

وكيف تنقد أهلَ الحق شرذمة
مِن المعاتيه ممن تلفظ الدار؟

وكيف يُرمى بقوس الكيد مَن علموا
ولم يُملهم عن التبليغ دينار؟

وكيف ينبذ أهلَ الخير مَن سفلوا؟
وكيف يلمزهم غرٌ وسَحّار؟

يا ابن المقدم أبطلْ سحر مَن فجروا
أنت الرشادُ ، وهم واللهِ فجار

ولا أزكي على الرحمن من أحدٍ
لكنه حقكم ، والناسُ أقدار

أحبكم ، ورضا الفتاح لي أملٌ
واللهُ يشهد والإسلامُ مِعيار

وأعلن الحب ، لي فخرٌ به وشذىً
وتعزف الحب في الإحساس أوتار

يا من أجدت فنون القول في ثقةٍ
وقولك الفصلُ في الأحداث بتار

فكم كتبتَ مقالاتٍ لها أرجٌ
وأبرزتْ حسنَها للناس آثار

وكم نقشتَ تآليفاً مبيّنة
أبوابُها لكسير القلب سُمّار

وكم أبنتَ مناراً في محاضرةٍ
فيها الدليلُ بدا تزجيه أخبار

يا رافعاً راية التحقيق سامقة
جُوزيتَ خيراً على ما كنتَ تختار

كم ذدتَ في الله تبغي نصر شرعته
وخلفك الصِيد في البستان أزهار

لم يرهبوا القهر في (بستيل) مَن كفروا
فهؤلاء لهم نهىً وأبصار

هم يُدركون بأن الذل مَخبثة
وأن موت الفتى على الخنا عار

لمّا يعيشوا لأموال ولا لثرىً
لطالما استعبدَ المفتونَ دولار

لكنهم زهدوا في كل ما ملكوا
شُم الأنوف ، على شرع الهُدى غاروا

رأيتُ أغلبهم بالفقر مُفتخراً
وغيرُهم في اجتلاب الفلس مِنشار

أحسنتَ تربية الأشبال فاستبقوا
رضا المليك ، فهم في الخير كُرار

ولم يُقيموا على سُوآى ومعصيةٍ
لأنهم مِن فِعال الشر فرار

وعمّتِ الجيلَ فوضى لا رشاد بها
ومثل ذلك لم تشهدْهُ أعصار

فأذهبت ريحَ قومي دون فائدةٍ
وأصبحتْ عند بعض الناس أعذار

واستثمرتْ في ديار الكفر جذوتها
وأشعلتْ بيننا - رغم الإخا - النار

حتى أتى الدور نسرَ الصِيد سيدَنا
فزندقوه ، وبادي الحرب مكار

لولا اليهودُ وأهلُ الصلب ما انطلقوا
لأنهم في حساب الحق أصفار

إن اليهود إذا ما استدرجوا زمراً
لدمروهم ، وإن الكيد غدار

وهم يردّون صاع الفذ ملحمة
فيها رجالُ الهُدى في البأس أطهار

فقد تعقبهم شيخ الجمال وما
كنى ، فليث الهُدى في الصدع مِغوار

لم يخش صولتهم ولا الذين طغوْا
فإنهم عندهُ نوقٌ وأعيار

كم ناوأ الليثُ في داري مصالحهم
وكم تصدّى لكي يُستأصل الفار

مُجاهدٌ عطرَ الدنيا بثورته
وعالمٌ في بيان الحق مجهار

وثائر لا يخاف الناسَ قاطبة
والسيف في يده يعلوه إشهار

وسائرٌ فوق هام السحب مفتخراً
بنصرة الحق ، جندُ الحق أبرار

وفارسٌ يعرف الأعداءُ صولته
وعزمُه لمُريد الخير تذكار

وكاتبٌ في ذرى الجوزاء همّته
يراعُه في ذيوع الخير جَرار

وشاعرٌ شعرُه - بعد الهوى - جزلٌ
ولم يَصُغ مثله مِن قبلُ مِهيار

لأنه صادقُ الفحوى له ألقٌ
وليس يكتب هذا الشعر بَشار

ديوانه نسختْ أغلاطه (هُبَل)
فإنها في رياض الشعر آبار

كذا (أخي أنت حرٌ) في تشامخِها
مَعينُ خير ، وفي الظلماء أقمار

وناقدٌ منصفٌ ، فالنقدُ صنعته
لهُ بشتى القرى في النقد أسفار

وليس يملك ميزاناً بلا صنج
وليس للفذ في ذا النقد أوطار

كذا أديبٌ له بين الورى فِكَرٌ
له الإباءُ مدىً والعزمُ أفكار

وكان ليثٌ له في النصح مدرسة
نجمٌ على فلك التأليف سَيار

قد جدّد الدينَ في أعماق صحوتنا
وبعدُ تابعه في العز أخيار

وفضلهُ شهدتْ بكمّه قِممٌ
وكم له اتجهتْ في الأرض أنظار

ولا تحيط بوصفِ الليث أخيلة
ولا تصور ما أسداهُ أشعار

ولا نزكي على الغفار من أحدٍ
وربنا حسبُه ، والمدحُ أوزار

لولا مزالقُ في جلبابه علقتْ
لمَا تطاول رهبانٌ وأحبار

لولا أغاليط في تأليفه سقطتْ
لمَا استطال على الرئبال أبعار

ويغفر الله ما أزجاهُ من خطأ
تبارك الله منانٌ وغفار

منا الخطايا ، لأنا كلنا بشرٌ
واللهُ يغفرها ، فالربُّ ستار

أخطاؤه غرقتْ في بحر ثروته
لكنما زادَها في الكيف أشرار

كانت وقوداً لمن في عِرضه رتعوا
وباذلُ الخير صرحٌ ليس ينهار

إذ قيّض اللهُ مَن يذود منتصراً
عن الهمام ، ولم تصرفه أوضار

فأعلن الجد في التقييم مصطبراً
وهتكتْ في بيان الحق أستار

وبعدُ شبت بثوب الزيف مَعدلة
وابن المُقدّم فيها نعمَ هدار

يزيدُه حكمة ، والعلمُ عُدته
وليس يثنيه عند الصدع خوار

يرد حقاً إلى المظلوم سيدِنا
يحنو عليه فيشوي عطفه الثار

ويُسلم القوْس للباري بلا ملق
فما (مُحمدُنا) في الحق سِمسار

ويُنصف الليث مِن أضغان شرذمةٍ
جميعُهم شرقوا بالقطب ، واحتاروا

يَدلهم لمعين الحق مُحتملاً
أذى الجميع وتشويش الألى ثاروا

فناظر الخصم ، لم يعبأ بهجمته
ولم يشبْ عزمَه في الذود إدبار

ليثٌ ينافح عن نسر بمعركةٍ
يُصب فيها اللظى والكيدُ والقار

جنودُها جوقة لا ترعوي لهُدىً
باعوا الضمير سُدىً ، فبئس تجار

تعلمنوا ، فغدا الإرجاف مذهبهم
كلٌ له حول ذبح الليث إصدار

ماذا دهاهم غدوا مثل الذباب نزا
على القروح له نابٌ وأظفار

يا ابن المقدم كن سيفاً يؤدبهم
لأن مكرهمُ بالقطب كُبار

ولا عليك إذا فارت جحافلهم
فسوف تجمعهم يا صاح أوكار

لا يعمدون إلى التحقيق مذ برجوا
وليس عندهمُ في النقد منظار

يُزندقون عبادَ الله في شُبَهٍ
وينفخون الغثا ، والدس غرار

يا ابن المقدم أوقف جوقة هزلتْ
عن العِناد ، فبئس الجهلُ تيار

كم عالم في بقاع الأرض قد ذبحوا
وكم فقيهٍ بهم ضمته أسوار

وكم أديب محو آدابه ليَمُتْ
وإن أراد حياة لفه الغار

وكم مُحدّث ركب أهدروا دمَهُ
كي يستريحوا ، وذيعتْ عنه أسرار

وكم كتاب حوى للخير مَلحمة
قد مزقوه ، وصيغتْ عنه أحذار

وكم مقال يخط الصدق قائله
تعقبوه ، وفي أهوائهم ساروا

تنوعوا فرقاً في كل خندمةٍ
ووزعتْ بينهم في الزيف أدوار

من كل مرتزق في كفه حجر
يا بؤس من رجموا وبئس أحجار

هم يأكلون لحوم الشُم تشفية
ويشربون الدما ، والصاعُ مِدرار

كيف استساغوا الدما واللحم أجمعهم
وهل يطيب لعف الذوق صبار؟

يا ابن المقدم أدّب جوقة عمدتْ
إلى الهُراء ، ومَن على الهُدى فاروا

فكم أخذتَ على الأستاذ مزلقه
كذاك قد أخذتْ عليك آثار

فلا تصوّب سهاماً في مناظرة
لأنه الفهمُ مثلُ النجم سيار

كذاك كم أخطأ الفهمَ الذين مضوْا
بسرعة الأخذ ، والتعجيلُ قتار

وسوءُ فهم الفتى يَزيد عُجمته
عن الأمور فيحذو حذو مَن جاروا

رجّحتَ رأي ابن إدريس ورفقته
ومن رأى رأيه ممن له ثار

فليثنا لم يُحارب فِقهنا أبداً
وقوله عن أصول الفقه إقرار

لكنه قال: هذا الفقهُ يلزمه
شعبٌ يوحّد رب الكون ، والدار

واقرأ مقالته بآي (يوسف) في
سِفر الجمال ودع مَن في الهوى ساروا

تلق العباراتِ في طهر وفي وضح
كأنها في دجى التطويع أقمار

وارجع إلى خمسة الآلاف دون هوىً
وأنت في صولة التحقيق صبار

(محمدَ) الخير أبشرْ أنت منتصرٌ
ولن يضرك مَن في كيدهم حاروا

وهل ترد شروقَ الشمس زوبعة؟
وهل تؤثر في المِشكاة أعفار؟

وهل يُقيّم أهلَ العلم مَن جهلوا؟
وهل يخوّف أسْد الغاب أجفار؟

وهل ينال مِن الطود العظيم هبا؟
وهل تدنس هذا الطودَ أغبار؟

وباذلُ الخير نبراسٌ بصحوتنا
وإن علا عنه تحذيرٌ وإنذار

أما مزالقه ، فاللهُ يغفرها
وسِيرة النسر أطباقٌ وأطوار

مَن ذا الذي سلمتْ أقواله أبداً
ولم تكن لصدى الأفعال أضرار

كلٌ يُصيب ويخطي رغم حِيطته
وللمعلم بالأخطاء إقرار

ومَن تتبعَ عوراتِ الألى فقهوا
فسوف يفضحُه في الخلق جبار

ومَن بضاعته الإيقاعُ مُنهزمٌ
طال الزمانُ به ، أو طال مِشوار

والناسُ تقرأ ، فيم الحيصُ يا حُمُرٌ؟
وكيف يكتب في التقييم أثوار؟

سيقرأ الجيلُ ما قد صاغ سيدنا
من الجمال ، وللتبيين إسفار

ويقرأون رموزاً في معالمه
هي الرياضُ ، وجيلُ الحق زوار

كانت عبارته سلوى تَضعضعِنا
هذي العباراتُ للخطاب أبكار

ويقرأون أصولاً في خصائصه
هذي الأصول بليل الزيف أسحار

ويقرأون زيوفاً في (مساوئكم)
ويقرأون كذا (أنواء) مَن جاروا

يا خيبة سطرتها للورى كتبٌ
عَوارُها ظاهرٌ ما فيه إضمار

ويكشف النقد للدنيا عمالتكم
حديدُهم مُشهرٌ ، والسجنُ ، والنار

وأغلبُ القوم عُبدانٌ لهم ركعتْ
ولا يعيش مع العُبدان أحرار

لولا الطواغي لمَا أهواؤكم طبعتْ
وما استكانت لها بالفسح أقطار

لو كان أصحابها في الجهل لم يقعوا
ما لفقوا الزيف ، ما لفوا وما داروا

هم يحسبون بأن الناس في عَمهٍ
وأن ألبابهم تيهٌ وأقذار

لا يقرأون سوى ما خط مُبتدعٌ
مِن الهُراء ، فليست فيه أثمار

إن اللبيب له عقلٌ يدل به
وكل أمر له في الفهم مقدار

ولا يصدّق مأفوناً سوى خرفٍ
والحمقُ في البعض أبدالٌ وأغيار

يا ابن المقدّم أبشرْ ، طالما ارتفعوا
سيسقطون ، وهذا الحالُ إشعار

(علو همتكم) يُهدي القلوبَ إبا
ويُفحِم البُله ، إن البُله أغرار

كذاك (حُرمة أهل العلم) في نظري
مؤدبٌ من على الأعلام قد جاروا

أكرمْ به مرجع في الانتصار لهم
كالنبت تحميه في البستان أشجار

يا ابن المقدم قد أثلجت خاطرنا
بذا الكتاب ، فذا للبيد أنهار

ما إن تصفحته حتى تملكني
كأن أبوابه للقلب أذكار

ولم يجرّحْ ، فذا يزيده ألقاً
كأنه بين كل الكتْب نوار

سَما عن النيل مِن أعراض مَن علموا
كأن أفكاره للأرض أمطار

تلقفته أيادٍ بوركتْ أبداً
واستقبلته بكل الشوق أمصار

هذا الكتابُ بديعٌ في مباحثه
وابن المقدم في التصنيف مِغوار

فاكتب كتاباً عن النسر الشهيد له
نزاهة البحث والإنصافُ مِعيار

قل ما له دون إفراط يُشوهه
وما عليه بلا غِش ، فذا عار

فأنت أولى بهذا المجد يا بطلاً
فقُدْ سَفينَ الفِدا ، فنعم إبحار

وأنت أولى بأجر الله يا رجلاً
إن الرجال بتقوى القلب أطهار

وأخرج الليث من أنياب مأسدةٍ
ولا عليك إذا حاطتك أخطار

وخُصّه بدقيق البحث مُحتسباً
لطالما رفع الإنسانَ إيثار

وانقدْ تراث الشهيد الفذ معتدلاً
ومَطلبي شائكٌ ، وفيه أوعار

فسيد الخير يوماً كان مُعجزة
وإن أفكاره في الجو أطيار

والكل يُدرك أن الليث مُهتضمٌ
وليس ينصره منهم ولا الجار

لأن أكثرهم لا علم في يده
ولا الفؤاد على التوحيد غيّار

ولا رجولة خلف الظل ، بل شبحٌ
يُخيفه ، وارتعاشُ العزم ديّار

وكيف تنصر نسرَ الخير عاطفة؟
وكيف ينصره شجبٌ وإنكار؟

وكيف يُنصف قطبَ الحق مَن جهلوا
ومَن ذخيرتهم طينٌ وفخار؟

ومِن هنا فانطلقْ يا ابن المقدم ، لا
تعبأ بمَن خنعوا ، والراحة اختاروا

فالعلمُ عندك ، والإقدامُ مدخرٌ
واللهُ ناصرُكم ، والربّ قهار

© 2024 - موقع الشعر